درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۵: مباحث حجت ۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تعقيبا على ذلك : «وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه إلاّ التحرّز عن حصول هذا الوهم لغيرهم ، كما حصل لهم ، وإلاّ فمدّعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه ...» (١).

وأمّا : القائلون بحجّيّة الخبر الواحد فقد اختلفوا أيضا ، فبعضهم يرى أنّ المعتبر من الأخبار هو كلّ ما في الكتب الأربعة ، بعد استثناء ما كان فيها مخالفا للمشهور (٢). وبعضهم يرى أنّ المعتبر بعضها ، والمناط في الاعتبار عمل الأصحاب ، كما يظهر ذلك من المنقول عن المحقّق في «المعارج» (٣). وقيل : المناط فيه عدالة الراوي (٤) أو مطلق وثاقتة (٥) ، أو مجرّد الظنّ بالصدور من غير اعتبار صفة في الراوي ... (٦) إلى غير ذلك من التفصيلات.

والمقصود لنا الآن بيان إثبات حجّيّته بالخصوص ـ في الجملة ـ في مقابل السلب الكلّيّ ، ثمّ ننظر في مدى دلالة الأدلّة على ذلك. فالعمدة أن ننظر أوّلا : في الأدلّة التي ذكروها من الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، وبناء العقلاء ، ثمّ في مدى دلالتها :

أ. أدلّة حجّيّة خبر الواحد من الكتاب العزيز

تمهيد

لا يخفى أنّ من يستدلّ على حجّيّة خبر الواحد بالآيات الكريمة لا يدّعي أنّها نصّ قطعيّ الدلالة على المطلوب ، وإنّما أقصى ما يدّعيه أنّها ظاهرة فيه. (٧)

وإذا كان الأمر كذلك فقد يشكل (٨) الخصم بأنّ الدليل على حجّيّة الحجّة يجب أن يكون

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ١٠٩.

(٢) وهذا ما ذهب إليه المحقّق المولى أحمد النراقيّ في مناهج الأحكام والأصول : ١٦١ و ١٦٧.

(٣) معارج الأصول : ١٤٩. واختاره الفاضل التونيّ في الوافية في أصول الفقه : ١٦٦.

(٤) هذا ما اختاره العلاّمة الحلّي ، وصاحب المعالم. راجع مبادئ الوصول : ٢٠٦ ، ومعالم الدين : ٢٢١.

(٥) وهذا منسوب إلى شيخ الطائفة. راجع معارج الأصول : ١٤٩ ، وقوانين الأصول ١ : ٤٥٩.

(٦) كما يظهر من المحقّق القمي في قوانين الأصول ١ : ٤٥٦. وصرّح بذلك أيضا صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٩٤.

(٧) أي في المطلوب.

(٨) هذا الاستعمال صحيح بالتضمّن والتضمين.

قطعيّا ـ كما تقدّم (١) ـ فلا يصحّ الاستدلال بالآيات التي هي ظنّيّة الدلالة ؛ لأنّ ذلك استدلال بالظنّ على حجّيّة الظنّ ، ولا ينفع كونها قطعيّة الصدور.

ولكنّ الجواب عن هذا الوهم واضح ؛ لأنّه قد ثبتت بالدليل القطعيّ حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز ـ كما سيأتي (٢) ـ ، فالاستدلال بها ينتهي بالأخير إلى العلم ، فلا يكون استدلالا بالظنّ على حجّيّة الظنّ ، ونحن على هذا المبنى نذكر الآيات التي ذكروها على حجّيّة خبر الواحد ، فنكتفي بإثبات ظهورها في المطلوب :

الآية الأولى : آية النبأ

وهي قوله (تعالى) في سورة الحجرات : ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (٣).

وقد استدلّ بهذه الآية الكريمة من جهة مفهوم الوصف ، ومن جهة مفهوم الشرط ، والذي يبدو أنّ الاستدلال بها من جهة مفهوم الشرط كاف في المطلوب (٤).

وتقريب الاستدلال يتوقّف على شرح ألفاظ الآية أوّلا ، فنقول :

١. «التبيّن» ، إنّ لهذه المادّة معنيين :

الأوّل : بمعنى الظهور ، فيكون فعلها لازما ، فنقول : «تبيّن الشيء» إذا ظهر وبان. ومنه قوله (تعالى) : ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (٥) ، ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ﴾ (٦).

__________________

(١) تقدّم فى الصفحتين : ٣٧٦ و ٣٧٩.

(٢) يأتي في الصفحة : ٥٠٢ ـ ٥٠٦.

(٣) الحجرات (٤٩) الآية : ٦.

(٤) وأمّا تقريب الاستدلال بها من جهة مفهوم الوصف فأنّ الآية الشريفة نزلت في شأن «الوليد» ؛ لمّا أخبر بارتداد «بني المصطلق». وكان هذا الخبر خبرا واحدا ، والمخبر به فاسقا. قال : ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ،﴾ فعلّق وجوب التبيّن على وصف الفاسق ، ومقتضى تعليق الحكم على وصف الفاسق انتفاؤه عند انتفائه ، هذا إذا قلنا بثبوت المفهوم للوصف ، وأمّا إذا قلنا بأنّه لا مفهوم له ـ كما ذهب إليه المصنّف وبعض آخر ـ فلا مجال له.

(٥) البقرة (٢) الآية : ١٨٧.

(٦) فصّلت (٤١) الآية : ٥٣.

والثاني : بمعنى الظهور عليه ـ يعني العلم به واستكشافه ، أو التصدّي للعلم به وطلبه ـ فيكون فعلها متعدّيا ، فتقول : «تبيّنت الشيء» إذا علمته ، أو إذا تصدّيت للعلم به وطلبته.

