درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۲: مباحث حجت ۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

من الله (تعالى) على لسان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله لتبليغ الأحكام الواقعيّة ، (١) فلا يحكون إلاّ عن الأحكام الواقعيّة عند الله (تعالى) كما هي ، وذلك من طريق الإلهام ، كالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من طريق الوحي ، أو من طريق التلقّي من المعصوم قبله ، كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه‌السلام : «علّمني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ألف باب من العلم ينفتح لي من كلّ باب ألف باب». (٢)

وعليه ، فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنّة وحكايتها ، ولا من نوع الاجتهاد في الرأي والاستنباط من مصادر التشريع ، بل هم أنفسهم مصدر للتشريع ، فقولهم سنّة ، لا حكاية السنّة.

وأمّا : ما يجيء على لسانهم أحيانا من روايات وأحاديث عن نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فهي إمّا لأجل نقل النصّ عنه ، كما يتّفق في نقلهم لجوامع كلمه ، وإمّا لأجل إقامة الحجّة على الغير ، وإمّا لغير ذلك من الدواعي.

وأمّا : إثبات إمامتهم وأنّ قولهم يجري مجرى قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فهو بحث يتكفّل به علم الكلام. (٣)

وإذا ثبت أنّ السنّة ـ بما لها من المعنى الواسع الذي عندنا ـ هي مصدر من مصادر التشريع الإسلاميّ ، فإن حصل عليها الإنسان بنفسه بالسماع من نفس المعصوم ومشاهدته فقد أخذ الحكم الواقعيّ من مصدره الأصليّ على سبيل الجزم واليقين من ناحية السند ، كالأخذ من القرآن الكريم ثقل الله الأكبر ، والأئمّة من آل البيت عليهم‌السلام ثقله الأصغر. (٤)

__________________

(١) يدلّ عليه ما يدلّ على إمامتهم. فراجع الكافي ١ : ١٨٩ و ٢١٥ و ٢٨٦ ـ ٢٨٨ و ٣٣٦ و ٥٢٧ ـ ٥٢٨ ؛ مصابيح السنّة ٤ : ١٣٧ ؛ كمال الدين ١ : ٢٥٢ و ٢٦٢ ؛ كفاية الأثر : ١٠ ـ ١١.

(٢) لم أجده في المصادر الحديثيّة بهذه العبارة. وأمّا مضمونه ، بل متنه مع اختلاف يسير موجود في المصادر الحديثيّة للإماميّة والعامّة. فراجع بحار الأنوار ٤٦ : ٣٠٨ ؛ إحقاق الحقّ ٦ : ٤٠ ـ ٤٣ ؛ سليم بن قيس : ٢١٣ ؛ كشف الغمّة ١ : ١٧٧.

(٣) وإن شئت فراجع كشف المراد : ٣٦٤ ـ ٣٧٢ و ٣٩٧ ؛ النافع يوم الحشر : ٤٤ ـ ٥٠ ؛ مفتاح الباب : ١٨٧ ـ ٢٠٥ ؛ الحاشية على إلهيات الشرح الجديد للتجريد : ٢٠٩ ـ ٢٤٥ و ٤١٤ ـ ٤٤٦.

(٤) كما يدلّ عليه حديث الثقلين الذي هو من المتواترات. فراجع المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٩ ؛ ـ

أمّا : إذا لم يحصل ذلك لطالب الحكم الواقعيّ ـ كما في العهود المتأخّرة عن عصرهم ـ فإنّه لا بدّ له في أخذ الأحكام من طريق أن يرجع ـ بعد القرآن الكريم ـ إلى الأحاديث التي تنقل السنّة ، إمّا من طريق التواتر ، أو من طريق أخبار الآحاد على الخلاف الذي سيأتي في مدى حجّيّة أخبار الآحاد. (١)

وعلى هذا ، فالأحاديث ليست هي السنّة ، بل هي الناقلة لها ، والحاكية عنها ، ولكن قد تسمّى بالسنّة ، توسّعا من أجل كونها مثبتة لها.

ومن أجل هذا يلزمنا البحث عن الأخبار في باب السنّة ؛ لأنّه يتعلّق ذلك بإثباتها.

