درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۳: مباحث حجت ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

باعتقاد إباحته». (١)

وغرضه قدس‌سره من التعبّد باعتقاد إباحته فيما إذا كان مباحا ، ليس مجرّد الاعتقاد ، حتى يرد عليه ـ كما في الفصول (٢) ـ بأنّ ذلك أسوة في الاعتقاد لا الفعل ، بل يريد ـ كما هو الظاهر من صدر كلامه ـ أنّ معنى الأسوة في المباح هو أن نتخيّر في الفعل والترك ـ أي لا نلتزم بالفعل ولا بالترك ـ ، إذ الأسوة في كلّ شيء بحسب ما له من الحكم ، فلا تتحقّق الأسوة في المباح بالنسبة إلى الإتيان بفعل الغير إلاّ بالاعتقاد بالإباحة.

ثمّ نزيد على ما ذكره العلاّمة ، فنقول : إنّ الآية الكريمة لا دلالة لها على أكثر من رجحان الأسوة وحسنها ، فلا نسلّم دلالتها على وجوب التأسّي ؛ مضافا إلى أنّ الآية نزلت في واقعة الأحزاب ، فهي واردة مورد الحثّ على التأسّي به في الصبر على القتال ، وتحمّل مصائب الجهاد في سبيل الله ، فلا عموم لها بلزوم التأسّي ، أو حسنه في كلّ فعل ، حتى الأفعال العاديّة. وليس معنى هذا أنّنا نقول بأنّ المورد يقيّد المطلق أو يخصّص العامّ ، بل إنّما نقول : إنّه يكون عقبة في إتمام مقدّمات الحكمة للتمسّك بالإطلاق ، فهو يضرّ بالإطلاق من دون أن يكون له ظهور في التقييد ، كما نبّهنا على ذلك في أكثر من مناسبة.

والخلاصة أنّ دعوى دلالة هذه الآية الكريمة على وجوب فعل ما يفعله النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله مطلقا ، أو استحبابه مطلقا ، بالنسبة إلينا بعيدة كلّ البعد عن التحقيق.

وكذلك دعوى دلالة الآيات الآمرة بإطاعة الرسول (٣) أو باتّباعه (٤) على وجوب كلّ ما يفعله في حقّنا ، (٥) فإنّها أوهن من أن نذكرها لردّها. (٦)

٢ ـ في حجّيّة فعل المعصوم بالنسبة إلينا ؛ فإنّه قد وقع كلام للأصوليّين في أنّ فعله إذا

__________________

(١) مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ١٦٨.

(٢) الفصول الغرويّة : ٣١٣.

(٣) كقوله (تعالى) : ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.﴾ النساء (٤) الآية : ٥٩.

(٤) كقوله (تعالى) : ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ.﴾ الحشر (٥٩) الآية : ٧. وقوله (تعالى) : ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ آل عمران (٣) الآية : ٣١.

(٥) والمدّعي لذلك بعض العامّة الذي ذكرناه آنفا.

(٦) وإن شئت فراجع العدّة ٢ : ٥٧٥ ـ ٥٨١ ؛ قوانين الأصول ١ : ٤٩١ ، الفصول الغرويّة : ٣١٤.

ظهر وجهه أنّه على نحو الإباحة ، أو الوجوب ، أو الاستحباب ـ مثلا ـ هل هو حجّة بالنسبة إلينا؟ أي إنّه هل يدلّ على اشتراكنا معه وتعدّيه إلينا ، فيكون مباحا لنا ، كما كان مباحا له ، أو واجبا علينا ، كما كان واجبا عليه ... وهكذا؟

ومنشأ الخلاف أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله اختصّ بأحكام لا تتعدّى إلى غيره ، ولا يشترك [فيها] معه باقي المسلمين ، مثل : وجوب التهجّد في الليل ، وجواز العقد على أكثر من أربع زوجات.

وكذلك له من الأحكام ما يختصّ بمنصب الولاية العامّة ، فلا تكون لغير النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو الإمام باعتبار أنّه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. (١)

فإن علم أنّ الفعل الذي وقع من المعصوم من مختصّاته فلا شكّ في أنّه لا مجال لتوهّم تعدّيه إلى غيره ، وإن علم عدم اختصاصه به بأيّ نحو من أنحاء الاختصاص (٢) ، فلا شكّ في أنّه يعمّ جميع المسلمين ، فيكون فعله حجّة علينا.

