درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۰: مباحث حجت ۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

رفعه ، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه. وعلى هذا ، فلا بدّ أن يؤوّل النسخ بمعنى رفع مثل الحكم ، لا رفع عينه ، أو بمعنى انتهاء أمد الحكم».

والجواب : أنّا نختار الشقّ الأوّل ـ وهو أنّ المرفوع ما هو ثابت ـ ، ولكن ليس معنى رفع الثابت رفعه بما هو عليه من حالة الثبوت وحين فرض ثبوته ، حتى يكون ذلك مستحيلا ، بل هو من باب إعدام الموجود ، وليس إعدام الموجود بمستحيل.

والأحكام لمّا كانت مجعولة على نحو القضايا الحقيقيّة فإنّ قوام الحكم يكون بفرض الموضوع موجودا ، ولا يتوقّف على ثبوته خارجا تحقيقا ، فإذا أنشئ الحكم كذلك فهو ثابت في عالم التشريع والاعتبارات بثبوت الموضوع فرضا ، ولا يرتفع إلاّ برفعه تشريعا.

وهذا هو معنى رفع الحكم الثابت ، وهو النسخ.

٢. وقيل : «إنّ ما أثبته الله (تعالى) من الأحكام لا بدّ أن يكون لمصلحة أو مفسدة في متعلّق الحكم. وما له مصلحة في ذاته لا ينقلب ، فيكون ذا مفسدة ، وكذلك العكس ، وإلاّ لزم انقلاب الحسن قبيحا ، والقبيح حسنا ، وهو محال. وحينئذ يستحيل النسخ ؛ لأنّه يلزم منه هذا الانقلاب المستحيل ، أو عدم حكمة الناسخ ، أو جهله بوجه الحكمة. والأخيران مستحيلان بالنسبة إلى الشارع المقدّس».

والجواب واضح ، بعد معرفة ما ذكرناه في الجزء الثاني في المباحث العقليّة من معاني الحسن والقبيح (١) ؛ فإنّ المستحيل انقلاب الحسن والقبيح الذاتيّين ، ولا معنى لقياسهما على المصالح والمفاسد التي تتبدّل وتتغيّر بحسب اختلاف الأحوال والأزمان. ولا يبعد أن يكون الشيء ذا مصلحة في زمان ، ذا مفسدة في زمان آخر وإن كان لا يعلم ذلك إلاّ من قبل الشارع العالم المحيط بحقائق الأشياء. وهذا غير معنى الحسن والقبح اللذين نقول فيهما : إنّه يستحيل فيهما الانقلاب.

مضافا إلى أنّ الأشياء تختلف فيها وجوه الحسن والقبح باختلاف الأحوال ممّا لم يكن (٢) الحسن والقبح فيه ذاتيّين ـ كما تقدّم هناك ـ (٣) ، وإذا كان الأمر كذلك فمن الجائز أن يكون

__________________

(١) راجع المقصد الثاني : ٢٢٦ ـ ٢٢٩.

(٢) قوله : «ممّا لم يكن ...» بيان عن قوله : «الأشياء».

(٣) تقدّم في المقصد الثاني : ٢٣٠.

[متعلّق] الحكم المنسوخ ذا مصلحة ، ثمّ زالت في الزمان الثاني فنسخ ، أو كان ينطبق عليه عنوان حسن ثمّ زال عنه [ذلك] العنوان في الزمان الثاني فنسخ. فهذه هي الحكمة في النسخ.

٣. وقيل : «إذا كان النسخ ـ كما قلتم ـ لأجل انتهاء أمد المصلحة فينتهي أمد الحكم بانتهائها ، فإنّه ـ والحال هذه ـ إمّا أن يكون الشارع الناسخ قد علم بانتهاء أمد المصلحة من أوّل الأمر ، وإمّا أن يكون جاهلا به. لا مجال للثاني ؛ لأنّ ذلك مستحيل في حقّه (تعالى) ، وهو البداء الباطل المستحيل ، فيتعيّن الأوّل. وعليه ، فيكون الحكم في الواقع موقّتا وإن أنشأه الناسخ مطلقا في الظاهر ، ويكون الدليل على النسخ في الحقيقة مبيّنا وكاشفا عن مراد الناسخ. وهذا هو معنى التخصيص ، غاية الأمر يكون تخصيصا بحسب الأوقات لا الأحوال ، فلا يكون فرق بين النسخ والتخصيص إلاّ بالتسمية.»

