درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۳: مقدمه مباحث حجت ۱۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ـ حسب الفرض ـ فإذا أراد أن يعلم ، يعلم بما ذا؟ فلا يعقل حصول العلم لديه بغير متعلّق مفروض الحصول ، وإذا استحال حصول العلم استحال حصول الحكم المعلّق عليه ؛ لاستحالة ثبوت الحكم بدون موضوعه. وهو واضح.

وعلى هذا ، فيستحيل تقييد الحكم بالعلم به. وإذا استحال ذلك ، تعيّن أن يكون الحكم مشتركا بين العالم والجاهل ، ـ أي [القول] بثبوته واقعا في صورتي العلم والجهل ـ ، وإن كان الجاهل القاصر معذورا ، أي إنّه لا يعاقب على المخالفة. وهذا شيء آخر غير نفس عدم ثبوت الحكم في حقّه.

ولكنّه قد يستشكل في استكشاف اشتراك الأحكام من هذا الدليل بما تقدّم منّا في الجزء الأوّل (١) ، من أنّ الإطلاق والتقييد متلازمان في مقام الإثبات ؛ لأنّهما من قبيل العدم والملكة ، فإذا استحال التقييد في مورد استحال معه الإطلاق أيضا. فكيف ـ إذن ـ نستكشف اشتراك الأحكام من إطلاق أدلّتها لامتناع تقييدها بالعلم؟! ، والإطلاق كالتقييد محال بالنسبة إلى قيد العلم في أدلّة الأحكام.

وقد أصرّ شيخنا النائينيّ رحمه‌الله على امتناع الإطلاق في ذلك ، وقال ـ بما محصّله ـ : إنّه لا يمكن أن نحكم بالاشتراك من نفس أدلّة الأحكام ، بل لا بدّ لإثباته من دليل آخر سمّاه «متمّم الجعل» ، على أن يكون الاشتراك من باب «نتيجة الإطلاق» ، كاستفادة تقييد الأمر العباديّ بقصد الامتثال من دليل ثان متمّم للجعل ، على أن يكون ذلك من باب «نتيجة التقييد» ، وكاستفادة تقييد وجوب الجهر ، والإخفات ، والقصر ، والإتمام بالعلم بالوجوب من دليل آخر متمّم للجعل ، على أن يكون ذلك أيضا من باب «نتيجة التقييد».

وقال ـ بما خلاصته ـ : «يمكن استفادة الإطلاق في المقام من الأدلّة التي ادّعى الشيخ الأنصاريّ تواترها ، فتكون هي المتمّمة للجعل». (٢)

أقول : ويمكن الجواب عن الإشكال المذكور ـ بما محصّله ـ : إنّ هذا الكلام صحيح لو كانت استفادة اشتراك الأحكام متوقّفة على إثبات إطلاق أدلّتها بالنسبة إلى العالم بها ،

__________________

(١) راجع المقصد الأوّل : ٨٦ و ١٨٤.

(٢) انتهى محصّل كلام المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١١ ـ ١٢.

غير أنّ المطلوب الذي ينفعنا هو نفس عدم اختصاص الأحكام بالعالم على نحو السالبة المحصّلة ، فيكون التقابل بين اشتراك الأحكام واختصاصها بالعالم من قبيل تقابل السلب والإيجاب ، لا من باب تقابل العدم والملكة ؛ لأنّ المراد من الاشتراك نفس عدم الاختصاص بالعالم.

وهذا السلب يكفي في استفادته من أدلّة الأحكام نفس إثبات امتناع الاختصاص ، ولا يحتاج إلى مئونة (١) زائدة لإثبات الإطلاق ، أو إثبات نتيجة الإطلاق بمتمّم الجعل من إجماع أو أدلّة أخرى ؛ لأنّه من نفس امتناع التقييد نعلم أنّ الحكم مشترك ، لا يختصّ بالعالم.

نعم ، يتمّ ذلك الإشكال لو كان امتناع التقييد ليس إلاّ من جهة بيانيّة ، وفي مرحلة الإنشاء في دليل نفس الحكم ، وإن كان واقعه يمكن أن يكون مقيّدا ، أو مطلقا ، مع قطع النظر عن أدائه باللفظ ؛ فإنّه ـ حينئذ ـ لا يمكن بيانه بنفس دليله الأوّل ، فنحتاج إلى استكشاف الواقع المراد من دليل آخر ، نسمّيه «متمّم الجعل» : ولأجل ذلك نسمّيه بـ «المتمّم للجعل» ، فتحصل لنا نتيجة الإطلاق أو نتيجة التقييد ، من دون أن يحصل تقييد أو إطلاق المفروض أنّهما مستحيلان ، كما كان الحال في تقييد الوجوب بقصد الامتثال في الواجب التعبّديّ.

أمّا لو كان نفس الحكم واقعا ـ مع قطع النظر عن أدائه بأيّة عبارة كانت ، كما فيما نحن فيه ـ يستحيل تقييده ، سواء أدّى ذلك ببيان واحد ، أو ببيانين ، أو بألف بيان ؛ فإنّ واقعه لا محالة ينحصر في حالة واحدة ، وهو أن يكون في نفسه شاملا لحالتي وجود القيد المفروض وعدمه.

وعليه ، فلا حاجة في مثله إلى استكشاف الاشتراك من نفس إطلاق دليله الأوّل ، ولا من دليل ثان متمّم للجعل. ولا نمانع أن نسمّي ذلك «نتيجة الإطلاق» إذا حلا لكم هذا التعبير.

