درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۱: مباحث حجت ۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الدليل الناسخ ، فيكشف عن المراد من الدليل الأوّل ويفسّره ، بل الدوام من اقتضاء نفس ثبوت الحكم من دون أن يكون لفظ دليل الحكم دالاّ عليه بعموم أو إطلاق. يعني : أنّ الحكم المنشأ ـ لو خلّي وطبعه مع قطع النظر عن دلالة دليله ـ لدام واستمرّ ما لم يأت ما يزيله ويرفعه ، كسائر الموجودات التي تقتضي بطبيعتها الاستمرار والدوام.

٤. وقيل : «إنّ كلام الله (تعالى) قديم ، والقديم لا يتصوّر رفعه».

والجواب : ـ بعد تسليم هذا الفرض وهو قدم كلام الله ـ (١) : أنّ هذا يختصّ بنسخ التلاوة ، فلا يكون دليلا على بطلان أصل النسخ. مع أنّه قد تقدّم من نصّ القرآن الكريم ما يدلّ على إمكان نسخ التلاوة ، وإن لم يكن صريحا في وقوعه ، كقوله (تعالى) : ﴿وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ ...﴾ (٢) ، فهو إمّا أن يدلّ على أنّ كلامه (تعالى) غير قديم ، أو أنّ القديم يمكن رفعه. مضافا إلى أنّه ليس معنى نسخ التلاوة رفع أصل الكلام ، بل رفع تبليغه ، وقطع علاقة المكلّفين بتلاوته.

وقوع نسخ القرآن ، وأصالة عدم النسخ

هذا هو الأمر الذي يهمّنا إثباته من ناحية أصوليّة. ولا شكّ في أنّه قد أجمع علماء الأمّة الإسلاميّة على أنّه لا يصحّ الحكم بنسخ آية من القرآن إلاّ بدليل قطعيّ ، سواء كان بقرآن أيضا ، أو بسنّة ، أو بإجماع (٣) ، كما أنّه ممّا أجمع عليه العلماء أيضا أنّ في القرآن الكريم ناسخا ومنسوخا. وكلّ هذا قطعيّ لا شكّ فيه.

ولكنّ الذي هو موضع البحث والنظر تشخيص موارد الناسخ والمنسوخ في القرآن. وإذا لم يحصل القطع بالنسخ بطل موضع الاستدلال عليه بالأدلّة الظنّيّة ، للإجماع المتقدّم.

__________________

(١) إنّ قدم الكلام في الله يرتبط بمسألة الكلام النفسيّ ، وإنّ من صفات الله (تعالى) الذاتيّة أنّه متكلّم. والحقّ الثابت عندنا بطلان هذا الرأي في أصله ، وما يتفرّع عليه من فروع. وهذا أمر موكول إثباته إلى الفلسفة وعلم الكلام ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) النحل (١٦) الآية : ١٠١.

(٣) وإن شئت فراجع الفصول الغرويّة : ٢٣٧ ؛ مفاتيح الأصول : ٢٦٥ ـ ٢٦٩ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٤٦٠ ؛ الإحكام (للآمدي) ٣ : ٢٠٨ ـ ٢١٧ ؛ إرشاد الفحول : ١٩١.

وأمّا : ما ثبت فيه النسخ منه على سبيل الجزم فهو موارد قليلة جدّا ، لا تهمّنا كثيرا من ناحية فقهيّة استدلاليّة ؛ لمكان القطع فيها.

وعلى هذا ، فالقاعدة الأصوليّة التي ننتفع بها ونستخلصها هنا هي أنّ الناسخ إن كان قطعيّا أخذنا به واتّبعناه ، وإن كان ظنّيّا فلا حجّة فيه ، ولا يصحّ الأخذ به ؛ لما تقدّم من الإجماع على عدم جواز الحكم بالنسخ إلاّ بدليل قطعيّ.

ولذا أجمع الفقهاء من جميع طوائف المسلمين على أنّ «الأصل عدم النسخ» عند الشكّ في النسخ ، وإجماعهم هذا ليس من جهة ذهابهم إلى حجّيّة الاستصحاب ، كما ربما يتوهّمه بعضهم ، (١) بل حتى من لا يذهب إلى حجّيّة الاستصحاب يقول بأصالة عدم النسخ ، وما ذلك إلاّ من جهة هذا الإجماع على اشتراط العلم في ثبوت النسخ.

تمرينات (٥٣)

١. ما هي حقيقة النسخ؟

٢. ما الفرق بين النسخ وبين التخصيص والتقييد؟

٣. اذكر الشبهات في إمكان أصل النسخ ، واذكر الجواب عنها؟

٤. اذكر الشبهات في إمكان نسخ القرآن ، واذكر الجواب عنها؟

٥. ما المراد من أصالة عدم النسخ؟

__________________

(١) ولعلّه هو المحقّق النائينيّ ، حيث قال : «وأمّا أصالة عدم النسخ فهي من الأصول العمليّة ، إذ لا مدرك للحكم باستمرار حكم شخصيّ ثابت في مورد ما عند الشكّ في ارتفاعه إلاّ الاستصحاب المجمع على حجيّته». أجود التقريرات ٢ : ٥١٠.