والجواب : نحن نسلّم أنّ الحكم المنسوخ ينتهي أمده في الواقع ، والله (تعالى) عالم بانتهائه ، ولكن ليس معنى ذلك أنّه موقّت ـ أي مقيّد إنشاء بالوقت ـ بل هو قد أنشئ على طبق المصلحة مطلقا على نحو القضايا الحقيقيّة ، فهو ثابت ما دامت المصلحة ، كسائر الأحكام المنشأة على طبق مصالحها ، فلو قدّر للمصلحة أن تستمرّ لبقي الحكم مستمرّا ، غير أنّ الشارع لمّا علم بانتهاء أمد المصلحة ، رفع الحكم ونسخه وهذا نظير أن يخلق الله (تعالى) الشيء ، ثمّ يرفعه بإعدامه ، وليس معنى ذلك أن يخلقه موقّتا على وجه يكون التوقيت قيدا للخلق والمخلوق بما هو مخلوق ، وإن علم به من الأوّل أنّ أمده ينتهي.

ومن هنا يظهر الفرق ـ جليّا ـ بين النسخ والتخصيص ؛ فإنّه في «التخصيص» يكون الحكم من أوّل الأمر أنشئ مقيّدا ، ومخصّصا ، ولكنّ اللفظ كان عامّا بحسب الظاهر ، فيأتي الدليل المخصّص ، فيكون كاشفا عن المراد ، لا أنّه مزيل ورافع لما هو ثابت في الواقع.

وأمّا : في «النسخ» فإنّه لمّا أنشئ الحكم مطلقا فمقتضاه أن يدوم لو لم يرفعه النسخ ، فالنسخ يكون محوا لما هو ثابت ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ...﴾ (١) ، لا أنّ الدوام والاستمرار مدلول لظاهر الدليل بحسب إطلاقه وعمومه ، والمنشأ في الواقع الحكم الموقّت ، ثمّ يأتي

__________________

(١) الرعد (١٣) الآية : ٣٩.

الدليل الناسخ ، فيكشف عن المراد من الدليل الأوّل ويفسّره ، بل الدوام من اقتضاء نفس ثبوت الحكم من دون أن يكون لفظ دليل الحكم دالاّ عليه بعموم أو إطلاق. يعني : أنّ الحكم المنشأ ـ لو خلّي وطبعه مع قطع النظر عن دلالة دليله ـ لدام واستمرّ ما لم يأت ما يزيله ويرفعه ، كسائر الموجودات التي تقتضي بطبيعتها الاستمرار والدوام.

٤. وقيل : «إنّ كلام الله (تعالى) قديم ، والقديم لا يتصوّر رفعه».

والجواب : ـ بعد تسليم هذا الفرض وهو قدم كلام الله ـ (١) : أنّ هذا يختصّ بنسخ التلاوة ، فلا يكون دليلا على بطلان أصل النسخ. مع أنّه قد تقدّم من نصّ القرآن الكريم ما يدلّ على إمكان نسخ التلاوة ، وإن لم يكن صريحا في وقوعه ، كقوله (تعالى) : ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ...﴾ (٢) ، فهو إمّا أن يدلّ على أنّ كلامه (تعالى) غير قديم ، أو أنّ القديم يمكن رفعه. مضافا إلى أنّه ليس معنى نسخ التلاوة رفع أصل الكلام ، بل رفع تبليغه ، وقطع علاقة المكلّفين بتلاوته.

وقوع نسخ القرآن ، وأصالة عدم النسخ

هذا هو الأمر الذي يهمّنا إثباته من ناحية أصوليّة. ولا شكّ في أنّه قد أجمع علماء الأمّة الإسلاميّة على أنّه لا يصحّ الحكم بنسخ آية من القرآن إلاّ بدليل قطعيّ ، سواء كان بقرآن أيضا ، أو بسنّة ، أو بإجماع (٣) ، كما أنّه ممّا أجمع عليه العلماء أيضا أنّ في القرآن الكريم ناسخا ومنسوخا. وكلّ هذا قطعيّ لا شكّ فيه.

ولكنّ الذي هو موضع البحث والنظر تشخيص موارد الناسخ والمنسوخ في القرآن. وإذا لم يحصل القطع بالنسخ بطل موضع الاستدلال عليه بالأدلّة الظنّيّة ، للإجماع المتقدّم.

__________________

(١) إنّ قدم الكلام في الله يرتبط بمسألة الكلام النفسيّ ، وإنّ من صفات الله (تعالى) الذاتيّة أنّه متكلّم. والحقّ الثابت عندنا بطلان هذا الرأي في أصله ، وما يتفرّع عليه من فروع. وهذا أمر موكول إثباته إلى الفلسفة وعلم الكلام ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) النحل (١٦) الآية : ١٠١.

(٣) وإن شئت فراجع الفصول الغرويّة : ٢٣٧ ؛ مفاتيح الأصول : ٢٦٥ ـ ٢٦٩ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٤٦٠ ؛ الإحكام (للآمدي) ٣ : ٢٠٨ ـ ٢١٧ ؛ إرشاد الفحول : ١٩١.