درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۱۹: مباحث حجت ۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ومن أجل ذلك وجب البحث عن هذه النواحي لتكميل حجّيّته. وأهمّ ما يجب البحث عنه من ناحية أصوليّة في أمور ثلاثة :

١. في حجّيّة ظواهره. وهذا بحث ينبغي أن يلحق بمباحث الظواهر ، الآتية ، فلنرجئه (١) إلى هناك.

٢. في جواز تخصيصه وتقييده بحجّة أخرى ، كخبر الواحد ونحوه. وقد تقدّم البحث عنه. (٢)

٣. في جواز نسخه. والبحث عن ذلك ليس فيه كثير فائدة في الفقه ، كما ستعرف ، ومع ذلك ينبغي ألاّ يخلو كتابنا من الإشارة إليه بالاختصار ، فنقول :

نسخ الكتاب العزيز

حقيقة النسخ

النسخ اصطلاحا : رفع ما هو ثابت في الشريعة من الأحكام ونحوها.

والمراد من «الثبوت في الشريعة» الثبوت الواقعيّ الحقيقيّ في مقابل الثبوت الظاهريّ بسبب الظهور اللفظيّ. ولذلك ، فرفع الحكم ـ الثابت بظهور العموم أو الإطلاق ـ بالدليل المخصّص أو المقيّد لا يسمّى نسخا ، بل يقال له : «تخصيص» ، أو «تقييد» ، أو نحوهما ، باعتبار أنّ هذا الدليل الثاني المقدّم على ظهور الدليل الأوّل يكون قرينة عليه ، وكاشفا عن المراد الواقعيّ للشارع ، فلا يكون رافعا للحكم إلاّ ظاهرا ، ولا رفع فيه للحكم حقيقة ، بخلاف النسخ.

ومن هنا يظهر الفرق الحقيقيّ بين النسخ وبين التخصيص والتقييد. وسيأتي مزيد إيضاح لهذه الناحية في جواب الاعتراضات على النسخ.

و [أمّا] قولنا : «من الأحكام ونحوها» ، فلبيان تعميم النسخ للأحكام التكليفيّة والوضعيّة ، ولكلّ أمر بيد الشارع رفعه ووضعه بالجعل التشريعيّ بما هو شارع.

__________________

(١) أي : نؤخّره.

(٢) راجع المقصد الأوّل : ١٧٧ ـ ١٧٨.

وعليه ، فلا يشمل النسخ الاصطلاحيّ المجعولات التكوينيّة التي بيده رفعها ووضعها بما هو خالق الكائنات.

والنسخ بهذا التعبير يشمل نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به ؛ باعتبار أنّ القرآن من المجعولات الشرعيّة التي ينشئها الشارع بما هو شارع ، وإن كان لنا كلام في دعوى نسخ التلاوة من القرآن ، ليس هذا موضع تفصيله ، ولكن ـ بالاختصار ـ نقول : إنّ نسخ التلاوة ـ في الحقيقة ـ يرجع إلى القول بالتحريف ؛ لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعيّ ، سواء كان نسخا لأصل التلاوة ، أو نسخا لها ولما تضمّنته من حكم معا (١) ، وإن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة ، كقوله (تعالى) : ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ (٢) ، وقوله (تعالى) : ﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها﴾ (٣). ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك ، ولا ظاهرتين ، وإنّما أكثر ما تدلّ عليه الآيتان إمكان وقوعه.

إمكان نسخ القرآن

قد وقعت عند بعض الناس (٤) شبهات في إمكان أصل النسخ (٥) ، ثمّ في إمكان نسخ القرآن خاصّة. وتنويرا للأذهان نشير إلى أهمّ الشبه ودفعها ، فنقول :

١. قيل : «إنّ المرفوع في النسخ إمّا حكم ثابت ، أو ما لا ثبات له. والثابت يستحيل

__________________

(١) قال السيّد المرتضى : «ومثال نسخ التلاوة دون الحكم ، غير مقطوع به ؛ لأنّه من جهة خبر الآحاد» ، ثمّ قال : «ومثال نسخ الحكم والتلاوة معا موجود ـ أيضا ـ في أخبار الآحاد». الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٤٢٩.