ويبقى الكلام ـ حينئذ ـ في وجه تقييد وجوب الجهر ، والإخفات ، والقصر ، والإتمام

__________________

(١) مئونة ومئونة بمعنى.

بالعلم ، مع فرض امتناعه ، حتى بمتمّم الجعل ، والمفروض أنّ هذا التقييد ثابت في الشريعة ، فكيف تصحّحون ذلك؟! فنقول :

إنّه لمّا امتنع تقييد الحكم بالعلم فلا بدّ أن نلتمس توجيها لهذا الظاهر من الأدلّة ، وينحصر التوجيه في أن نفرض أن يكون هذا التقييد من باب إعفاء الجاهل بالحكم في هذين الموردين عن الإعادة ، والقضاء ، وإسقاطهما عنه ، اكتفاء بما وقع ، كإعفاء الناسي ، وإن كان الوجوب واقعا غير مقيّد بالعلم. والإعادة والقضاء بيد الشارع رفعهما ووضعهما.

ويشهد لهذا التوجيه أنّ بعض الروايات ـ في البابين ـ عبّرت بسقوط الإعادة عنه ، كالرواية عن أبي جعفر عليه‌السلام فيمن صلّى في السفر أربعا : «إن كان قرئت عليه آية التقصير (١) ، وفسّرت له فصلّى أربعا أعاد ، وإن لم يكن قرئت عليه ، ولم يعلمها فلا إعادة». (٢)

تمرينات (٥٠)

١. اذكر أقوال العلماء في اشتراك الأحكام ، وعدمه.

٢. ما الدليل على الاشتراك ـ بعد الإجماع وتواتر الأخبار ـ؟ واذكر الجواب عن الإشكال الذي قد يرد عليه.

٣. ما هو مراد العلاّمة النائيني من دليل متمّم الجعل؟

٤. ما هو التوجيه في تقييد وجوب الجهر والإخفات ، والقصر والإتمام بالعلم؟

__________________

(١) وهي قوله (تعالى) : ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا ....﴾ النساء (٤) الآية : ١٠١.

(٢) وسائل الشيعة ٥ : ٥٣١ ، الباب ١٧ من أبواب صلاة المسافر ، الحديث ٤. هذا في باب القصر والإتمام. وأمّا : في باب الجهر والإخفات ، كرواية أخرى عن أبي جعفر عليه‌السلام في رجل جهر فيما لا ينبغي الإجهار فيه ، وأخفى فيما لا ينبغي الإخفاء فيه : «... فإن فعل ذلك ناسيا ، أو ساهيا ، ولا يدري فلا شيء عليه ، وقد تمّت صلاته». راجع وسائل الشيعة ٤ : ٧٦٦ ، الباب ٢٦ من أبواب القراءة ، الحديث ١.

١٢. تصحيح جعل الأمارة

بعد ما ثبت أنّ جعل الأمارة يشمل فرض انفتاح باب العلم ـ مع ما ثبت من اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل ـ تنشأ «شبهة عويصة» في صحّة جعل الأمارة قد أشرنا إليها فيما سبق ، (١) وهي أنّه في فرض التمكّن من تحصيل الواقع والوصول إليه كيف جاز أن يأذن الشارع باتّباع الأمارة الظنّية ، وهي ـ حسب الفرض ـ تحتمل الخطأ المفوّت للواقع ، والإذن في تفويته قبيح عقلا ؛ لأنّ الأمارة لو كانت دالّة على جواز الفعل ـ مثلا ـ وكان الواقع هو الوجوب أو الحرمة ، فإنّ الإذن باتّباع الأمارة ـ في هذا الفرض ـ يكون إذنا بترك الواجب ، أو فعل الحرام ، مع أنّ الفعل لا يزال باقيا على وجوبه الواقعيّ ، أو حرمته الواقعيّة ، مع تمكّن المكلّف من الوصول إلى معرفة الواقع حسب الفرض ، ولا شكّ في قبح ذلك من الحكيم؟!

وهذه الشبهة هي التي ألجأت بعض الأصوليّين إلى القول بأنّ الأمارة مجعولة على نحو «السببيّة» (٢) ، إذ عجزوا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو «الطريقيّة» التي هي الأصل في الأمارة على ما سيأتي شرح ذلك قريبا. (٣)

والحقّ معهم ؛ إذا نحن عجزنا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو الطريقيّة ؛ لأنّ المفروض أنّ الأمارة قد ثبتت حجّيّتها قطعا ، فلا بدّ أن يفرض ـ حينئذ ـ في قيام الأمارة ، أو في اتّباعها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير خطئها ، حتى لا يكون إذن الشارع بتفويت الواقع قبيحا ، ما دام أنّ تفويته له يكون لمصلحة أقوى وأجدى (٤) أو مساوية لمصلحة الواقع ، فينشأ على طبق مؤدّى الأمارة حكم ظاهريّ بعنوان أنّه الواقع ، إمّا أن يكون مماثلا للواقع عند الإصابة ، أو مخالفا له عند الخطأ.

__________________

(١) راجع الصفحة : ٣٨٦.

(٢) وهذا منسوب إلى بعض الإماميّة ، كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٥٨.

(٣) سيأتي في المبحث الآتي.

(٤) الأجدى أي الأنفع.