درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۸: مقدمه مباحث حجت ۱۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الملكيّة ، والزوجيّة ، ونحوها من الأحكام الوضعيّة. وشأنها في ذلك شأن الأحكام التكليفيّة المسلّم فيها أنّها من الاعتباريّات الشرعيّة.

توضيح ذلك أنّ حقيقة الجعل هو الإيجاد. والإيجاد على نحوين :

١. ما يراد منه إيجاد الشيء حقيقة في الخارج. ويسمّى : «الجعل التكوينيّ» أو «الخلق».

٢. ما يراد منه إيجاد الشيء اعتبارا وتنزيلا ، وذلك بتنزيله منزلة الشيء الخارجيّ الواقعيّ من جهة ترتيب أثر من آثاره ، أو لخصوصيّة فيه من خصوصيّات الأمر الواقعيّ. ويسمّى «الجعل الاعتباريّ» ، أو «التنزيليّ» ، وليس له واقع إلاّ الاعتبار والتنزيل ، وإن كان نفس الاعتبار أمرا واقعيّا حقيقيّا ، لا اعتباريّا ، مثلا حينما يقال : «زيد أسد» ، فإنّ الأسد مطابقه الحقيقيّ هو الحيوان المفترس المخصوص ، وهو ـ طبعا ـ مجعول ومخلوق بالجعل والخلق التكوينيّ. ولكنّ العرف يعتبرون الشجاع أسدا ، فزيد أسد اعتبارا وتنزيلا من قبل العرف من جهة ما فيه من خصوصيّة الشجاعة كالأسد الحقيقيّ.

ومن هذا المثال يظهر كيف أنّ الأحكام التكليفيّة اعتبارات شرعيّة ؛ لأنّ الآمر حينما يريد من شخص أن يفعل فعلا ما فبدلا عن أن يدفعه بيده ـ مثلا ـ ليحرّكه نحو العمل ينشئ الأمر بداعي جعل الداعي في دخيلة (١) نفس المأمور. فيكون هذا الإنشاء للآمر دفعا وتحريكا اعتباريّا ؛ تنزيلا له منزلة الدفع الخارجيّ باليد مثلا. وكذلك النهي زجر اعتباريّ ؛ تنزيلا له منزلة الردع والزجر الخارجيّ باليد مثلا.

وكذلك يقال في حجّيّة الأمارة المجعولة ؛ فإنّ القطع لمّا كان موصلا إلى الواقع حقيقة ، وطريقا بنفسه إليه فالشارع يعتبر الأمارة الظنّيّة طريقا إلى الواقع ؛ تنزيلا لها منزلة القطع بالواقع بإلغاء احتمال الخلاف ، فتكون الأمارة قطعا اعتباريّا ، وطريقا تنزيليّا.

ومتى صحّ وأمكن أن تكون الحجّيّة هي المعتبرة أوّلا وبالذات فما الذي يدعو إلى فرضها مجعولة ثانيا وبالعرض ، حتى تكون أمرا انتزاعيّا؟! إلاّ أن يريدوا من الانتزاعيّ

__________________

(١) أي : باطنه.

معنى آخر ، وهو ما يستفاد من دليل الحكم على نحو الدلالة الالتزاميّة ، كأن تستفاد الحجّيّة للأمارة من الأمر باتّباعها ، مثل ما لو قال الإمام عليه‌السلام : «صدّق العادل» الذي يدلّ بالدلالة الالتزاميّة على حجّيّة خبر العادل ، واعتباره عند الشارع. وهذا المعنى للانتزاعيّ صحيح ، ولا مانع من أن يقال للحجّيّة : «إنّها أمر انتزاعيّ بهذا المعنى» ، ولكنّه بعيد عن مرامهم ؛ لأنّ هذا المعنى من الانتزاعيّة لا يقابل الاعتباريّة بالمعنى الذي شرحناه.

وعلى كلّ حال ، فدعوى انتزاعيّة الحجّيّة ـ بأيّ معنى للانتزاعيّ ـ لا موجب لها ، لا سيّما إن لم يتّفق ورود أمر من الشارع باتّباع أمارة من الأمارات في جميع ما بأيدينا من الآيات والروايات ، حتى يفرض أنّ الحجّيّة منتزعة من ذلك الأمر.

هذا كلّ ما أردنا بيانه من المقدّمات قبل الدخول في المقصود. والآن نشرع في البحث عن المقصود ، وهو تشخيص الأدلّة التي هي حجّة على الأحكام الشرعيّة من قبل الشارع المقدّس. ونضعها في أبواب.

