درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۶: مباحث حجت ۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

إذا عرفت هذه الشروح لمفردات الآية الكريمة يتّضح لك معناها ، وما تؤدّي إليه من دلالة على المقصود في المقام أنّها تعطي أنّ النبأ من شأنه أن يصدّق به عند الناس ، ويؤخذ به من جهة أنّ ذلك من سيرتهم ، وإلاّ فلما ذا نهى عن الأخذ بخبر الفاسق من جهة أنّه فاسق؟

فأراد (تعالى) أن يلفت أنظار المؤمنين إلى أنّه لا ينبغي أن يعتمدوا على كلّ خبر من أيّ مصدر كان ، بل إذا جاء به فاسق ينبغي ألاّ يؤخذ به بلا تروّ ، وإنّما يجب فيه (١) أن يتثبّتوا [من] أن يصيبوا قوما بجهالة ، أي بفعل ما فيه سفه وعدم حكمة قد يضرّ بالقوم. والسرّ في ذلك أنّ المتوقّع من الفاسق ألاّ يصدق في خبره ، فلا ينبغي أن يصدّق ويعمل بخبره.

فتدلّ الآية ـ بحسب المفهوم ـ على أنّ خبر العادل يتوقّع منه الصدق ، فلا يجب فيه الحذر والتثبّت من إصابة قوم بجهالة. ولازم ذلك أنّه حجّة.

والذي نقوله ونستفيده وله دخل في استفادة المطلوب من الآية أنّ النبأ في مفروض الآية ممّا يعتمد عليه عند الناس ، وتعارفوا الأخذ به بلا تثبّت ، وإلاّ لما كانت حاجة للأمر فيه بالتبيّن في خبر الفاسق ، إذا كان النبأ من جهة ما هو نبأ لا يعمل به الناس.

ولمّا علّقت الآية وجوب التبيّن والتثبّت على مجيء الفاسق يظهر منه بمقتضى مفهوم الشرط أنّ خبر العادل ليس له هذا الشأن ، بل الناس لهم أن يبقوا فيه على سجيّتهم من الأخذ به وتصديقه من دون تثبّت وتبيّن لمعرفة صدقه من كذبه ، من جهة خوف إصابة قوم بجهالة. وطبعا لا يكون ذلك إلاّ من جهة اعتبار خبر العادل وحجّيّته ؛ لأنّ المترقّب منه الصدق ، فيكشف ذلك عن حجّيّة قول العادل عند الشارع ، وإلغاء احتمال الخلاف فيه.

والظاهر أنّه بهذا البيان للآية يرتفع كثير من الشكوك التي قيلت على الاستدلال بها على المطلوب ، فلا نطيل في ذكرها وردّها. (٢)

الآية الثانية : آية النفر

وهي قوله (تعالى) في سورة التوبة : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِ

__________________

(١) أي في الأخذ به.

(٢) وإن شئت فراجع فرائد الأصول ١ : ١١٧ ـ ١١٨ ؛ كفاية الأصول : ٣٤٠ ـ ٣٤١.

فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١).

إنّ الاستدلال بهذه الآية الكريمة على المطلوب يتمّ بمرحلتين من البيان :

١ ـ الكلام في صدر الآية : ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ؛﴾ تمهيدا للاستدلال ؛ فإنّ الظاهر من هذه الفقرة نفي وجوب النفر على المؤمنين كافّة (٢) ، والمراد من النفر ـ بقرينة باقي الآية ـ النفر إلى الرسول للتفقّه في الدين ، لا النفر إلى الجهاد ، وإن كانت الآيات التي قبلها واردة في الجهاد ؛ فإنّ ذلك وحده غير كاف ليكون قرينة مع ظهور باقي الآية في النفر إلى التعلّم والتفقّه ، فإنّ الكلام الواحد يفسّر بعضه بعضا.

وهذه الفقرة إمّا جملة خبريّة يراد بها إنشاء نفي الوجوب فتكون في الحقيقة جملة إنشائيّة ، وإمّا جملة خبريّة يراد بها الإخبار جدّا عن عدم وقوعه (٣) من الجميع ؛ إمّا لاستحالته عادة ، أو لتعذّره اللازم له عدم وجوب النفر عليهم جميعا ، فتكون دالّة بالدلالة الالتزاميّة على عدم جعل مثل هذا الوجوب من الشارع. وعلى كلا الحالين فهي تدلّ على عدم تشريع وجوب النفر على كلّ واحد واحد ، إمّا إنشاء ، أو إخبارا.