ونعقد الفصل في مباحث أربعة :

١. دلالة فعل المعصوم

لا شكّ في أنّ فعل المعصوم ـ بحكم كونه معصوما ـ يدلّ على إباحة الفعل على الأقلّ ، كما أنّ تركه لفعل يدلّ على عدم وجوبه على الأقلّ. ولا شكّ في أنّ هذه الدلالة بهذا الحدّ أمر قطعيّ ليس موضعا للشبهة بعد ثبوت عصمته.

ثمّ نقول بعد هذا : إنّه قد يكون لفعل المعصوم من الدلالة ما هو أوسع من ذلك ، وذلك فيما إذا صدر منه الفعل محفوفا بالقرينة ، كأن يحرز أنّه في مقام بيان حكم من الأحكام ، أو عبادة من العبادات ، كالوضوء ، والصّلاة ، ونحوها ؛ فإنّه حينئذ يكون لفعله ظهور في وجه الفعل من كونه واجبا ، أو مستحبّا ، أو غير ذلك ، حسبما تقتضيه القرينة.

ولا شبهة في أنّ هذا الظهور حجّة ، كظواهر الألفاظ بمناط واحد ، وكم استدلّ الفقهاء على حكم أفعال الوضوء ، والصلاة ، والحجّ ، وغيرها ، وكيفيّاتها بحكاية فعل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو الإمام في هذه الأمور.

كلّ هذا لا كلام ولا خلاف لأحد فيه. وإنّما وقع الكلام للقوم في موضعين :

__________________

ـ حلية الأولياء ١ : ٣٥٥ ؛ إحقاق الحقّ ٤ : ٤٢٦ ـ ٤٤٣ و ٩ : ٣٠٩ ـ ٣٧٥ ؛ مجمع الزوائد ٩ : ١٦٣ ؛ أسد الغابة ٣ : ١٤٧ ؛ صحيح الترمذي ٥ : ٦٦٣ ، وغيرها من المصادر الروائيّة.

(١) يأتي في الصفحتين : ٧٢ ـ ٧٤ من هذا الجزء.

١ ـ في دلالة فعل المعصوم (١) ، المجرّد عن القرائن على أكثر من إباحة الفعل. فقد قال بعضهم : «إنّه يدلّ بمجرّده على وجوب الفعل بالنسبة إلينا» (٢). وقيل : «يدلّ على استحبابه» (٣). وقيل : «لا دلالة له على شيء منهما ، أي إنّه لا يدلّ على أكثر من إباحة الفعل في حقّنا» (٤).

والحقّ هو الأخير ؛ لعدم ما يصلح أن يجعل له مثل هذه الدلالة.

وقد يظنّ ظانّ أنّ قوله (تعالى) في سورة الأحزاب ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (٥) يدلّ على وجوب التأسّي والاقتداء برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أفعاله. ووجوب الاقتداء بفعله يلزم منه وجوب كلّ فعل يفعله في حقّنا وإن كان بالنسبة إليه لم يكن واجبا ، إلاّ ما دلّ الدليل الخاصّ على عدم وجوبه في حقّنا (٦).

وقيل : «إنّه إن لم تدلّ الآية على وجوب الاقتداء فعلى الأقلّ تدلّ على حسن الاقتداء ، به واستحبابه» (٧).

وقد أجاب العلاّمة الحلّيّ قدس‌سره عن هذا الوهم ، فأحسن ـ كما نقل عنه ـ ، إذ قال : «إنّ الأسوة : عبارة عن الإتيان بفعل الغير ؛ لأنّه فعله على الوجه الذي فعله ، فإن كان واجبا تعبّدنا بإيقاعه واجبا ، وإن كان مندوبا تعبّدنا بإيقاعه مندوبا ، وإن كان مباحا تعبّدنا

__________________

(١) أي فعل النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله عند العامّة ، وفعله وفعل فاطمة والأئمّة عليهم‌السلام عند الإماميّة.

(٢) هذا منسوب إلى جماعة من المعتزلة وابن سريج ، وأبي سعيد الاصطخري ، وابن خيران ، وابن أبي هريرة من العامّة. راجع إرشاد الفحول : ٣٦ ؛ الإحكام (للآمدي) ١ : ٢٤٨.

