درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۹: مقدمه مباحث حجت ۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

لانسلاخ القطع عنده ، وانقلابه إلى الظنّ ، فما فرض أنّه قطع لا يكون قطعا ، وهو خلف محال.

وهذا الكلام لا ينافي أن يحتمل الإنسان ، أو يقطع أنّ بعض علومه على الإجمال ـ غير المعيّن في نوع خاصّ ، ولا في زمن من الأزمنة ـ كان على خطأ ، فإنّه بالنسبة إلى كلّ قطع فعليّ بشخصه لا يتطرّق إليه الاحتمال بخطئه ، وإلاّ لو اتّفق له ذلك لانسلخ عن كونه قطعا جازما.

نعم ، لو احتمل خطأ أحد علوم محصورة ومعيّنة في وقت واحد فإنّه لا بدّ أن ينسلخ كلّها عن كونها اعتقادا جازما ؛ فإنّ بقاء قطعه في جميعها وتطرّق احتمال خطأ واحد منها لا على التعيين ، لا يجتمعان.

والخلاصة أنّ القطع يستحيل جعل الطريقيّة له [جعلا] تكوينيّا وتشريعيّا ، ويستحيل نفيها عنه ، مهما كان السبب الموجب له [ولو كان من خفقان جناح أو مرور هواء]. (١)

وعليه ، فلا يعقل التصرّف فيه بأسبابه ، كما نسب ذلك إلى بعض الأخباريّين من حكمهم بعدم جواز الأخذ بالقطع إذا كان سببه من مقدّمات عقليّة ، (٢) وقد أشرنا إلى ذلك في الجزء الثاني (٣).

وكذلك لا يمكن التصرّف فيه من جهة الأشخاص ، بأن يعتبر قطع شخص ولا يعتبر قطع آخر ، كما قيل بعدم الاعتبار بقطع القطّاع (٤) قياسا على كثير الشكّ الذي حكم شرعا

__________________

(١) ما بين المعقوفين موجود في «س».

(٢) ولعلّ المراد من «بعض الأخباريّين» هو الشيخ الأمين الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة : ١٢٨ ـ ١٣١ ، والعلاّمة البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ١٢٥ ـ ١٣٣.

ولكن لم أعثر على من نسبه إليهم صريحا. والشيخ الأنصاريّ إنّما نقل النسبة إليهم وقال : «وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين ...». بل المحقّق الخراسانيّ أنكر نسبته إليهم ، وقال : «وإن نسب إلى بعض الأخباريّين أنّه لا اعتبار بما إذا كان بمقدّمات عقليّة ، إلاّ أنّ مراجعة كلماتهم لا تساعد على هذه النسبة ، بل تشهد بكذبها ...» راجع كلامهما في فرائد الأصول ١ : ١٥ ، وكفاية الأصول : ٣١١.

(٣) راجع الجزء الثاني : ٢٤٧ ـ ٢٤٨.

(٤) ككاشف الغطاء ، حيث قال : «وكذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنّه فيلغو اعتبارهما في حقّه». كشف الغطاء : ٦١.

بعدم الاعتبار بشكّه في ترتّب أحكام الشكّ.

وكذلك ، لا يمكن التصرّف فيه من جهة الأزمنة ، ولا من جهة متعلّقه بأن يفرّق في اعتباره بين ما إذا كان متعلّقه الحكم فلا يعتبر ، وبين ما إذا كان متعلّقه موضوع الحكم أو متعلّقه فيعتبر ؛ فإنّ القطع في كلّ ذلك طريقيّته ذاتيّة غير قابلة للتصرّف فيها بوجه من الوجوه ، وغير قابلة لتعلّق الجعل بها نفيا وإثباتا. وإنّما الذي يصحّ ويمكن أن يقع في الباب هو أن يلفت نظر الخاطئ في قطعه إلى الخلل في مقدّمات قطعه ، فإذا تنبّه إلى الخلل في سبب قطعه فلا محالة أنّ قطعه سيتبدّل إمّا إلى احتمال الخلاف أو إلى القطع بالخلاف ، ولا ضير في ذلك ، وهذا واضح.

تمرينات (٤٧)

التمرين الأوّل :

١. ما معنى قولهم : «حجيّة العلم ذاتيّة»؟

٢. بيّن ما علّل به الشيخ وجوب متابعة القطع؟

٣. ما هو منشأ المسامحة في التعبير بوجوب متابعة القطع؟

٤. ما معنى كون القطع طريقا ذاتيّا؟ بيّن وجه استحالة جعل الطريقيّة للقطع ، ووجه استحالة نفيها عنه.

التمرين الثاني :

١. قال المصنّف : «وهذا الكلام فيه شيء من الغموض» بيّن وجه الغموض.

٢. اذكر أقوال المتأخّرين في معنى وجوب متابعة القطع.

٣. اذكر الأقوال في حقيقة القطع ، واذكر القول الراجح عند المصنّف.

٤. ما الفرق بين الجعل التأليفي ، والجعل التشريعي؟

٥. ما معنى قولهم : «الذاتي لا يعلّل»؟

٦. اذكر ما نسب إلى بعض الأخباريّين في الأخذ بالقطع ، واذكر وجه النظر في هذه النسبة.