هذا كلّه ليس موضع الكلام ، وإنّما موضع الشبهة في الفعل الذي لم يظهر حاله في كونه من مختصّاته ، أو ليس من مختصّاته ، ولا قرينة تعيّن أحدهما ، فهل هذا بمجرّده كاف للحكم بأنّه من مختصّاته ، أو للحكم بعمومه للجميع ، أو أنّه غير كاف ، فلا ظهور له أصلا في كلّ من النحوين؟ وجوه ، بل أقوال. (٣)

والأقرب هو الوجه الثاني. (٤)

والوجه في ذلك أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بشر مثلنا ، له ما لنا ، وعليه ما علينا ، وهو مكلّف من الله (تعالى) بما كلّف به الناس ، إلاّ ما قام الدليل الخاصّ على اختصاصه ببعض الأحكام ، إمّا من جهة شخصه بذاته ، وإمّا من جهة منصب الولاية ، فما لم يخرجه الدليل فهو كسائر الناس في التكليف ؛ هذا مقتضى عموم أدلّة اشتراكه معنا في التكليف (٥) ؛ فإذا صدر منه فعل

__________________

(١) كما قال الله (تعالى) : ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الأحزاب (٣٣) الآية : ٦.

(٢) أي : سواء كان من جهة شخص المعصوم أو من جهة منصب ولايته العامّة.

(٣) ذكرها الآمدي في : الإحكام ١ : ٢٦٥ ـ ٢٦٦.

(٤) وهذا ما ذهب إليه الأكثر. منهم : المحقّق القمّي من الإماميّة في قوانين الأصول ١ : ٤٩٢ ، والآمديّ من العامّة في الإحكام ١ : ٢٦٦.

(٥) وهي عمومات التكاليف في القرآن.

ولم يعلم اختصاصه به فالظاهر في فعله أنّ حكمه فيه حكم سائر الناس ؛ فيكون فعله حجّة علينا ، وحجّة لنا ، لا سيّما مع ما دلّ على عموم حسن التأسّي به. (١)

ولا نقول ذلك من جهة قاعدة الحمل على الأعمّ الأغلب ، فإنّا لا نرى حجّيّة مثل هذه القاعدة في كلّ مجالاتها. وإنّما ذلك من باب التمسّك بالعامّ في الدوران في التخصيص بين الأقلّ والأكثر.

٢. دلالة تقرير المعصوم

المقصود من تقرير المعصوم أن يفعل شخص بمشهد المعصوم وحضوره فعلا ، فيسكت المعصوم عنه ، مع توجّهه إليه ، وعلمه بفعله ، وكان المعصوم بحالة يسعه تنبيه الفاعل لو كان مخطئا. والسعة تكون من جهة عدم ضيق الوقت عن البيان ، ومن جهة عدم المانع منه ، كالخوف ، والتقيّة ، واليأس من تأثير الإرشاد ، والتنبيه ، ونحو ذلك ؛ فإنّ سكوت المعصوم عن ردع الفاعل ، أو عن بيان شيء حول الموضوع لتصحيحه يسمّى تقريرا للفعل ، أو إقرارا عليه ، أو إمضاء له ، ما شئت فعبّر.

وهذا التقرير ـ إذا تحقّق بشروطه المتقدّمة ـ فلا شكّ في أنّه يكون ظاهرا في كون الفعل جائزا فيما إذا كان محتمل الحرمة ، كما أنّه يكون ظاهرا في كون الفعل مشروعا صحيحا فيما إذا كان عبادة أو معاملة ؛ لأنّه لو كان في الواقع محرّما أو كان فيه خلل لكان على المعصوم نهيه عنه وردعه إذا كان الفاعل عالما عارفا بما يفعل ، وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكان عليه بيان الحكم ووجه الفعل ؛ إذا كان الفاعل جاهلا بالحكم ، وذلك من باب وجوب تعليم الجاهل.

ويلحق بتقرير الفعل تقرير بيان الحكم ، كما لو بيّن شخص بمحضر المعصوم حكما ، أو كيفيّة عبادة ، أو معاملة ، وكان بوسع المعصوم البيان فإنّ سكوت الإمام يكون ظاهرا في كونه إقرارا على قوله ، وتصحيحا وإمضاء له.

وهذا كلّه واضح ، ليس فيه موضع للخلاف.

__________________

(١) كقوله (تعالى) : ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الأحزاب (٣٣) الآية : ٢١.