وعلى المعنى الثاني ـ وهو التصدّي للعلم به ـ يتضمّن معنى التثبّت فيه (١) والتأنّي فيه لكشفه وإظهاره والعلم به. ومنه قوله (تعالى) في سورة النساء : ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) ؛ ومن أجل هذا قرئ بدل ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ : «فتثبّتوا». ومنه كذلك هذه الآية التي نحن بصددها ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ ، وكذلك قرئ فيها «فتثبّتوا» (٣) ، فإنّ هذه القراءة ممّا تدلّ على أنّ المعنيين ـ وهما التبيّن والتثبّت ـ متقاربان.

٢. ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ ، يظهر من كثير من التفاسير أنّ هذا المقطع من الآية كلام مستأنف ، جاء لتعليل وجوب التبيّن (٤). وتبعهم على ذلك بعض الأصوليّين الذين بحثوا [عن] هذه الآية هنا (٥).

ولأجل ذلك قدّروا لكلمة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مفعولا ، فقالوا ـ مثلا ـ : «معناه : فتبيّنوا صدقه من كذبه» ، (٦) كما قدّروا لتحقيق نظم الآية وربطها ـ لتصلح هذه الفقرة أن تكون تعليلا ـ كلمة تدلّ على التعليل ، بأن قالوا : «معناها : خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، أو حذرا أن تصيبوا ، أو لئلاّ تصيبوا قوما ...» ونحو ذلك (٧).

وهذه التقديرات كلّها تكلّف وتمحّل ، لا تساعد عليها قرينة ولا قاعدة عربيّة. ومن العجيب أن يؤخذ ذلك بنظر الاعتبار ويرسل إرسال المسلّمات.

والذي أرجّحه أنّ مقتضى سياق الكلام والاتّساق مع أصول القواعد العربيّة أن يكون

__________________

(١) أي التوقّف فيه.

(٢) النساء (٤) الآية : ٩٤.

(٣) وقد حكي قراءة «فتثبّتوا» عن ابن مسعود ، وحمزة ، والكسائي ، كما في : الكشاف ٤ : ٣٦٠ ، وكنز الدقائق ٩ : ٥٨٩ ، وتفسير البيضاوي ٢ : ٤١٦.

(٤) مجمع البيان ٩ : ١٩٩ ؛ الميزان ١٨ : ٣١١.

(٥) كالشيخ في فرائد الأصول ١ : ١١٧.

(٦) مجمع البيان ٩ : ١٩٩ ؛ التبيان ٩ : ٣٤٣.

(٧) مجمع البيان ٩ : ١٩٩ ؛ الميزان ٨ : ٣١١.

قوله (تعالى) : ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً ...﴾ مفعولا لـ «تبيّنوا» ، فيكون معناه : «فتثبّتوا ، واحذروا إصابة قوم بجهالة».

والظاهر أنّ قوله (تعالى) : ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ يكون كناية عن لازم معناه ، وهو عدم حجّيّة خبر الفاسق ؛ لأنّه لو كان حجّة لما دعا إلى الحذر من إصابة قوم بجهالة عند العمل به ، ثمّ من الندم على العمل به.

٣. «الجهالة» اسم مأخوذ من الجهل ، أو مصدر ثان له ، قال عنها أهل اللغة : «الجهالة : أن تفعل فعلا بغير العلم» (١) ، ثمّ هم فسّروا الجهل بأنّه المقابل للعلم ، عبّروا عنه تارة بتقابل التضاد (٢) ، وأخرى بتقابل النقيض (٣) ، وإن كان الأصحّ في التعبير العلميّ أنّه من تقابل العدم والملكة. (٤)

والذي يبدو لي من تتبّع استعمال كلمة «الجهل» ومشتقّاتها في أصول اللغة العربيّة أنّ إعطاء لفظ «الجهل» معنى يقابل العلم ـ بهذا التحديد الضيّق لمعناه ـ جاء مصطلحا جديدا عند المسلمين في عهدهم ؛ لنقل الفلسفة اليونانيّة إلى العربيّة الذي استدعى تحديد معاني كثير من الألفاظ ، وكسبها إطارا (٥) يناسب الأفكار الفلسفيّة ، وإلاّ فالجهل في أصل اللغة كان يعطي معنى يقابل الحكمة ، والتعقّل ، والرويّة (٦) ، فهو يؤدّي تقريبا معنى السفه ، أو الفعل السفهيّ عند ما يكون عن غضب ـ مثلا ـ وحماقة ، وعدم بصيرة ، وعلم. (٧)

وعلى كلّ حال ، هو بمعناه الواسع اللغويّ يلتقي مع معنى الجهل المقابل للعلم الذي صار مصطلحا علميّا بعد ذلك. ولكنّه ليس هو إيّاه. وعليه ، فيكون معنى «الجهالة» أن تفعل فعلا بغير حكمة ، وتعقّل ، ورويّة الذي لازمه عادة إصابة عدم الواقع والحقّ.

__________________

(١) لسان العرب ١١ : ١٢٩.

(٢) كما في تاج العروس ٧ : ٢٦٨ ، والمنجد في اللغة : ١٠٨ ، وقاموس اللغة : ٤٥٣.

(٣) كما في لسان العرب ١١ : ١٢٩ ، ومعجم مقاييس اللغة ١ : ٤٨٩.

(٤) فالجهل هو عدم العلم عمّا من شأنه أن يعلم.

(٥) وهو بالفارسيّة : «چارچوب». والإطار : ما يحيط بالشيء.

(٦) أي النظر والتفكّر.

(٧) أي وعن عدم علم.