ونسبه الشيخ الطوسيّ إلى مالك وأصحابه ، وطائفة من الشافعيّة ، فراجع العدّة ٢ : ٥٧٥.

(٣) من القائلين به المحقّق القميّ ، وصاحب الفصول. راجع قوانين الأصول ١ : ٤٩٠ ، والفصول الغرويّة : ٣١٣. وهذا القول قد ينسب إلى الشافعي ، كما في إرشاد الفحول : ٣٧ ، ونهاية السئول ٣ : ١٦ ، والإحكام (للآمدي) : ١ : ٢٤٨.

(٤) وهذا منسوب إلى مالك من العامّة. راجع الإحكام (للآمدي) ١ : ٢٤٨ ؛ نهاية السئول ٣ : ١٦ ـ ١٧ ؛ مبادئ الوصول : ١٦٨.

(٥) الأحزاب (٣٣) الآية : ٢١.

(٦) هذا ما ظنّه القائلون بدلالة فعل المعصوم على وجوب الفعل بالنسبة إلينا.

(٧) هذا ما قال به صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٣١٣.

باعتقاد إباحته». (١)

وغرضه قدس‌سره من التعبّد باعتقاد إباحته فيما إذا كان مباحا ، ليس مجرّد الاعتقاد ، حتى يرد عليه ـ كما في الفصول (٢) ـ بأنّ ذلك أسوة في الاعتقاد لا الفعل ، بل يريد ـ كما هو الظاهر من صدر كلامه ـ أنّ معنى الأسوة في المباح هو أن نتخيّر في الفعل والترك ـ أي لا نلتزم بالفعل ولا بالترك ـ ، إذ الأسوة في كلّ شيء بحسب ما له من الحكم ، فلا تتحقّق الأسوة في المباح بالنسبة إلى الإتيان بفعل الغير إلاّ بالاعتقاد بالإباحة.

ثمّ نزيد على ما ذكره العلاّمة ، فنقول : إنّ الآية الكريمة لا دلالة لها على أكثر من رجحان الأسوة وحسنها ، فلا نسلّم دلالتها على وجوب التأسّي ؛ مضافا إلى أنّ الآية نزلت في واقعة الأحزاب ، فهي واردة مورد الحثّ على التأسّي به في الصبر على القتال ، وتحمّل مصائب الجهاد في سبيل الله ، فلا عموم لها بلزوم التأسّي ، أو حسنه في كلّ فعل ، حتى الأفعال العاديّة. وليس معنى هذا أنّنا نقول بأنّ المورد يقيّد المطلق أو يخصّص العامّ ، بل إنّما نقول : إنّه يكون عقبة في إتمام مقدّمات الحكمة للتمسّك بالإطلاق ، فهو يضرّ بالإطلاق من دون أن يكون له ظهور في التقييد ، كما نبّهنا على ذلك في أكثر من مناسبة.

والخلاصة أنّ دعوى دلالة هذه الآية الكريمة على وجوب فعل ما يفعله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مطلقا ، أو استحبابه مطلقا ، بالنسبة إلينا بعيدة كلّ البعد عن التحقيق.

وكذلك دعوى دلالة الآيات الآمرة بإطاعة الرسول (٣) أو باتّباعه (٤) على وجوب كلّ ما يفعله في حقّنا ، (٥) فإنّها أوهن من أن نذكرها لردّها. (٦)

٢ ـ في حجّيّة فعل المعصوم بالنسبة إلينا ؛ فإنّه قد وقع كلام للأصوليّين في أنّ فعله إذا

__________________

(١) مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ١٦٨.

(٢) الفصول الغرويّة : ٣١٣.

(٣) كقوله (تعالى) : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.﴾ النساء (٤) الآية : ٥٩.

(٤) كقوله (تعالى) : ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.﴾ الحشر (٥٩) الآية : ٧. وقوله (تعالى) : ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ آل عمران (٣) الآية : ٣١.

(٥) والمدّعي لذلك بعض العامّة الذي ذكرناه آنفا.

(٦) وإن شئت فراجع العدّة ٢ : ٥٧٥ ـ ٥٨١ ؛ قوانين الأصول ١ : ٤٩١ ، الفصول الغرويّة : ٣١٤.