(٢) النحل (١٦) الآية : ١٠١.

(٣) البقرة (٢) الآية : ١٠٦.

(٤) والمراد من «بعض الناس» هو جماعة من اليهود ، والنصارى ، وأبو مسلم الأصفهانيّ المعتزليّ من المسلمين ، على ما في الفصول الغرويّة : ٢٣٣ ، ومفاتيح الأصول : ٢٤٦ ، وفواتح الرحموت (المستصفى ٢ : ٥٥) ، والإحكام (للآمدي) ٣ : ١٦٥ ، ومبادئ الوصول : ١٧٥ ـ ١٧٦.

وقد ينسب عدم إمكان النسخ في الشرائع جميعا إلى اليهود ، وعدم إمكانه في القرآن خاصّة إلى أبي مسلم الأصفهانيّ ، كما في إرشاد الفحول : ١٨٥.

(٥) أي في إمكان النسخ في مطلق الشرائع ، أو مطلق الحكم.

رفعه ، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه. وعلى هذا ، فلا بدّ أن يؤوّل النسخ بمعنى رفع مثل الحكم ، لا رفع عينه ، أو بمعنى انتهاء أمد الحكم».

والجواب : أنّا نختار الشقّ الأوّل ـ وهو أنّ المرفوع ما هو ثابت ـ ، ولكن ليس معنى رفع الثابت رفعه بما هو عليه من حالة الثبوت وحين فرض ثبوته ، حتى يكون ذلك مستحيلا ، بل هو من باب إعدام الموجود ، وليس إعدام الموجود بمستحيل.

والأحكام لمّا كانت مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة فإنّ قوام الحكم يكون بفرض الموضوع موجودا ، ولا يتوقّف على ثبوته خارجا تحقيقا ، فإذا أنشئ الحكم كذلك فهو ثابت في عالم التشريع والاعتبارات بثبوت الموضوع فرضا ، ولا يرتفع إلاّ برفعه تشريعا.

وهذا هو معنى رفع الحكم الثابت ، وهو النسخ.

٢. وقيل : «إنّ ما أثبته الله (تعالى) من الأحكام لا بدّ أن يكون لمصلحة أو مفسدة في متعلّق الحكم. وما له مصلحة في ذاته لا ينقلب ، فيكون ذا مفسدة ، وكذلك العكس ، وإلاّ لزم انقلاب الحسن قبيحا ، والقبيح حسنا ، وهو محال. وحينئذ يستحيل النسخ ؛ لأنّه يلزم منه هذا الانقلاب المستحيل ، أو عدم حكمة الناسخ ، أو جهله بوجه الحكمة. والأخيران مستحيلان بالنسبة إلى الشارع المقدّس».

والجواب واضح ، بعد معرفة ما ذكرناه في الجزء الثاني في المباحث العقليّة من معاني الحسن والقبيح (١) ؛ فإنّ المستحيل انقلاب الحسن والقبيح الذاتيّين ، ولا معنى لقياسهما على المصالح والمفاسد التي تتبدّل وتتغيّر بحسب اختلاف الأحوال والأزمان. ولا يبعد أن يكون الشيء ذا مصلحة في زمان ، ذا مفسدة في زمان آخر وإن كان لا يعلم ذلك إلاّ من قبل الشارع العالم المحيط بحقائق الأشياء. وهذا غير معنى الحسن والقبح اللذين نقول فيهما : إنّه يستحيل فيهما الانقلاب.

مضافا إلى أنّ الأشياء تختلف فيها وجوه الحسن والقبح باختلاف الأحوال ممّا لم يكن (٢) الحسن والقبح فيه ذاتيّين ـ كما تقدّم هناك ـ (٣) ، وإذا كان الأمر كذلك فمن الجائز أن يكون

__________________

(١) راجع المقصد الثاني : ٢٢٦ ـ ٢٢٩.

(٢) قوله : «ممّا لم يكن ...» بيان عن قوله : «الأشياء».

(٣) تقدّم في المقصد الثاني : ٢٣٠.