درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۶: مقدمه مباحث حجت ۱۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الواقع عند الخطأ ، من دون أن تحدث في نفس المؤدّى ـ أي في ذات الفعل والعمل ـ مصلحة ، حتى تستلزم إنشاء حكم آخر غير الحكم الواقعيّ على طبق ما أدّت إليه الأمارة الذي هو نوع من التصويب. (١)

قال رحمه‌الله في رسائله فيما قال : «ومعنى وجوب العمل على طبق الأمارة وجوب ترتيب أحكام الواقع على مؤدّاها ، من دون أن تحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع». (٢)

ولا ينبغي أن يتوهّم أنّ القول بالمصلحة السلوكيّة هو نفس ما ذكرناه في أحد وجهي تصحيح الطريقيّة من فرض مصلحة التسهيل ؛ لأنّ الغرض من القول بالمصلحة السلوكيّة أن تحدث مصلحة في سلوك الأمارة ، تعود تلك المصلحة لشخص المكلّف لتدارك ما يفوته من مصلحة الواقع ، بينما أنّ غرضنا من مصلحة التسهيل مصلحة نوعيّة قد لا تعود لشخص من قامت عنده الأمارة ، وتلك المصلحة النوعيّة مقدّمة في مقام المزاحمة عند الشارع على مصلحة الواقع التي قد تفوت على شخص المكلّف.

وإذا اتّضح الفرق بينهما ، نقول : إنّ القول بالمصلحة السلوكيّة وفرضها يأتي بالمرتبة الثانية للقول بمصلحة التسهيل ، يعني : أنّه إذا لم تثبت عندنا مصلحة التسهيل ، أو قلنا بعدم تقديم المصلحة النوعيّة على المصلحة الشخصيّة ، ولم يصح عندنا أيضا احتمال مساواة خطأ الأمارات للعلوم فإنّا نلتجئ إلى ما سلكه الشيخ من المصلحة السلوكيّة ؛ إذا استطعنا تصحيحها ؛ فرارا من الوقوع في التصويب الباطل.

__________________

(١) إنّ التصويب الباطل ـ على ما بيّنه الشيخ ـ على نحوين : الأوّل : ما ينسب إلى الأشاعرة ، وهو أن يفرض أن لا حكم ثابتا في نفسه يشترك فيه العالم والجاهل ، بل الشارع ينشئ أحكامه على طبق ما تؤدّي إليه آراء المجتهدين. الثاني : ما ينسب إلى المعتزلة ، وهو أن تكون هناك أحكام واقعيّة ثابتة في نفسها ، يشترك فيها العالم والجاهل ، ولكنّ لرأي المجتهد أثرا في تبدّل عنوان موضوع الحكم أو متعلّقه ، فتحدث على وفق ما أدّى إليه رأيه مصلحة غالبة على مصلحة الواقع ، فينشئ الشارع أحكاما ظاهريّة ثانويّة ، غير الأحكام الواقعيّة. وهذا المعنى من التصويب ترجع إليه السببيّة المحضة. وإنّما كان هذا تصويبا باطلا ؛ لأنّ معناه خلوّ الواقع عن الحكم حين قيام الأمارة على خلافه. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) هذا نصّ كلامه على ما في بعض نسخ فرائد الأصول ، كما في فرائد الأصول (المحشّى) : ٢٨. وفي المطبوع حديثا هكذا : «ومعنى الأمر بالعمل على طبق الأمارة الرخصة في أحكام الواقع على مؤدّاها من دون أن تحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع». فرائد الأصول ١ : ٤٥.

وأمّا نحن ، فإذ ثبت عندنا أنّ هناك مصلحة التسهيل في جعل الأمارة تفوق المصالح الشخصيّة ومقدّمة عليها عند الشارع أصبحنا في غنى عن فرض المصلحة السلوكيّة ؛ على أنّ المصلحة السلوكيّة إلى الآن لم نتحقّق مراد الشيخ منها ، ولم نجد الوجه لتصحيحها في نفسها ؛ فإنّ في عبارته شيئا من الاضطراب والإيهام ، وكفى أن تقع في بعض النسخ زيادة كلمة «الأمر» على قوله : «إلاّ أنّ العمل على طبق تلك الأمارة» ، فتصير العبارة هكذا «إلاّ أنّ الأمر بالعمل ...» ، (١) فلا يدرى مقصوده ، هل إنّه في نفس العمل مصلحة سلوكيّة أو في الأمر به؟. وقيل : «إنّ هذا التصحيح وقع من بعض تلامذته ؛ إذ أوكل إليه أمر تصحيح العبارة بعد مناقشات تلاميذه لها في مجلس البحث». (٢)

وعلى كلّ حال ، فالظاهر أنّ الفارق عنده بين السببيّة المحضة وبين المصلحة السلوكيّة ـ بمقتضى عبارته قبل التصحيح المذكور ـ أنّ المصلحة على الأوّل تكون قائمة بذات الفعل ، وعلى الثاني قائمة بعنوان آخر هو السلوك ، فلا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل.

