درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۴: مقدمه مباحث حجت ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

١٢. تصحيح جعل الأمارة

بعد ما ثبت أنّ جعل الأمارة يشمل فرض انفتاح باب العلم ـ مع ما ثبت من اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل ـ تنشأ «شبهة عويصة» في صحّة جعل الأمارة قد أشرنا إليها فيما سبق ، (١) وهي أنّه في فرض التمكّن من تحصيل الواقع والوصول إليه كيف جاز أن يأذن الشارع باتّباع الأمارة الظنّية ، وهي ـ حسب الفرض ـ تحتمل الخطأ المفوّت للواقع ، والإذن في تفويته قبيح عقلا ؛ لأنّ الأمارة لو كانت دالّة على جواز الفعل ـ مثلا ـ وكان الواقع هو الوجوب أو الحرمة ، فإنّ الإذن باتّباع الأمارة ـ في هذا الفرض ـ يكون إذنا بترك الواجب ، أو فعل الحرام ، مع أنّ الفعل لا يزال باقيا على وجوبه الواقعيّ ، أو حرمته الواقعيّة ، مع تمكّن المكلّف من الوصول إلى معرفة الواقع حسب الفرض ، ولا شكّ في قبح ذلك من الحكيم؟!

وهذه الشبهة هي التي ألجأت بعض الأصوليّين إلى القول بأنّ الأمارة مجعولة على نحو «السببيّة» (٢) ، إذ عجزوا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو «الطريقيّة» التي هي الأصل في الأمارة على ما سيأتي شرح ذلك قريبا. (٣)

والحقّ معهم ؛ إذا نحن عجزنا عن تصحيح جعل الأمارة على نحو الطريقيّة ؛ لأنّ المفروض أنّ الأمارة قد ثبتت حجّيّتها قطعا ، فلا بدّ أن يفرض ـ حينئذ ـ في قيام الأمارة ، أو في اتّباعها مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير خطئها ، حتى لا يكون إذن الشارع بتفويت الواقع قبيحا ، ما دام أنّ تفويته له يكون لمصلحة أقوى وأجدى (٤) أو مساوية لمصلحة الواقع ، فينشأ على طبق مؤدّى الأمارة حكم ظاهريّ بعنوان أنّه الواقع ، إمّا أن يكون مماثلا للواقع عند الإصابة ، أو مخالفا له عند الخطأ.

__________________

(١) راجع الصفحة : ٣٨٦.

(٢) وهذا منسوب إلى بعض الإماميّة ، كما في فوائد الأصول ٤ : ٧٥٨.

(٣) سيأتي في المبحث الآتي.

(٤) الأجدى أي الأنفع.

ونحن ـ بحمد الله (تعالى) ـ نرى أنّ الشبهة يمكن دفعها على تقدير الطريقيّة ، فلا حاجة إلى فرض السببيّة.

والوجه في دفع الشبهة أنّه بعد أن فرضنا أنّ القطع قام على أنّ الأمارة الكذائيّة ، كخبر الواحد حجّة يجوز اتّباعها مع التمكّن من تحصيل العلم ، فلا بدّ أن يكون الإذن من الشارع ـ العالم بالحقائق الواقعيّة ـ لأمر علم به ، وغاب عنّا علمه. ولا يخرج هذا الأمر عن أحد شيئين ، لا ثالث لهما ، وكلّ منهما جائز عقلا ، لا مانع منه :

١. أن يكون قد علم بأنّ إصابة الأمارة للواقع مساوية لإصابة العلوم التي تتّفق للمكلّفين ، أو أكثر منها ، بمعنى أنّ العلوم التي يتمكّن المكلّفون من تحصيلها يعلم الشارع بأنّ خطأها سيكون مساويا لخطأ الأمارة المجعولة ، أو أكثر خطأ منها.

٢. أن يكون قد علم بأنّ في عدم جعل أمارات خاصّة لتحصيل الأحكام ، والاقتصار على العلم ، تضييقا على المكلّفين ومشقّة عليهم ، (١) لا سيّما بعد أن كانت تلك الأمارات قد اعتادوا سلوكها والأخذ بها في شئونهم الخاصّة وأمورهم الدنيويّة ، وبناء العقلاء كلّهم كان عليها.

وهذا الاحتمال الثاني قريب إلى التصديق جدّا ؛ فإنّه لا نشكّ في أنّ تكليف كلّ واحد من الناس بالرجوع إلى المعصوم أو الأخبار المتواترة في تحصيل جميع الأحكام أمر ، فيه ما لا يوصف من الضيق والمشقّة ، لا سيّما أنّ ذلك على خلاف ما جرت عليه طريقتهم في معرفة ما يتعلّق بشئونهم الدنيويّة.

وعليه ، فمن القريب ـ جدّا ـ أنّ الشارع إنّما رخّص في اتّباع الأمارات الخاصّة لغرض تسهيل الأخذ بأحكامه ، والوصول إليها. ومصلحة التسهيل من المصالح النوعيّة المتقدّمة في نظر الشارع على المصالح الشخصيّة التي قد تفوت أحيانا على بعض المكلّفين عند العمل بالأمارة لو أخطأت. وهذا أمر معلوم من طريقة الشريعة الإسلاميّة التي بنيت في تشريعها على التيسير والتسهيل. (٢)

__________________

(١) قوله : «تضييقا ...» اسم أنّ ، وقوله : «ومشقّة عليهم» عطف عليه.

(٢) ويدلّ عليه قوله (تعالى) : ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.﴾ البقرة (٢) الآية : ١٨٥.

