درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۵: مقدمه مباحث حجت ۱۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

نحو الطريقيّة ، فيلتجئ إلى فرض السببيّة.

أمّا : إذا أمكن تصحيح الطريقيّة فلا يبقى دليل على السببيّة ، ويتعيّن كون الأمارة طريقا محضا ؛ لأنّ الطريقيّة هي الأصل فيها.

ومعنى أنّ الطريقيّة هي الأصل أنّ طبع الأمارة ـ لو خلّيت ونفسها ـ يقتضي أن تكون طريقا محضا إلى مؤدّاها ؛ لأنّ لسانها التعبير عن الواقع ، والحكاية والكشف عنه ؛ على أنّ العقلاء إنّما يعتبرونها ، ويستقرّ بناؤهم عليها ، لأجل كشفها عن الواقع ، ولا معنى لأن يفرض في بناء العقلاء أنّه على نحو السببيّة ، وبناء العقلاء هو الأساس الأوّل في حجّيّة الأمارة ، كما سيأتي. (١)

نعم ، إذا منع مانع عقليّ من فرض الأمارة طريقا من جهة الشبهة المتقدّمة أو نحوها ، فلا بدّ أن تخرج على خلاف طبعها ، ونلتجئ إلى فرض السببيّة.

ولمّا كنّا دفعنا الشبهة في جعلها على نحو الطريقيّة فلا تصل النوبة إلى التماس دليل على سببيّتها ، أو طريقيّتها ؛ إذ لا موضع للترديد والاحتمال لنحتاج إلى الدليل ، هذا.

وقد يلتمس الدليل على السببيّة من نفس دليل حجّيّة الأمارة ، بأن يقال : إنّ دليل الحجّيّة لا شكّ أنّه يدلّ على وجوب اتّباع الأمارة. ولمّا كانت الأحكام تابعة لمصالح ومفاسد في متعلّقاتها فلا بدّ أن تكون في اتّباع الأمارة مصلحة تقتضي وجوب اتّباعها ، وإن كانت على خطأ في الواقع. وهذه هي السببيّة بعينها.

أقول : والجواب عن ذلك واضح ؛ فإنّا نسلّم أنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد ، ولكن لا يلزم في المقام أن تكون في نفس اتّباع الأمارة مصلحة ، بل يكفي أن ينبعث الوجوب من نفس مصلحة الواقع ، فيكون جعل وجوب اتّباع الأمارة لغرض تحصيل مصلحة الواقع ، بل يجب أن يكون الحال فيها كذلك ؛ لأنّه لا شكّ أنّ الغرض من جعل الأمارة هو الوصول بها إلى الواقع ، فالمحافظة على الواقع والوصول إليه هو الباعث على جعل الأمارة ؛ لغرض تنجيزه وتحصيله ، فيكون الأمر باتّباع الأمارة طريقا إلى تحصيل الواقع.

ولذا نقول : إذا لم تصب الواقع لا تكليف هناك ، ولا تدارك لما فات من الواقع ، وما هي

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٤٤٦ ـ ٤٤٧ من هذا الجزء.

إلاّ المعذّريّة في مخالفته ، ورفع العقاب على المخالفة ، لا أكثر ، وهذه المعذّريّة يقتضيها نفس الرخصة في اتّباع الأمارة التي قد تخطأ.

وعلى هذا ، فليس لهذا الأمر الطريقيّ المتعلّق باتّباع الأمارة ـ بما هو أمر طريقيّ ـ مخالفة ، ولا موافقة ؛ لأنّه في الحقيقة ليس فيه جعل للداعي إلى الفعل الذي هو مؤدّى الأمارة مستقلاّ عن الأمر الواقعيّ ؛ وإنّما هو جعل للأمارة ؛ منجّزة للأمر الواقعيّ ، فهو موجب لدعوة الأمر الواقعيّ ، فلا بعث حقيقيّ في مقابل البعث الواقعيّ ، فلا تكون له مصلحة إلاّ مصلحة الواقع ، ولا طاعة غير طاعة الواقع. إذ لا بعث فيه إلاّ بعث الواقع.

١٤. المصلحة السلوكيّة

ذهب الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره (١) إلى فرض المصلحة السلوكيّة في الأمارات ؛ لتصحيح جعلها ـ كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك في مبحث الإجزاء (٢) ـ ، وحمل عليه كلام الشيخ الطوسيّ في «العدّة» (٣) والعلاّمة في «النهاية». (٤)

وإنّما ذهب إلى هذا الفرض ؛ لأنّه لم يتمّ عنده تصحيح جعل الأمارة على نحو الطريقيّة المحضة ، ووجد أيضا أنّ القول بالسببيّة المحضة يستلزم القول بالتصويب المجمع على بطلانه عند الإماميّة ، (٥) ، فسلك طريقا وسطا ، لا يذهب به إلى الطريقيّة المحضة ، ولا إلى السببيّة المحضة ، وهو أن يفرض المصلحة في نفس سلوك الأمارة وتطبيق العمل على ما أدّت إليه ، وبهذه المصلحة يتدارك ما يفوت من مصلحة الواقع عند الخطأ ؛ فتكون الأمارة من ناحية لها شأن الطريقيّة إلى الواقع ، ومن ناحية أخرى لها شأن السببيّة.

