درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۷: مباحث حجت ۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

عمليّا من جهات كثيرة ، (١) ؛ فضلا عمّا فيه من مشقّة عظيمة لا توصف ، بل هو مستحيل عادة.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّ الله (تعالى) أراد بهذه الفقرة ـ والله العالم ـ أن يرفع عنهم هذه الكلفة والمشقّة برفع وجوب النفر ؛ رحمة بالمؤمنين. ولكن هذا التخفيف ليس معناه أن يستلزم رفع أصل وجوب التفقّه ، بل الضرورات تقدّر بقدرها. ولا شكّ أنّ التخفيف يحصل برفع الوجوب على كلّ واحد واحد ، فلا بدّ من علاج لهذا الأمر اللازم تحقّقه على كلّ حال ـ وهو التعلّم ـ بتشريع طريقة أخرى للتعلّم غير طريقة التعلّم اليقينيّ من نفس لسان الرسول. وقد بيّنت بقيّة الآية هذا العلاج وهذه الطريقة ، وهو قوله (تعالى) : ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ...﴾ والتفريع بالفاء شاهد على أنّ هذا علاج متفرّع على نفي وجوب النفر على الجميع.

ومن هذا البيان يظهر أنّ هذه الفقرة (صدر الآية) لها الدخل الكبير في فهم الباقي من الآية الذي هو موضع الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد. وقد أغفل هذه الناحية المستدلّون بهذه الآية على المطلوب ، فلم يوجّهوا الارتباط بين صدر الآية وبقيّتها للاستدلال بها ، على نحو ما يأتي.

٢ ـ الكلام عن نفس موقع الاستدلال من الآية على حجّيّة خبر الواحد المتفرّع هذا الموقع على صدرها ؛ لمكان فاء التفريع ، فإنّه (تعالى) ـ بعد أن بيّن عدم وجوب النفر على كلّ واحد ، تخفيفا عليهم ـ حرّضهم (٢) على اتّباع طريقة أخرى بدلالة «لو لا» التي هي للتحضيض ، والطريقة هي أن ينفر قسم من كلّ قوم ليرجعوا إلى قومهم فيبلّغوهم الأحكام بعد أن يتفقّهوا في الدين ، ويتعلّموا الأحكام ، وهو في الواقع خير علاج لتحصيل التعليم ، بل الأمر منحصر فيه.

فالآية الكريمة بمجموعها تقرّر أمرا عقليّا ، وهو وجوب المعرفة والتعلّم ، وإذ تعذّرت المعرفة اليقينيّة بنفر كلّ واحد إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ليتفقّه في الدين فلم يجب ، رخّص الله (تعالى) لهم لتحصيل تلك الغاية ـ أعني التعلّم ـ بأن تنفر طائفة من كلّ فرقة. والطائفة المتفقّهة هي التي تتولّى حينئذ تعليم الباقين من قومهم ، بل إنّه لم يكن قد رخّصهم فقط بذلك ، وإنّما

__________________

(١) كبعد المسافة وكثرة الأحكام وغيرهما.

(٢) أي : بعثهم ، بالفارسيّة : «آنها را تحريك كرد وبرانگيخت».

أوجب عليهم أن تنفر طائفة من كلّ قوم ، ويستفاد الوجوب من «لو لا» التحضيضيّة ، ومن الغاية من النفر ـ وهي التفقّه لإنذار القوم الباقين لأجل أن يحذروا من العقاب ـ ؛ مضافا إلى أنّ أصل التعلّم واجب عقليّ ، كما قرّرنا.

كلّ ذلك شواهد ظاهرة على وجوب تفقّه جماعة من كلّ قوم ؛ لأجل تعليم قومهم الحلال والحرام. ويكون ذلك ـ طبعا ـ وجوبا كفائيّا.

وإذا استفدنا وجوب تفقّه كلّ طائفة من كلّ قوم ، أو تشريع ذلك بالترخيص فيه على الأقلّ لغرض إنذار قومهم إذا رجعوا إليهم ، فلا بدّ أن نستفيد من ذلك أنّ نقلهم للأحكام قد جعله الله (تعالى) حجّة على الآخرين ، وإلاّ لكان تشريع هذا النفر على نحو الوجوب ، أو الترخيص لغوا بلا فائدة بعد أن نفى وجوب النفر على الجميع. بل لو لم يكن نقل الأحكام حجّة ، لما بقيت طريقة لتعلّم الأحكام تكون معذّرة للمكلّف ، وحجّة له ، أو عليه.