وعلى التقديرين والاحتمالين ؛ فإنّ الشارع في إذنه باتّباع الأمارة ـ طريقا إلى الوصول إلى الواقع من أحكامه ـ لا بدّ أن يفرض فيه أنّه قد تسامح في التكاليف الواقعيّة عند خطأ الأمارة ـ أي إنّ الأمارة تكون معذّرة للمكلّف ، فلا يستحقّ العقاب في مخالفة الحكم ، كما لا يستحقّ ذلك عند المخالفة في خطأ القطع ـ ، لا أنّه بقيام الأمارة يحدث حكم آخر ثانويّ ، بل شأنها في هذه الجهة شأن القطع ، بلا فرق.

ولذا ، إنّ الشارع ـ في الموارد التي يريد فيها المحافظة على تحصيل الواقع على كلّ حال ـ أمر باتّباع الاحتياط ، ولم يكتف بالظنون فيها ، وذلك كموارد الدماء ، والفروج.

١٣. الأمارة طريق أو سبب؟

قد أشرنا في البحث السابق إلى مذهبي السببيّة والطريقيّة في الأمارة ، وقد عقدنا هذا البحث لبيان هذا الخلاف ؛ فإنّ ذلك من الأمور التي وقعت أخيرا موضع البحث ، والردّ والبدل عند الأصوليّين ، فاختلفوا في أنّ الأمارة هل هي حجّة مجعولة على نحو الطريقيّة ، أو أنّها حجّة مجعولة على نحو السببيّة ، أي إنّها طريق أو سبب؟

والمقصود من كونها «طريقا» أنّها مجعولة لتكون موصلة فقط إلى الواقع للكشف عنه ؛ فإن أصابته فإنّه يكون منجّزا بها وهي منجّزة له ، وإن أخطأته فإنّها حينئذ تكون صرف معذّرة للمكلّف في مخالفة الواقع.

والمقصود من كونها «سببا» أنّها تكون سببا لحدوث مصلحة في مؤدّاها تقاوم تفويت مصلحة الأحكام الواقعيّة على تقدير الخطأ ، فينشئ الشارع حكما ظاهريّا على طبق ما أدّت إليه الأمارة.

والحقّ أنها مأخوذة على نحو «الطريقيّة». (١)

والسرّ في ذلك واضح بعد ما تقدّم ؛ فإنّ القول بالسببيّة ـ كما قلنا ـ مترتّب على القول بالطريقيّة ، يعني أنّ منشأ قول من قال بالسببيّة هو العجز عن تصحيح جعل الطرق على

__________________

(١) وهذا ما ذهب إليه كثير من المتأخّرين ، منهم : المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ٤٩٩ ، والمحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١٠٨ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٤ (القسم الأوّل) : ١١١.

نحو الطريقيّة ، فيلتجئ إلى فرض السببيّة.

أمّا : إذا أمكن تصحيح الطريقيّة فلا يبقى دليل على السببيّة ، ويتعيّن كون الأمارة طريقا محضا ؛ لأنّ الطريقيّة هي الأصل فيها.

ومعنى أنّ الطريقيّة هي الأصل أنّ طبع الأمارة ـ لو خلّيت ونفسها ـ يقتضي أن تكون طريقا محضا إلى مؤدّاها ؛ لأنّ لسانها التعبير عن الواقع ، والحكاية والكشف عنه ؛ على أنّ العقلاء إنّما يعتبرونها ، ويستقرّ بناؤهم عليها ، لأجل كشفها عن الواقع ، ولا معنى لأن يفرض في بناء العقلاء أنّه على نحو السببيّة ، وبناء العقلاء هو الأساس الأوّل في حجّيّة الأمارة ، كما سيأتي. (١)

نعم ، إذا منع مانع عقليّ من فرض الأمارة طريقا من جهة الشبهة المتقدّمة أو نحوها ، فلا بدّ أن تخرج على خلاف طبعها ، ونلتجئ إلى فرض السببيّة.

ولمّا كنّا دفعنا الشبهة في جعلها على نحو الطريقيّة فلا تصل النوبة إلى التماس دليل على سببيّتها ، أو طريقيّتها ؛ إذ لا موضع للترديد والاحتمال لنحتاج إلى الدليل ، هذا.

وقد يلتمس الدليل على السببيّة من نفس دليل حجّيّة الأمارة ، بأن يقال : إنّ دليل الحجّيّة لا شكّ أنّه يدلّ على وجوب اتّباع الأمارة. ولمّا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلّقاتها فلا بدّ أن تكون في اتّباع الأمارة مصلحة تقتضي وجوب اتّباعها ، وإن كانت على خطأ في الواقع. وهذه هي السببيّة بعينها.

أقول : والجواب عن ذلك واضح ؛ فإنّا نسلّم أنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، ولكن لا يلزم في المقام أن تكون في نفس اتّباع الأمارة مصلحة ، بل يكفي أن ينبعث الوجوب من نفس مصلحة الواقع ، فيكون جعل وجوب اتّباع الأمارة لغرض تحصيل مصلحة الواقع ، بل يجب أن يكون الحال فيها كذلك ؛ لأنّه لا شكّ أنّ الغرض من جعل الأمارة هو الوصول بها إلى الواقع ، فالمحافظة على الواقع والوصول إليه هو الباعث على جعل الأمارة ؛ لغرض تنجيزه وتحصيله ، فيكون الأمر باتّباع الأمارة طريقا إلى تحصيل الواقع.

ولذا نقول : إذا لم تصب الواقع لا تكليف هناك ، ولا تدارك لما فات من الواقع ، وما هي

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٤٤٦ ـ ٤٤٧ من هذا الجزء.