وغرضه من فرض المصلحة السلوكيّة أنّ نفس سلوك طريق الأمارة والاستناد إليها في العمل بمؤدّاها فيه مصلحة تعود لشخص المكلّف ، يتدارك بها ما يفوته من مصلحة

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٤٢.

(٢) راجع المقصد الثاني : ٢٥٧ ـ ٢٥٨.

(٣) العدّة ١ : ٢٥ ـ ٢٧.

(٤) نهاية الأصول للعلاّمة الحلّي ، مخطوط.

(٥) كما في فوائد الأصول ٣ : ٩٥ ، و ٤ : ٧٥٨.

الواقع عند الخطأ ، من دون أن تحدث في نفس المؤدّى ـ أي في ذات الفعل والعمل ـ مصلحة ، حتى تستلزم إنشاء حكم آخر غير الحكم الواقعيّ على طبق ما أدّت إليه الأمارة الذي هو نوع من التصويب. (١)

قال رحمه‌الله في رسائله فيما قال : «ومعنى وجوب العمل على طبق الأمارة وجوب ترتيب أحكام الواقع على مؤدّاها ، من دون أن تحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع». (٢)

ولا ينبغي أن يتوهّم أنّ القول بالمصلحة السلوكيّة هو نفس ما ذكرناه في أحد وجهي تصحيح الطريقيّة من فرض مصلحة التسهيل ؛ لأنّ الغرض من القول بالمصلحة السلوكيّة أن تحدث مصلحة في سلوك الأمارة ، تعود تلك المصلحة لشخص المكلّف لتدارك ما يفوته من مصلحة الواقع ، بينما أنّ غرضنا من مصلحة التسهيل مصلحة نوعيّة قد لا تعود لشخص من قامت عنده الأمارة ، وتلك المصلحة النوعيّة مقدّمة في مقام المزاحمة عند الشارع على مصلحة الواقع التي قد تفوت على شخص المكلّف.

وإذا اتّضح الفرق بينهما ، نقول : إنّ القول بالمصلحة السلوكيّة وفرضها يأتي بالمرتبة الثانية للقول بمصلحة التسهيل ، يعني : أنّه إذا لم تثبت عندنا مصلحة التسهيل ، أو قلنا بعدم تقديم المصلحة النوعيّة على المصلحة الشخصيّة ، ولم يصح عندنا أيضا احتمال مساواة خطأ الأمارات للعلوم فإنّا نلتجئ إلى ما سلكه الشيخ من المصلحة السلوكيّة ؛ إذا استطعنا تصحيحها ؛ فرارا من الوقوع في التصويب الباطل.

__________________

(١) إنّ التصويب الباطل ـ على ما بيّنه الشيخ ـ على نحوين : الأوّل : ما ينسب إلى الأشاعرة ، وهو أن يفرض أن لا حكم ثابتا في نفسه يشترك فيه العالم والجاهل ، بل الشارع ينشئ أحكامه على طبق ما تؤدّي إليه آراء المجتهدين. الثاني : ما ينسب إلى المعتزلة ، وهو أن تكون هناك أحكام واقعيّة ثابتة في نفسها ، يشترك فيها العالم والجاهل ، ولكنّ لرأي المجتهد أثرا في تبدّل عنوان موضوع الحكم أو متعلّقه ، فتحدث على وفق ما أدّى إليه رأيه مصلحة غالبة على مصلحة الواقع ، فينشئ الشارع أحكاما ظاهريّة ثانويّة ، غير الأحكام الواقعيّة. وهذا المعنى من التصويب ترجع إليه السببيّة المحضة. وإنّما كان هذا تصويبا باطلا ؛ لأنّ معناه خلوّ الواقع عن الحكم حين قيام الأمارة على خلافه. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) هذا نصّ كلامه على ما في بعض نسخ فرائد الأصول ، كما في فرائد الأصول (المحشّى) : ٢٨. وفي المطبوع حديثا هكذا : «ومعنى الأمر بالعمل على طبق الأمارة الرخصة في أحكام الواقع على مؤدّاها من دون أن تحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع». فرائد الأصول ١ : ٤٥.