ولكنّنا لم نتعقّل هذا الفارق المذكور ؛ لأنّه إنّما يتمّ إذا استطعنا أن نتعقّل لعنوان السلوك عنوانا مستقلاّ في وجوده عن ذات الفعل ، لا ينطبق عليه ، ولا يتّحد معه ، حتى لا تزاحم مصلحته مصلحة الفعل ، وتصوير هذا في غاية الإشكال. ولعلّ هذا هو السرّ في مناقشة تلاميذه له ، فحمل بعضهم على إضافة كلمة «الأمر» ، (٣) ليجعل المصلحة تعود إلى نفس الأمر ، لا إلى متعلّقه ، فلا يقع التزاحم بين المصلحتين.

وجه الإشكال : أوّلا : أنّنا لا نفهم من عنوان السلوك والاستناد إلى الأمارة إلاّ عنوانا للفعل الذي تؤدّي إليه الأمارة بأيّ معنى فسّرنا السلوك والاستناد ؛ إذ ليس للسلوك ومتابعة الأمارة وجود آخر مستقلّ ، غير نفس وجود الفعل المستند إلى الأمارة.

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٤٤. وقال في فوائد الأصول ٣ : ٩٨ : «إنّ زيادة لفظ «الأمر» ممّا لا حاجة إليه». وقال المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ١٣٦ : «إنّ ما في بعض نسخ فرائد الشيخ الأجلّ قدس‌سره من فرض المصلحة في الأمر غير صحيح».

(٢) راجع فوائد الأصول ٣ : ٩٨.

(٣) ومراده من «بعضهم» بعض أصحاب الشيخ ، كما في فوائد الأصول ٣ : ٩٨.

نعم ، إذا أردنا من الاستناد إلى الأمارة معنى آخر ، وهو الفعل القصديّ من النفس ، فإنّ له وجودا آخر غير وجود الفعل ؛ لأنّه فعل قلبيّ جوانحيّ لا وجود له إلاّ وجودا قصديّا. ولكنّه من البعيد جدّا أن يكون ذلك غرض الشيخ من السلوك ؛ لأنّ هذا الفعل القلبيّ إنّما يصحّ أن يفرض وجوبه في خصوص الأمور العباديّة ؛ ولا معنى للالتزام بوجوب القصد في جميع أفعال الإنسان المستند فعلها إلى الأمارة.

ثانيا : على تقدير تسليم اختلافهما وجودا ؛ فإنّ قيام المصلحة بشيء إنّما يدعو إلى تعلّق الأمر به ، لا بشيء آخر غيره وجودا ، وإن كانا متلازمين في الوجود. فمهما فرضنا من معنى للسلوك ـ وإن كان بمعنى الفعل القلبيّ ـ فإنّه إذا كانت المصلحة المقتضية للأمر قائمة به ، فكيف يصحّ توجيه الأمر إلى ذات الفعل ، والمفروض أنّ له وجودا آخر لم تقم به المصلحة؟!

وأمّا : إضافة كلمة «الأمر» على عبارة الشيخ فهي بعيدة جدّا عن مراده وعباراته الأخرى.

تمرينات (٥١)

التمرين الأوّل :

١. ما هي الشبهة العويصة في صحّة جعل الأمارة؟ وما الجواب عنها؟

٢. ما هو غرض الشارع في الترخيص في اتّباع الأمارات الخاصّة؟

٣. ما هو معنى كون الأمارة طريقا؟ وما هو معنى كونها سببا؟

٤. هل الأمارة حجّة على نحو الطريقيّة ، أو أنّها حجّة على نحو السببيّة؟ وعلى أيّ تقدير ، فما الدليل عليه؟

٥. ما معنى قول المصنّف : «إنّ الطريقيّة هي الأصل»؟

٦. اذكر ما يستدلّ به على السببيّة ، واذكر الجواب عنه.

٧. ما هو القول بالمصلحة السلوكيّة؟ وهل يكون مصحّحا لجعل الأمارة؟

٨. ما الفرق بين المصلحة السلوكية ، ومصلحة التسهيل؟

التمرين الثاني :

١. ما هو معنى التصويب؟ وما الفرق بين التصويب الأشعري وبين التصويب المعتزلي؟ أيّهما كان تصويبا باطلا؟