درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۰: مقدمه مباحث حجت ۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ولأجل هذا السؤال المحرّج سلك الأصوليّون عدّة طرق للجواب عنه ، وتصحيح جعل حجّيّة الأمارات. وسيأتي بيان هذه الطرق والصحيح منها في المبحث (١٢) (١).

وغرضنا من ذكر هذا التنبيه هو أنّ هذا التصحيح شاهد على ما أردنا الإشارة إليه هنا ، من أنّ موطن حجّيّة الأمارات وموردها ما هو أعمّ من فرض التمكّن من تحصيل العلم وانفتاح بابه ومن فرض انسداد بابه.

ومن هنا نعرف وجه المناقشة في استدلال بعضهم على حجّيّة خبر الواحد ، بالخصوص بدليل انسداد باب العلم ، كما صنع صاحب المعالم (٢) ، فإنّه لمّا كان المقصود إثبات حجّيّة خبر الواحد في نفسه ـ حتى مع فرض انفتاح باب العلم ـ لا يبقى معنى للاستدلال على حجّيّته بدليل الانسداد.

على أنّ دليل الانسداد إنّما يثبت به حجّيّة مطلق الظنّ من حيث هو ظنّ ـ كما سيأتي بيانه (٣) ـ ، فلا يثبت به حجّيّة ظنّ خاصّ بما هو ظنّ خاصّ.

نعم ، استدلّ بعضهم (٤) على حجّيّة خبر الواحد بدليل الانسداد الصغير ، ولا يبعد صحّة ذلك ، ويعنون به انسداد باب العلم في خصوص الأخبار التي بأيدينا التي نعلم على الإجمال بأنّ بعضها موصل إلى الواقع ومحصّل له ، ولا يتميّز الموصل إلى الواقع من غيره ، مع انحصار السنّة في هذه الأخبار التي بأيدينا ؛ وحينئذ نلتجئ إلى الاكتفاء بما يفيد الظنّ والاطمئنان من هذه الأخبار ، وهذا ما نعنيه بخبر الواحد.

والفرق بين دليل الانسداد الكبير والصغير (٥) أنّ الكبير هو انسداد باب العلم في جميع

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٣٩٧.

(٢) معالم الدين : ٢١١.

(٣) يأتي في المبحث الآتي.

(٤) ولعلّه هو الشيخ الأعظم الأنصاريّ في البحث عن حجّيّة كلام اللغوي في فرائد الأصول ١ : ٧٦. ولكن أجاب عنه في البحث عن حجّيّة خبر الواحد في فرائد الأصول ١ : ١٧٢ ـ ١٧٣.

(٥) وقد يقرّر الفرق بينهما بوجوه أخر :

منها : ما اختاره المحقّق النائينيّ ، وحاصله أنّ استفادة الحكم الشرعيّ من الخبر تتوقّف على أمور : ـ

الأحكام من جهة السنّة وغيرها ، والصغير هو انسداد باب العلم [من جهة] السنّة مع انفتاح باب العلم في الطرق الأخرى ، والمفروض أنّه ليس لدينا إلاّ هذه الأخبار التي لا يفيد أكثرها العلم ، وبعضها حجّة قطعا وموصل إلى الواقع.

تمرينات (٤٨)

التمرين الأوّل :

١. ما هو موطن حجيّة الأمارات؟

٢. بيّن وجه المناقشة في استدلال صاحب المعالم على حجيّة خبر الواحد بدليل الانسداد.

٣. بيّن استدلال الشيخ الأنصاري على حجيّة خبر الواحد بدليل الانسداد الصغير.

٤. ما الفرق بين دليل الانسداد الكبير والصغير؟

التمرين الثاني :

١. ما هو رأي المحقّق النائينيّ في الفرق بين الانسداد الكبير والصغير؟ وما هو رأي المحقّق العراقي في ذلك؟

__________________

ـ الأوّل : العلم بصدور الخبر. الثاني : العلم بجهة صدوره. الثالث : كون الخبر ظاهرا في المعنى المنطبق عليه. الرابع : حجيّة الظهور. والفرق بين الانسداد الكبير والانسداد الصغير هو أنّ مقدّمات الانسداد الكبير إنّما تجري في نفس الأحكام ليستنتج منها حجيّة مطلق الظنّ فيها ، وأمّا مقدّمات الانسداد الصغير فهي إنّما تجري في بعض ما يتوقّف عليه استنباط الحكم من الرواية من إحدى الجهات الأربع المتقدّمة ليستنتج منها حجيّة مطلق الظنّ في خصوص الجهة التي انسدّ باب العلم فيها.

ومنها : ما اختاره المحقّق العراقيّ ، فإنّه قال ـ تعليقا على كلام المحقّق النائينيّ ـ : «أقول : ميزان الكبر والصغر في باب الانسداد كبر دائرة العلم الإجماليّ وصغرها بنحو لا يلزم محذور في ترك العمل في هذه الدائرة لو لا العلم المخصوص بها من ناحية العلم الكبير ...».

راجع عن كلامهما فوائد الأصول ٣ : ١٩٧.

