درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۴: مباحث حجت ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٣. الخبر المتواتر

إنّ الخبر على قسمين رئيسين : خبر متواتر ، وخبر واحد.

و «المتواتر» : ما أفاد سكون النفس سكونا يزول معه الشكّ ، ويحصل الجزم القاطع من أجل إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب. ويقابله «خبر الواحد» في اصطلاح الأصوليّين ، وإن كان المخبر أكثر من واحد ، ولكن لم يبلغ المخبرون حدّ التواتر ، وقد شرحنا حقيقة التواتر في كتاب المنطق ، فراجع (١).

والذي ينبغي ذكره هنا أنّ الخبر قد يكون له وسائط كثيرة في النقل ، كالأخبار التي تصلنا عن الحوادث القديمة ؛ فإنّه يجب ـ ليكون الخبر متواترا موجبا للعلم ـ أن تتحقّق شروط التواتر في كلّ طبقة طبقة من وسائط الخبر ، وإلاّ فلا يكون الخبر متواترا في الوسائط المتأخّرة ؛ لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.

والسرّ في ذلك واضح ؛ لأنّ الخبر ذا الوسائط يتضمّن في الحقيقة عدّة أخبار متتابعة ؛ إذ إنّ كلّ طبقه تخبر عن خبر الطبقة السابقة عليها ، فحينما يقول جماعة : «حدّثنا جماعة عن كذا» ، بواسطة واحدة ـ مثلا ـ ، فإنّ خبر الطبقة الأولى الناقلة لنا يكون في الحقيقة خبرها ليس عن نفس الحادثة ، بل عن خبر الطبقة الثانية عن الحادثة. وكذلك إذا تعدّدت الوسائط إلى أكثر من واحدة ، فهذه الوسائط هي خبر عن خبر ، حتى تنتهي إلى الواسطة الأخيرة التي تنقل عن نفس الحادثة ، فلا بدّ أن تكون الجماعة الأولى خبرها متواترا عن خبر متواتر عن متواتر وهكذا ؛ إذ كلّ خبر من هذه الأخبار له حكمه في نفسه. ومتى اختلّ شرط التواتر في طبقة واحدة خرج الخبر جملة عن كونه متواترا ، وصار من أخبار الآحاد.

وهكذا الحال في أخبار الآحاد ؛ فإنّ الخبر الصحيح ذا الوسائط إنّما يكون صحيحا إذا توفّرت (٢) شروط الصحّة في كلّ واسطة من وسائطه ، وإلاّ فالنتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.

__________________

(١) المنطق ٣ : ٢٨٤.

(٢) أي : اجتمعت.

٤. خبر الواحد

إنّ خبر الواحد ـ وهو ما لا يبلغ حدّ التواتر من الأخبار ـ قد يفيد علما وإن كان المخبر شخصا واحدا ؛ وذلك فيما إذا احتفّ خبره بقرائن توجب العلم بصدقه ، ولا شكّ في أنّ مثل هذا الخبر حجّة. وهذا لا بحث لنا فيه ؛ لأنّه مع حصول العلم تحصل الغاية القصوى ؛ إذ ليس وراء العلم غاية في الحجّيّة ، وإليه تنتهي حجّيّة كلّ حجّة ، كما تقدّم (١).

وأمّا : إذا لم يحتفّ بالقرائن الموجبة للعلم بصدقه ـ وإن احتفّ بالقرائن الموجبة للاطمئنان إليه دون مرتبة العلم ـ فقد وقع الخلاف العظيم في حجّيّته وشروط حجّيّته ، والخلاف في الحقيقة ـ عند الإماميّة بالخصوص ـ يرجع إلى الخلاف في قيام الدليل القطعيّ على حجّيّة خبر الواحد ، وعدم قيامه ، وإلاّ فمن المتّفق عليه عندهم أنّ خبر الواحد ـ بما هو خبر مفيد للظنّ الشخصيّ أو النوعيّ ـ لا عبرة به ؛ لأنّ الظنّ في نفسه ليس حجّة عندهم قطعا ، فالشأن كلّ الشأن عندهم في حصول هذا الدليل القطعيّ ، ومدى دلالته.

فمن ينكر حجّيّة خبر الواحد ، كالسيّد الشريف المرتضى ، ومن اتّبعه إنّما ينكر وجود هذا الدليل القطعيّ ؛ ومن يقول بحجّيّته ، كالشيخ الطوسيّ ، وباقي العلماء يرى وجود الدليل القاطع. ولأجل أن يتّضح ما نقول ننقل نصّ أقوال الطرفين في ذلك :

قال الشيخ الطوسيّ في «العدّة» : «من عمل بخبر الواحد فإنّما يعمل به إذا دلّ [دليل] على وجوب العمل به ، إمّا من الكتاب ، أو السنّة ، أو الإجماع ، فلا يكون قد عمل بغير علم» (٢).

وصرّح بذلك السيّد المرتضى في «الموصليّات» (٣) حسبما نقله عنه الشيخ ابن إدريس في مقدّمة كتابه «السرائر» (٤) فقال : «لا بدّ في الأحكام الشرعيّة من طريق يوصل إلى العلم» إلى أن قال : «ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد ؛ لأنّها لا توجب علما ولا عملا ،

__________________

(١) تقدّم في الصفحات : ٣٧٦ ـ ٣٧٩.

(٢) العدّة ١ : ١٠٦.

(٣) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٤ ـ ٢٥.

(٤) السرائر ١ : ٤٦ ـ ٤٧.

وأوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم ؛ لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلا (١) ، فغاية ما يقتضيه الظنّ بصدقه ، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا».