ولكن ليس من شأن الشارع بما هو شارع أن ينفي وجوب شيء ، إنشاء أو إخبارا ، إلاّ إذا كان في مقام رفع توهّم الوجوب لذلك الشيء أو اعتقاده. واعتقاد وجوب النفر أمر متوقّع لدى العقلاء ؛ لأنّ التعلّم واجب عقليّ على كلّ أحد ، وتحصيل اليقين فيه المنحصر عادة في مشافهة الرسول أيضا واجب عقليّ. فحقّ أن يعتقد المؤمنون بوجوب النفر إلى الرسول شرعا لتحصيل المعرفة بالأحكام.

ومن جهة أخرى ، فإنّه ممّا لا شبهة فيه أنّ نفر جميع المؤمنين في جميع أقطار الإسلام إلى الرسول لأخذ الأحكام منه بلا واسطة ـ كلّما عنت حاجة وعرضت لهم مسألة ـ أمر (٤) ليس

__________________

(١) التوبة (٩) الآية : ١٢٢.

(٢) يستفيد بعضهم من الآية ، النهي عن نفر الكافّة. وهي استفادة بعيدة جدّا ، وليست كلمة «ما» من أدوات النهي ، إذن ليس لهذه الآية أكثر من الدلالة على نفي الوجوب ـ منه قدس‌سره ـ.

(٣) أي عدم وقوع النفر.

(٤) قوله : «أمر» خبر «أنّ» أي : أنّ نفر جميع المؤمنين في جميع الأقطار إلى الرسول أمر ليس عمليّا.

عمليّا من جهات كثيرة ، (١) ؛ فضلا عمّا فيه من مشقّة عظيمة لا توصف ، بل هو مستحيل عادة.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّ الله (تعالى) أراد بهذه الفقرة ـ والله العالم ـ أن يرفع عنهم هذه الكلفة والمشقّة برفع وجوب النفر ؛ رحمة بالمؤمنين. ولكن هذا التخفيف ليس معناه أن يستلزم رفع أصل وجوب التفقّه ، بل الضرورات تقدّر بقدرها. ولا شكّ أنّ التخفيف يحصل برفع الوجوب على كلّ واحد واحد ، فلا بدّ من علاج لهذا الأمر اللازم تحقّقه على كلّ حال ـ وهو التعلّم ـ بتشريع طريقة أخرى للتعلّم غير طريقة التعلّم اليقينيّ من نفس لسان الرسول. وقد بيّنت بقيّة الآية هذا العلاج وهذه الطريقة ، وهو قوله (تعالى) : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...﴾ والتفريع بالفاء شاهد على أنّ هذا علاج متفرّع على نفي وجوب النفر على الجميع.

ومن هذا البيان يظهر أنّ هذه الفقرة (صدر الآية) لها الدخل الكبير في فهم الباقي من الآية الذي هو موضع الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد. وقد أغفل هذه الناحية المستدلّون بهذه الآية على المطلوب ، فلم يوجّهوا الارتباط بين صدر الآية وبقيّتها للاستدلال بها ، على نحو ما يأتي.

٢ ـ الكلام عن نفس موقع الاستدلال من الآية على حجّيّة خبر الواحد المتفرّع هذا الموقع على صدرها ؛ لمكان فاء التفريع ، فإنّه (تعالى) ـ بعد أن بيّن عدم وجوب النفر على كلّ واحد ، تخفيفا عليهم ـ حرّضهم (٢) على اتّباع طريقة أخرى بدلالة «لو لا» التي هي للتحضيض ، والطريقة هي أن ينفر قسم من كلّ قوم ليرجعوا إلى قومهم فيبلّغوهم الأحكام بعد أن يتفقّهوا في الدين ، ويتعلّموا الأحكام ، وهو في الواقع خير علاج لتحصيل التعليم ، بل الأمر منحصر فيه.

فالآية الكريمة بمجموعها تقرّر أمرا عقليّا ، وهو وجوب المعرفة والتعلّم ، وإذ تعذّرت المعرفة اليقينيّة بنفر كلّ واحد إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليتفقّه في الدين فلم يجب ، رخّص الله (تعالى) لهم لتحصيل تلك الغاية ـ أعني التعلّم ـ بأن تنفر طائفة من كلّ فرقة. والطائفة المتفقّهة هي التي تتولّى حينئذ تعليم الباقين من قومهم ، بل إنّه لم يكن قد رخّصهم فقط بذلك ، وإنّما

__________________

(١) كبعد المسافة وكثرة الأحكام وغيرهما.

(٢) أي : بعثهم ، بالفارسيّة : «آنها را تحريك كرد وبرانگيخت».