٩. الظنّ الخاصّ والظنّ المطلق

تكرّر منّا التعبير بالظنّ الخاصّ والظنّ المطلق ، وهو اصطلاح للأصوليّين المتأخّرين ، فينبغي بيان ما يعنون بهما ، فنقول :

١. يراد من الظنّ الخاصّ كلّ ظنّ قام دليل قطعيّ على حجّيّته واعتباره بخصوصه غير دليل الانسداد الكبير.

وعليه ، فيكون المراد منه الأمارة التي هي حجّة مطلقا ، حتى مع انفتاح باب العلم ، ويسمّى أيضا «الطريق العلميّ» ، نسبة إلى العلم باعتبار قيام العلم على حجّيّته ، كما تقدّم (١).

٢. يراد من الظنّ المطلق كلّ ظنّ قام دليل الانسداد الكبير على حجّيّته واعتباره ، فيكون المراد منه الأمارة التي هي حجّة في خصوص حالة انسداد باب العلم والعلميّ ، أي انسداد باب نفس العلم بالأحكام ، وباب الطرق العلميّة المؤدّية إليها.

ونحن في هذا المختصر لا نبحث إلاّ عن الظنون الخاصّة فقط ، أمّا الظنون المطلقة فلا نتعرّض لها ؛ لثبوت حجّيّة جملة من الأمارات المغنية عندنا عن فرض انسداد باب العلم والعلميّ ، فلا تصل النوبة إلى هذا الفرض حتى نبحث عن دليل الانسداد لإثبات حجّيّة مطلق الظنّ.

ولكن بعد أن انتهينا إلى هنا ينبغي ألاّ يخلو هذا المختصر من الإشارة إلى مقدّمات دليل الانسداد على نحو الاختصار ؛ تنويرا لذهن الطالب ، فنقول :

١٠. مقدّمات دليل الانسداد

إنّ الدليل المعروف بـ «دليل الانسداد» يتألّف من مقدّمات أربع ، إذا تمّت يترتّب عليها حكم العقل بلزوم العمل بما قام عليه الظنّ في الأحكام ، أيّ ظنّ كان ، عدا الظنّ الثابت فيه ـ على نحو القطع ـ عدم جواز العمل به كالقياس مثلا.

__________________

(١) تقدّم في المبحث السادس.

ونحن نذكر بالاختصار هذه المقدّمات :

١. المقدّمة الأولى : دعوى انسداد باب العلم والعلميّ في معظم أبواب الفقه في عصورنا المتأخّرة عن عصر أئمّتنا عليهم‌السلام. وقد علمت أنّ أساس المقدّمات كلّها هي هذه المقدّمة ، وهي دعوى قد ثبت عندنا عدم صحّتها ؛ لثبوت انفتاح باب الظنّ الخاصّ ، بل العلم في معظم أبواب الفقه ، فانهار (١) هذا الدليل من أساسه.

٢. المقدّمة الثانية : أنّه لا يجوز إهمال امتثال الأحكام الواقعيّة المعلومة إجمالا ، ولا يجوز طرحها في مقام العمل. وإهمالها وطرحها يقع بفرضين : إمّا بأن نعتبر أنفسنا كالبهائم والأطفال لا تكليف علينا ؛ وإمّا بأن نرجع إلى أصالة البراءة ، وأصالة عدم التكليف في كلّ موضع لا يعلم وجوبه وحرمته. وكلا الفرضين ضروريّ البطلان.

٣. المقدّمة الثالثة : أنّه بعد فرض وجوب التعرّض للأحكام المعلومة إجمالا فإنّ الأمر لتحصيل فراغ الذمّة منها يدور بين حالات أربع ، لا خامسة لها :

أ : تقليد من يرى انفتاح باب العلم.

ب : الأخذ بالاحتياط في كلّ مسألة.

ج : الرجوع إلى الأصل العمليّ الجاري في كلّ مسألة ، من نحو البراءة ، والاحتياط ، والتخيير والاستصحاب ، حسبما يقتضيه حال المسألة.

د : الرجوع إلى الظنّ في كلّ مسألة فيها ظنّ بالحكم ، وفيما عداها يرجع إلى الأصول العمليّة.

ولا يصحّ الأخذ بالحالات الثلاث الأولى ، فتتعيّن الرابعة.

أمّا الأولى : ـ وهي تقليد الغير في انفتاح باب العلم ـ فلا يجوز ؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف يعتقد بالانسداد ، فكيف يصحّ له الرجوع إلى من يعتقد بخطئه وأنّه على جهل؟!.

وأمّا الثانية : ـ وهي الأخذ بالاحتياط ـ فإنّه يلزم منه العسر والحرج الشديدان ، بل يلزم اختلال النظام لو كلّف جميع المكلّفين بذلك.

وأمّا الثالثة : ـ وهي الأخذ بالأصل الجاري ـ فلا يصحّ أيضا ؛ لوجود العلم الإجماليّ

__________________

(١) انفعال من (هـ. و. ر) أي : انهدم وسقط.