والحاصل أنّ رفع وجوب النفر على الجميع والاكتفاء بنفر قسم منهم ليتفقّهوا في الدين ويعلّموا الآخرين هو بمجموعه دليل واضح على حجّيّة نقل الأحكام في الجملة ، وإن لم يستلزم العلم اليقينيّ ؛ لأنّ الآية ـ من ناحية اشتراط الإنذار بما يوجب العلم ـ مطلقة ، فكذلك تكون مطلقة من ناحية قبول الإنذار والتعليم ، وإلاّ كان هذا التدبير الذي شرّعه الله (تعالى) لغوا ، وبلا فائدة ، وغير محصّل للغرض الذي من أجله كان النفر وتشريعه.

هكذا ينبغي أن تفهم الآية الكريمة في الاستدلال على المطلوب ، وبهذا البيان يندفع كثير ممّا أورد على الاستدلال بها للمطلوب.

وينبغي ألاّ يخفى عليكم أنّه لا يتوقّف الاستدلال بها على أن يكون نفر الطائفة من كلّ قوم واجبا ، بل يكفي ثبوت أنّ هذه الطريقة مشرّعة من قبل الله (تعالى) ، وإن كان بنحو الترخيص بها ؛ لأنّ نفس تشريعها يستلزم تشريع حجّيّة نقل الأحكام من المتفقّه. فلذلك لا تبقى حاجة إلى التطويل في استفادة الوجوب.

كما أنّ الاستدلال بها لا يتوقّف على كون الحذر عند إنذار النافرين المتفقّهين واجبا ، واستفادة ذلك من «لعلّ» أو من أصل حسن الحذر ، بل الأمر بالعكس ؛ فإنّ نفس جعل حجّيّة قول النافرين المتفقّهين المستفاد من الآية يكون دليلا على وجوب الحذر.

نعم ، يبقى شيء ، وهو أنّ الواجب أن تنفر من كلّ فرقة طائفة ، والطائفة ثلاثة فأكثر ، أو أكثر من ثلاثة. وحينئذ لا تشمل الآية خبر الشخص الواحد أو الاثنين.

ولكن يمكن دفع ذلك بأنّه لا دلالة في الآية على أنّه يجب في الطائفة أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم مجتمعين بشرط الاجتماع ، فالآية من هذه الناحية مطلقة ، وبمقتضى إطلاقها يكون خبر الواحد ـ لو انفرد بالإخبار ـ حجّة أيضا. يعني أنّ العموم فيها أفراديّ لا مجموعيّ (١).

تنبيه (٢)

إنّ هذه الآية الكريمة تدلّ أيضا على وجوب قبول فتوى المجتهد بالنسبة إلى العاميّ ، كما دلّت على وجوب قبول خبر الواحد ، وذلك ظاهر ؛ لأنّ كلمة «التفقّه» عامّة للطرفين ، وقد أفاد ذلك شيخنا النائينيّ قدس‌سره ، كما في تقريرات بعض الأساطين من تلامذته ، فإنّه قال : «إنّ التفقّه في الأعصار المتأخّرة وإن كان هو استنباط الحكم الشرعيّ بتنقيح جهات ثلاث : الصدور ، وجهة الصدور ، والدلالة ، ومن المعلوم أنّ تنقيح الجهتين الأخيرتين ممّا يحتاج إلى إعمال النظر والدقّة ، إلاّ أنّ التفقّه في الصدر الأوّل لم يكن محتاجا إلاّ إلى إثبات الصدور ليس إلاّ ، لكن اختلاف محقّق التفقّه باختلاف الأزمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه ، فكما أنّ العارف بالأحكام الشرعيّة بإعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه ، كذلك العارف بها من دون إعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة» (٣).

وبمقتضى عموم التفقّه ، فإنّ الآية الكريمة ـ أيضا ـ تدلّ على وجوب الاجتهاد في العصور المتأخّرة عن عصور المعصومين وجوبا كفائيّا ، بمعنى أنّه يجب على كلّ قوم أن ينفر منهم طائفة فيرحلوا لتحصيل التفقّه ـ وهو الاجتهاد ـ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ، كما تدلّ أيضا بالملازمة ـ التي سبق ذكرها ـ على حجّيّة قول المجتهد على الناس الآخرين ، ووجوب قبول فتواه عليهم.

__________________

(١) كما في فوائد الأصول ٣ : ١٨٦ ، وأجود التقريرات ٢ : ١١٠.

(٢) وفي «س» تنبيه مهمّ.

(٣) أجود التقريرات ٢ : ١١٠.