درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۷: مقدمه مباحث حجت ۱۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

١٥. الحجّيّة أمر اعتباريّ أو انتزاعيّ؟

من الأمور التي وقعت موضع البحث أيضا عند المتأخّرين مسألة أنّ الحجّيّة هل هي من الأمور الاعتباريّة المجعولة بنفسها وذاتها ، أو أنّها من الانتزاعيّات التي تنتزع من المجعولات؟

وهذا النزاع في الحجّيّة فرع ـ في الحقيقة ـ على النزاع في أصل الأحكام الوضعيّة. وهذا النزاع في خصوص الحجّيّة ـ على الأقلّ ـ لم أجد له ثمرة عمليّة في الأصول.

على أنّ هذا النزاع في أصله غير محقّق ، ولا مفهوم له ؛ لأنّ لكلمتي : «الاعتباريّة» و «الانتزاعيّة» مصطلحات كثيرة ، في بعضها تكون الكلمتان متقابلتين ، وفي البعض الآخر متداخلتين. وتفصيل ذلك يخرجنا عن وضع الرسالة. (١)

ونكتفي أن نقول ـ على سبيل الاختصار ـ : إنّ الذي يظهر من أكثر كلمات المتنازعين في المسألة أنّ المراد من الأمر الانتزاعيّ هو المجعول ثانيا وبالعرض في مقابل المجعول أوّلا وبالذات ، بمعنى أنّ الإيجاد والجعل الاعتباريّ ينسب أوّلا وبالذات إلى شيء هو المجعول حقيقة ، ثمّ ينسب الجعل ثانيا وبالعرض إلى شيء آخر ، فالمجعول الأوّل هو الأمر الاعتباريّ ، والثاني هو الأمر الانتزاعيّ ، فيكون هناك جعل واحد ينسب إلى الأوّل بالذات ، وإلى الثاني بالعرض ، لا أنّه هناك جعلان واعتباران ينسب أحدهما إلى شيء ابتداء وينسب ثانيهما إلى آخر بتبع الأوّل ؛ فإنّ هذا ليس مراد المتنازعين قطعا.

فيقال في الملكيّة مثلا ـ التي هي من جملة موارد النزاع ـ : إنّ المجعول أوّلا وبالذات هو إباحة تصرّف الشخص بالشيء المملوك ، فينتزع منها أنّه مالك ـ أي إنّ الجعل ينسب ثانيا وبالعرض إلى الملكيّة ـ. فالملكيّة يقال لها : «إنّها مجعولة بالعرض». ويقال لها : «إنّها منتزعة من الإباحة». هذا إذا قيل : «إنّ الملكية انتزاعيّة» ، أمّا : إذا قيل : «إنّها اعتبارية» فتكون عندهم هي المجعولة أوّلا وبالذات للشارع أو العرف.

وعلى هذا ، فإذا أريد من الانتزاعيّ هذا المعنى فالحقّ أنّ الحجّيّة أمر اعتباريّ ، وكذلك

__________________

(١) وإن شئت فراجع فوائد الأصول ٤ : ٣٨٠ ـ ٣٨٢ ؛ مصباح الأصول ٣ : ٧٩.

الملكيّة ، والزوجيّة ، ونحوها من الأحكام الوضعيّة. وشأنها في ذلك شأن الأحكام التكليفيّة المسلّم فيها أنّها من الاعتباريّات الشرعيّة.

توضيح ذلك أنّ حقيقة الجعل هو الإيجاد. والإيجاد على نحوين :

١. ما يراد منه إيجاد الشيء حقيقة في الخارج. ويسمّى : «الجعل التكوينيّ» أو «الخلق».

٢. ما يراد منه إيجاد الشيء اعتبارا وتنزيلا ، وذلك بتنزيله منزلة الشيء الخارجيّ الواقعيّ من جهة ترتيب أثر من آثاره ، أو لخصوصيّة فيه من خصوصيّات الأمر الواقعيّ. ويسمّى «الجعل الاعتباريّ» ، أو «التنزيليّ» ، وليس له واقع إلاّ الاعتبار والتنزيل ، وإن كان نفس الاعتبار أمرا واقعيّا حقيقيّا ، لا اعتباريّا ، مثلا حينما يقال : «زيد أسد» ، فإنّ الأسد مطابقه الحقيقيّ هو الحيوان المفترس المخصوص ، وهو ـ طبعا ـ مجعول ومخلوق بالجعل والخلق التكوينيّ. ولكنّ العرف يعتبرون الشجاع أسدا ، فزيد أسد اعتبارا وتنزيلا من قبل العرف من جهة ما فيه من خصوصيّة الشجاعة كالأسد الحقيقيّ.

ومن هذا المثال يظهر كيف أنّ الأحكام التكليفيّة اعتبارات شرعيّة ؛ لأنّ الآمر حينما يريد من شخص أن يفعل فعلا ما فبدلا عن أن يدفعه بيده ـ مثلا ـ ليحرّكه نحو العمل ينشئ الأمر بداعي جعل الداعي في دخيلة (١) نفس المأمور. فيكون هذا الإنشاء للآمر دفعا وتحريكا اعتباريّا ؛ تنزيلا له منزلة الدفع الخارجيّ باليد مثلا. وكذلك النهي زجر اعتباريّ ؛ تنزيلا له منزلة الردع والزجر الخارجيّ باليد مثلا.

وكذلك يقال في حجّيّة الأمارة المجعولة ؛ فإنّ القطع لمّا كان موصلا إلى الواقع حقيقة ، وطريقا بنفسه إليه فالشارع يعتبر الأمارة الظنّيّة طريقا إلى الواقع ؛ تنزيلا لها منزلة القطع بالواقع بإلغاء احتمال الخلاف ، فتكون الأمارة قطعا اعتباريّا ، وطريقا تنزيليّا.

ومتى صحّ وأمكن أن تكون الحجّيّة هي المعتبرة أوّلا وبالذات فما الذي يدعو إلى فرضها مجعولة ثانيا وبالعرض ، حتى تكون أمرا انتزاعيّا؟! إلاّ أن يريدوا من الانتزاعيّ

__________________

(١) أي : باطنه.