الباب الثاني

السنّة

تمهيد

السنّة (١) في اصطلاح الفقهاء : «قول النبيّ أو فعله أو تقريره» (٢).

ومنشأ هذا الاصطلاح أمر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله باتّباع سنّته ، (٣) فغلبت كلمة «السنّة» حينما تطلق ـ مجرّدة عن نسبتها إلى أحد ـ على خصوص ما يتضمّن بيان حكم من الأحكام من النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، سواء كان ذلك بقول أو فعل أو تقرير ، على ما سيأتي من ذكر مدى ما يدلّ الفعل والتقرير على بيان الأحكام. (٤)

أمّا : فقهاء الإماميّة بالخصوص فلمّا ثبت لديهم أنّ المعصوم من آل البيت عليهم‌السلام يجري قوله مجرى قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، من كونه حجّة على العباد واجب الاتّباع ، فقد توسّعوا في اصطلاح السنّة إلى ما يشمل قول كلّ واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره ، فكانت السنّة باصطلاحهم : «قول المعصوم أو فعله أو تقريره». (٥)

والسرّ في ذلك أنّ الأئمّة من آل البيت عليهم‌السلام ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والمحدّثين عنه ليكون قولهم حجّة من جهة أنّهم ثقاة في الرواية ، بل لأنّهم هم المنصوبون

__________________

(١) وهي في اللغة : الطريقة.

(٢) هذا معناها في اصطلاح علماء العامّة. راجع الإحكام (للآمدي) ١ : ٢٤١ ؛ فواتح الرحموت «المستصفى» ٢ : ٩٦ ؛ أصول الفقه (للخضري بك) : ٢١٤ ؛ نهاية السئول ٣ : ٣ ؛ إرشاد الفحول : ٣٣.

(٣) كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «فما وافق كتاب الله وسنّتي فخذوا به». بحار الأنوار ٢ : ٢٢٥.

(٤) يأتي في الصفحات الآتية قريبا.

(٥) كما في قوانين الأصول ١ : ٤٠٩.

من الله (تعالى) على لسان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لتبليغ الأحكام الواقعيّة ، (١) فلا يحكون إلاّ عن الأحكام الواقعيّة عند الله (تعالى) كما هي ، وذلك من طريق الإلهام ، كالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من طريق الوحي ، أو من طريق التلقّي من المعصوم قبله ، كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «علّمني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ألف باب من العلم ينفتح لي من كلّ باب ألف باب». (٢)

وعليه ، فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنّة وحكايتها ، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع ، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع ، فقولهم سنّة ، لا حكاية السنّة.

وأمّا : ما يجيء على لسانهم أحيانا من روايات وأحاديث عن نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فهي إمّا لأجل نقل النصّ عنه ، كما يتّفق في نقلهم لجوامع كلمه ، وإمّا لأجل إقامة الحجّة على الغير ، وإمّا لغير ذلك من الدواعي.

وأمّا : إثبات إمامتهم وأنّ قولهم يجري مجرى قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فهو بحث يتكفّل به علم الكلام. (٣)

وإذا ثبت أنّ السنّة ـ بما لها من المعنى الواسع الذي عندنا ـ هي مصدر من مصادر التشريع الإسلاميّ ، فإن حصل عليها الإنسان بنفسه بالسماع من نفس المعصوم ومشاهدته فقد أخذ الحكم الواقعيّ من مصدره الأصليّ على سبيل الجزم واليقين من ناحية السند ، كالأخذ من القرآن الكريم ثقل الله الأكبر ، والأئمّة من آل البيت عليهم‌السلام ثقله الأصغر. (٤)

__________________

(١) يدلّ عليه ما يدلّ على إمامتهم. فراجع الكافي ١ : ١٨٩ و ٢١٥ و ٢٨٦ ـ ٢٨٨ و ٣٣٦ و ٥٢٧ ـ ٥٢٨ ؛ مصابيح السنّة ٤ : ١٣٧ ؛ كمال الدين ١ : ٢٥٢ و ٢٦٢ ؛ كفاية الأثر : ١٠ ـ ١١.

(٢) لم أجده في المصادر الحديثيّة بهذه العبارة. وأمّا مضمونه ، بل متنه مع اختلاف يسير موجود في المصادر الحديثيّة للإماميّة والعامّة. فراجع بحار الأنوار ٤٦ : ٣٠٨ ؛ إحقاق الحقّ ٦ : ٤٠ ـ ٤٣ ؛ سليم بن قيس : ٢١٣ ؛ كشف الغمّة ١ : ١٧٧.

(٣) وإن شئت فراجع كشف المراد : ٣٦٤ ـ ٣٧٢ و ٣٩٧ ؛ النافع يوم الحشر : ٤٤ ـ ٥٠ ؛ مفتاح الباب : ١٨٧ ـ ٢٠٥ ؛ الحاشية على إلهيات الشرح الجديد للتجريد : ٢٠٩ ـ ٢٤٥ و ٤١٤ ـ ٤٤٦.

(٤) كما يدلّ عليه حديث الثقلين الذي هو من المتواترات. فراجع المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ ؛ ـ