٧. من هو القائل بعدم اعتبار قطع القطّاع؟

٨. موطن حجّيّة الأمارات

قد أشرنا في مبحث الإجزاء (١) إلى أنّ جعل الطرق والأمارات يكون في فرض التمكّن من تحصيل العلم ، وأحلنا بيانه إلى محلّه ، وهذا هو محلّه ، فنقول :

إنّ غرضنا من ذلك القول هو أنّنا إذ نقول : «إنّ الأمارة حجّة» كخبر الواحد ـ مثلا ـ ، فإنّما نعني أنّ تلك الأمارة مجعولة حجّة مطلقا (٢) ، أي إنّها في نفسها حجّة مع قطع النظر عن كون الشخص ـ الذي قامت عنده تلك الأمارة ـ متمكّنا من تحصيل العلم بالواقع أو غير متمكّن منه ، فهي حجّة يجوز الرجوع إليها لتحصيل الأحكام مطلقا ، حتى في موطن يمكن فيه أن يحصل القطع بالحكم لمن قامت عنده الأمارة ـ أي كان باب العلم بالنسبة إليه مفتوحا ـ. فمثلا ، إذا قلنا بحجّيّة خبر الواحد فإنّا نقول : إنّه حجّة حتى في زمان يسع المكلّف أن يرجع إلى المعصوم رأسا ، فيأخذ الحكم منه مشافهة على سبيل اليقين ، فإنّه في هذا الحال لو كان خبر الواحد حجّة يجوز للمكلّف أن يرجع إليه ، ولا يجب عليه أن يرجع إلى المعصوم.

وعلى هذا ، فلا يكون موطن حجّيّة الأمارات خصوص مورد تعذّر حصول العلم ، أو امتناعه ، ـ أي ليس في خصوص مورد انسداد باب العلم ـ بل الأعمّ من ذلك ، فيشمل حتى موطن التمكّن من تحصيل العلم وانفتاح بابه.

نعم ، مع حصول العلم بالواقع فعلا لا يبقى موضع للرجوع إلى الأمارة ، بل لا معنى لحجّيّتها حينئذ ، لا سيّما مع مخالفتها للعلم ؛ لأنّ معنى ذلك انكشاف خطئها.

ومن هنا كان هذا الأمر موضع حيرة الأصوليّين وبحثهم ؛ إذ للسائل ـ كما سيأتي ـ أن يسأل : كيف جاز أن تفرضوا صحّة الرجوع إلى الأمارات الظنّيّة مع انفتاح باب العلم بالأحكام ؛ إذ قد يوجب سلوكها تفويت الواقع عند خطئها؟! ولا يحسن من الشارع أن يأذن بتفويت الواقع مع التمكّن من تحصيله ، بل ذلك قبيح يستحيل في حقّه.

__________________

(١) راجع المقصد الثاني : ٢٥٥.

(٢) هكذا في «س». وهو الصحيح.

ولأجل هذا السؤال المحرّج سلك الأصوليّون عدّة طرق للجواب عنه ، وتصحيح جعل حجّيّة الأمارات. وسيأتي بيان هذه الطرق والصحيح منها في المبحث (١٢) (١).

وغرضنا من ذكر هذا التنبيه هو أنّ هذا التصحيح شاهد على ما أردنا الإشارة إليه هنا ، من أنّ موطن حجّيّة الأمارات وموردها ما هو أعمّ من فرض التمكّن من تحصيل العلم وانفتاح بابه ومن فرض انسداد بابه.

ومن هنا نعرف وجه المناقشة في استدلال بعضهم على حجّيّة خبر الواحد ، بالخصوص بدليل انسداد باب العلم ، كما صنع صاحب المعالم (٢) ، فإنّه لمّا كان المقصود إثبات حجّيّة خبر الواحد في نفسه ـ حتى مع فرض انفتاح باب العلم ـ لا يبقى معنى للاستدلال على حجّيّته بدليل الانسداد.

على أنّ دليل الانسداد إنّما يثبت به حجّيّة مطلق الظنّ من حيث هو ظنّ ـ كما سيأتي بيانه (٣) ـ ، فلا يثبت به حجّيّة ظنّ خاصّ بما هو ظنّ خاصّ.

نعم ، استدلّ بعضهم (٤) على حجّيّة خبر الواحد بدليل الانسداد الصغير ، ولا يبعد صحّة ذلك ، ويعنون به انسداد باب العلم في خصوص الأخبار التي بأيدينا التي نعلم على الإجمال بأنّ بعضها موصل إلى الواقع ومحصّل له ، ولا يتميّز الموصل إلى الواقع من غيره ، مع انحصار السنّة في هذه الأخبار التي بأيدينا ؛ وحينئذ نلتجئ إلى الاكتفاء بما يفيد الظنّ والاطمئنان من هذه الأخبار ، وهذا ما نعنيه بخبر الواحد.

والفرق بين دليل الانسداد الكبير والصغير (٥) أنّ الكبير هو انسداد باب العلم في جميع

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٣٩٧.

(٢) معالم الدين : ٢١١.

(٣) يأتي في المبحث الآتي.

(٤) ولعلّه هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ في البحث عن حجّيّة كلام اللغوي في فرائد الأصول ١ : ٧٦. ولكن أجاب عنه في البحث عن حجّيّة خبر الواحد في فرائد الأصول ١ : ١٧٢ ـ ١٧٣.

(٥) وقد يقرّر الفرق بينهما بوجوه أخر :

منها : ما اختاره المحقّق النائينيّ ، وحاصله أنّ استفادة الحكم الشرعيّ من الخبر تتوقّف على أمور : ـ