وأصرح منه قوله بعد ذلك : «والعقل يمنع من العبادة بالقياس والعمل بخبر الواحد. ولو تعبّد الله (تعالى) بذلك ، لساغ ولدخل في باب الصحّة ؛ لأنّ عبادته بذلك لا توجب العلم الذي لا بدّ أن يكون العمل تابعا له».

وعلى هذا ، فيتّضح أنّ المسلّم فيه عند الجميع أنّ خبر الواحد ـ لو خلّي ونفسه ـ لا يجوز الاعتماد عليه ؛ لأنّه لا يفيد إلاّ الظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئا (٢). وإنّما موضع النزاع هو قيام الدليل القطعيّ على حجّيّته.

وعلى هذا ، فقد وقع الخلاف في ذلك على أقوال كثيرة : (٣)

فمنهم : من أنكر حجّيّته مطلقا ، وقد حكي هذا القول عن السيّد المرتضى (٤) ، والقاضي (٥) وابن زهرة (٦) ، والطبرسيّ (٧) وابن إدريس (٨) ، وادّعوا في ذلك الإجماع. ولكن هذا القول منقطع الآخر ، فإنّه لم يعرف موافق لهم بعد عصر ابن إدريس إلى يومنا هذا.

ومنهم : من قال : «إنّ الأخبار المدوّنة في الكتب المعروفة ـ لا سيّما الكتب الأربعة ـ مقطوعة الصدور». وهذا ما ينسب إلى جماعة من متأخّري الأخباريّين (٩). قال الشيخ الأنصاريّ

__________________

(١) أي إذا كان راويه الواحد عادلا.

(٢) خلافا لبعض علماء العامّة الذي حكي عنهم أنّه يفيد العلم. فراجع الإحكام (للآمدي) ١ : ١١٢ ؛ إرشاد الفحول : ٤٨.

(٣) ذكرها الشيخ الطوسيّ في العدّة ١ : ٩٧ ـ ١٠٠.

(٤) راجع رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٤ ـ ٢٥ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٥٢٨ ـ ٥٣١. وذهب إليه أيضا بعض العامّة ، كمحمّد بن إسحاق القاساني ، وابن داود ، كما في التبصرة في أصول الفقه : ٣٠٣.

(٥) هو أبو القاسم بن نحرير بن عبد العزيز بن برّاج ، حكاه عنه صاحب المعالم في معالم الدين : ٢٠٧.

(٦) غنية النزوع «ضمن الجوامع الفقهيّة» : ٤٧٥.

(٧) مجمع البيان ٩ : ١٩٩.

(٨) السرائر ١ : ٤٨.

(٩) منهم : العلاّمة البحرانيّ في الحدائق الناضرة ٩ : ٣٥٦ ـ ٣٥٨ ، والمحدّث الاسترآباديّ في الفوائد المدنيّة : ٥٢ ـ ٥٣.

تعقيبا على ذلك : «وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلاّ التحرّز عن حصول هذا الوهم لغيرهم ، كما حصل لهم ، وإلاّ فمدّعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه ...» (١).

وأمّا : القائلون بحجّيّة الخبر الواحد فقد اختلفوا أيضا ، فبعضهم يرى أنّ المعتبر من الأخبار هو كلّ ما في الكتب الأربعة ، بعد استثناء ما كان فيها مخالفا للمشهور (٢). وبعضهم يرى أنّ المعتبر بعضها ، والمناط في الاعتبار عمل الأصحاب ، كما يظهر ذلك من المنقول عن المحقّق في «المعارج» (٣). وقيل : المناط فيه عدالة الراوي (٤) أو مطلق وثاقتة (٥) ، أو مجرّد الظنّ بالصدور من غير اعتبار صفة في الراوي ... (٦) إلى غير ذلك من التفصيلات.

والمقصود لنا الآن بيان إثبات حجّيّته بالخصوص ـ في الجملة ـ في مقابل السلب الكلّيّ ، ثمّ ننظر في مدى دلالة الأدلّة على ذلك. فالعمدة أن ننظر أوّلا : في الأدلّة التي ذكروها من الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، وبناء العقلاء ، ثمّ في مدى دلالتها :

أ. أدلّة حجّيّة خبر الواحد من الكتاب العزيز

تمهيد

لا يخفى أنّ من يستدلّ على حجّيّة خبر الواحد بالآيات الكريمة لا يدّعي أنّها نصّ قطعيّ الدلالة على المطلوب ، وإنّما أقصى ما يدّعيه أنّها ظاهرة فيه. (٧)

وإذا كان الأمر كذلك فقد يشكل (٨) الخصم بأنّ الدليل على حجّيّة الحجّة يجب أن يكون

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ١٠٩.

(٢) وهذا ما ذهب إليه المحقّق المولى أحمد النراقيّ في مناهج الأحكام والأصول : ١٦١ و ١٦٧.

(٣) معارج الأصول : ١٤٩. واختاره الفاضل التونيّ في الوافية في أصول الفقه : ١٦٦.

(٤) هذا ما اختاره العلاّمة الحلّي ، وصاحب المعالم. راجع مبادئ الوصول : ٢٠٦ ، ومعالم الدين : ٢٢١.

(٥) وهذا منسوب إلى شيخ الطائفة. راجع معارج الأصول : ١٤٩ ، وقوانين الأصول ١ : ٤٥٩.

(٦) كما يظهر من المحقّق القمي في قوانين الأصول ١ : ٤٥٦. وصرّح بذلك أيضا صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٩٤.

(٧) أي في المطلوب.

(٨) هذا الاستعمال صحيح بالتضمّن والتضمين.