تمرينات (٥٢)

١. هل الحجيّة أمر اعتباريّ ، أو انتزاعيّ؟

٢. ما الفرق بين الجعل التكوينيّ والجعل الاعتباريّ؟

الباب الأوّل

الكتاب العزيز

تمهيد

إنّ القرآن الكريم هو المعجز الخالد لنبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والموجود بأيدي الناس بين الدفّتين هو الكتاب المنزل إلى الرسول بالحقّ ، لا ريب فيه ، هدى ، ورحمة ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾. (١)

فهو ـ إذن ـ الحجّة القاطعة بيننا وبينه (تعالى) ، التي لا شكّ ولا ريب فيها ، وهو المصدر الأوّل لأحكام الشريعة الإسلاميّة بما تضمّنته آياته من بيان ما شرعه الله (تعالى) للبشر. وأمّا ما سواه ـ من سنّة أو إجماع أو عقل ـ فإليه ينتهي ، ومن منبعه يستقي.

ولكنّ الذي يجب أن يعلم أنّه قطعيّ الحجّة من ناحية الصدور فقط ؛ لتواتره عند المسلمين جيلا بعد جيل. وأمّا من ناحية الدلالة فليس قطعيّا كلّه ؛ لأنّ فيه متشابها ، ومحكما.

ثمّ «المحكم» منه ما هو نصّ ـ أي قطعيّ الدلالة ـ ، ومنه ما هو ظاهر تتوقّف حجّيّته على القول بحجّيّة الظواهر.

ومن الناس من لم يقل بحجّيّة ظاهره خاصّة ، (٢) وإن كانت الظواهر حجّة.

ثمّ إنّ فيه ناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا ، ومطلقا ومقيّدا ، ومجملا ومبيّنا ، وكلّ ذلك لا يجعله قطعيّ الدلالة في كثير من آياته. (٣)

__________________

(١) يونس (١٠) الآية : ٣٧.

(٢) منهم المحدّث الاسترآباديّ في الفوائد المدنيّة : ١٢٨ ، والمحدّث البحرانيّ في الدرر النجفيّة : ١٧٤.

(٣) أي كلّ ذلك أمور تمنع عن كون القرآن قطعيّ الدلالة في كثير من آياته.

ومن أجل ذلك وجب البحث عن هذه النواحي لتكميل حجّيّته. وأهمّ ما يجب البحث عنه من ناحية أصوليّة في أمور ثلاثة :

١. في حجّيّة ظواهره. وهذا بحث ينبغي أن يلحق بمباحث الظواهر ، الآتية ، فلنرجئه (١) إلى هناك.

٢. في جواز تخصيصه وتقييده بحجّة أخرى ، كخبر الواحد ونحوه. وقد تقدّم البحث عنه. (٢)

٣. في جواز نسخه. والبحث عن ذلك ليس فيه كثير فائدة في الفقه ، كما ستعرف ، ومع ذلك ينبغي ألاّ يخلو كتابنا من الإشارة إليه بالاختصار ، فنقول :

نسخ الكتاب العزيز

حقيقة النسخ

النسخ اصطلاحا : رفع ما هو ثابت في الشريعة من الأحكام ونحوها.

والمراد من «الثبوت في الشريعة» الثبوت الواقعيّ الحقيقيّ في مقابل الثبوت الظاهريّ بسبب الظهور اللفظيّ. ولذلك ، فرفع الحكم ـ الثابت بظهور العموم أو الإطلاق ـ بالدليل المخصّص أو المقيّد لا يسمّى نسخا ، بل يقال له : «تخصيص» ، أو «تقييد» ، أو نحوهما ، باعتبار أنّ هذا الدليل الثاني المقدّم على ظهور الدليل الأوّل يكون قرينة عليه ، وكاشفا عن المراد الواقعيّ للشارع ، فلا يكون رافعا للحكم إلاّ ظاهرا ، ولا رفع فيه للحكم حقيقة ، بخلاف النسخ.

ومن هنا يظهر الفرق الحقيقيّ بين النسخ وبين التخصيص والتقييد. وسيأتي مزيد إيضاح لهذه الناحية في جواب الاعتراضات على النسخ.

و [أمّا] قولنا : «من الأحكام ونحوها» ، فلبيان تعميم النسخ للأحكام التكليفيّة والوضعيّة ، ولكلّ أمر بيد الشارع رفعه ووضعه بالجعل التشريعيّ بما هو شارع.

__________________

(١) أي : نؤخّره.

(٢) راجع المقصد الأوّل : ١٧٧ ـ ١٧٨.