درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۲: مقدمه مباحث حجت ۱۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ومن هؤلاء من يذهب إلى تصويب المجتهد ؛ إذ يقول : «إنّ كلّ مجتهد مصيب» (١). وسيأتي بيانه في محلّه إن شاء الله (تعالى) في هذا الجزء (٢).

وعن الشيخ الأنصاريّ رحمه‌الله (٣) ، وعن غيره أيضا ـ كصاحب الفصول رحمه‌الله (٤) ـ : أنّ أخبارنا متواترة معنى في اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل. وهو كذلك. والدليل على هذا الاشتراك ـ مع قطع النظر عن الإجماع وتواتر الأخبار ـ واضح ، وهو أن نقول :

١. إنّ الحكم لو لم يكن مشتركا لكان مختصّا بالعالم به ؛ إذ لا يجوز أن يكون مختصّا بالجاهل به ، وهو واضح.

٢. وإذا ثبت أنّه مختصّ بالعالم به فإنّ معناه تعليق الحكم على العلم به.

٣. ولكن تعليق الحكم على العلم به محال ؛ لأنّه يلزم منه الخلف.

٤. إذن يتعيّن أن يكون مشتركا بين العالم والجاهل.

بيان لزوم الخلف أنّه لو كان الحكم معلّقا على العلم به ، كوجوب الصلاة ـ مثلا ـ ، فإنّه يلزم ـ بل هو نفس معنى التعليق ـ عدم الوجوب لطبيعيّ الصلاة ؛ إذ الوجوب يكون حسب الفرض للصلاة المعلومة الوجوب بما هي معلومة الوجوب ، بينما أنّ تعلّق العلم بوجوب الصلاة لا يمكن فرضه إلاّ إذا كان الوجوب متعلّقا بطبيعيّ الصلاة. فما فرضناه متعلّقا بطبيعيّ الصلاة لم يكن متعلّقا بطبيعيّها ، بل بخصوص المعلومة الوجوب. وهذا هو الخلف المحال.

وببيان آخر في وجه استحالة تعليق الحكم على العلم به ، نقول :

إنّ تعليق الحكم على العلم به يستلزم المحال ، وهو استحالة العلم بالحكم ، والذي يستلزم المحال محال ، فيستحيل نفس الحكم. وذلك لأنّه قبل حصول العلم لا حكم

__________________

(١) وهذا مذهب جماعة من الأشاعرة والمعتزلة ، كالقاضي أبي بكر ، والشيخ الأشعريّ ، والجبّائي ، وابنه ، وأبي الهذيل ، راجع الإحكام (للآمدي) ٤ : ٢٤٦ ؛ فواتح الرحموت (المطبوع بهامش المستصفى ٢ : ٣٨٠).

(٢) يأتي في المبحث الرابع عشر : ٤٠٢ ـ ٤٠٣.

(٣) فرائد الأصول ١ : ٤٤.

(٤) راجع الفصول الغرويّة : ٤٢٩. إلاّ أنّه لم يصرّح بتواتر الأخبار في الاشتراك ، بل يظهر ذلك من بعض كلماته ، فراجع كلماته في الفصول : ٤٢٧ ـ ٤٣٣.

ـ حسب الفرض ـ فإذا أراد أن يعلم ، يعلم بما ذا؟ فلا يعقل حصول العلم لديه بغير متعلّق مفروض الحصول ، وإذا استحال حصول العلم استحال حصول الحكم المعلّق عليه ؛ لاستحالة ثبوت الحكم بدون موضوعه. وهو واضح.

وعلى هذا ، فيستحيل تقييد الحكم بالعلم به. وإذا استحال ذلك ، تعيّن أن يكون الحكم مشتركا بين العالم والجاهل ، ـ أي [القول] بثبوته واقعا في صورتي العلم والجهل ـ ، وإن كان الجاهل القاصر معذورا ، أي إنّه لا يعاقب على المخالفة. وهذا شيء آخر غير نفس عدم ثبوت الحكم في حقّه.

ولكنّه قد يستشكل في استكشاف اشتراك الأحكام من هذا الدليل بما تقدّم منّا في الجزء الأوّل (١) ، من أنّ الإطلاق والتقييد متلازمان في مقام الإثبات ؛ لأنّهما من قبيل العدم والملكة ، فإذا استحال التقييد في مورد استحال معه الإطلاق أيضا. فكيف ـ إذن ـ نستكشف اشتراك الأحكام من إطلاق أدلّتها لامتناع تقييدها بالعلم؟! ، والإطلاق كالتقييد محال بالنسبة إلى قيد العلم في أدلّة الأحكام.

وقد أصرّ شيخنا النائينيّ رحمه‌الله على امتناع الإطلاق في ذلك ، وقال ـ بما محصّله ـ : إنّه لا يمكن أن نحكم بالاشتراك من نفس أدلّة الأحكام ، بل لا بدّ لإثباته من دليل آخر سمّاه «متمّم الجعل» ، على أن يكون الاشتراك من باب «نتيجة الإطلاق» ، كاستفادة تقييد الأمر العباديّ بقصد الامتثال من دليل ثان متمّم للجعل ، على أن يكون ذلك من باب «نتيجة التقييد» ، وكاستفادة تقييد وجوب الجهر ، والإخفات ، والقصر ، والإتمام بالعلم بالوجوب من دليل آخر متمّم للجعل ، على أن يكون ذلك أيضا من باب «نتيجة التقييد».

وقال ـ بما خلاصته ـ : «يمكن استفادة الإطلاق في المقام من الأدلّة التي ادّعى الشيخ الأنصاريّ تواترها ، فتكون هي المتمّمة للجعل». (٢)

أقول : ويمكن الجواب عن الإشكال المذكور ـ بما محصّله ـ : إنّ هذا الكلام صحيح لو كانت استفادة اشتراك الأحكام متوقّفة على إثبات إطلاق أدلّتها بالنسبة إلى العالم بها ،

__________________

(١) راجع المقصد الأوّل : ٨٦ و ١٨٤.

(٢) انتهى محصّل كلام المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١١ ـ ١٢.