درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۸: مباحث حجت ۱۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

نعم ، يبقى شيء ، وهو أنّ الواجب أن تنفر من كلّ فرقة طائفة ، والطائفة ثلاثة فأكثر ، أو أكثر من ثلاثة. وحينئذ لا تشمل الآية خبر الشخص الواحد أو الاثنين.

ولكن يمكن دفع ذلك بأنّه لا دلالة في الآية على أنّه يجب في الطائفة أن ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم مجتمعين بشرط الاجتماع ، فالآية من هذه الناحية مطلقة ، وبمقتضى إطلاقها يكون خبر الواحد ـ لو انفرد بالإخبار ـ حجّة أيضا. يعني أنّ العموم فيها أفراديّ لا مجموعيّ (١).

تنبيه (٢)

إنّ هذه الآية الكريمة تدلّ أيضا على وجوب قبول فتوى المجتهد بالنسبة إلى العاميّ ، كما دلّت على وجوب قبول خبر الواحد ، وذلك ظاهر ؛ لأنّ كلمة «التفقّه» عامّة للطرفين ، وقد أفاد ذلك شيخنا النائينيّ قدس‌سره ، كما في تقريرات بعض الأساطين من تلامذته ، فإنّه قال : «إنّ التفقّه في الأعصار المتأخّرة وإن كان هو استنباط الحكم الشرعيّ بتنقيح جهات ثلاث : الصدور ، وجهة الصدور ، والدلالة ، ومن المعلوم أنّ تنقيح الجهتين الأخيرتين ممّا يحتاج إلى إعمال النظر والدقّة ، إلاّ أنّ التفقّه في الصدر الأوّل لم يكن محتاجا إلاّ إلى إثبات الصدور ليس إلاّ ، لكن اختلاف محقّق التفقّه باختلاف الأزمنة لا يوجب اختلافا في مفهومه ، فكما أنّ العارف بالأحكام الشرعيّة بإعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه ، كذلك العارف بها من دون إعمال النظر والفكر يصدق عليه الفقيه حقيقة» (٣).

وبمقتضى عموم التفقّه ، فإنّ الآية الكريمة ـ أيضا ـ تدلّ على وجوب الاجتهاد في العصور المتأخّرة عن عصور المعصومين وجوبا كفائيّا ، بمعنى أنّه يجب على كلّ قوم أن ينفر منهم طائفة فيرحلوا لتحصيل التفقّه ـ وهو الاجتهاد ـ لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم ، كما تدلّ أيضا بالملازمة ـ التي سبق ذكرها ـ على حجّيّة قول المجتهد على الناس الآخرين ، ووجوب قبول فتواه عليهم.

__________________

(١) كما في فوائد الأصول ٣ : ١٨٦ ، وأجود التقريرات ٢ : ١١٠.

(٢) وفي «س» تنبيه مهمّ.

(٣) أجود التقريرات ٢ : ١١٠.

الآية الثالثة : آية حرمة الكتمان

وهي قوله (تعالى) في سورة البقرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ...﴾ (١).

وجه الاستدلال بها يشبه الاستدلال بآية النفر ، فإنّه لمّا حرّم الله (تعالى) كتمان البيّنات والهدى ، وجب أن يقبل قول من يظهر البيّنات والهدى ، ويبيّنه للناس ، وإن كان ذلك المظهر والمبيّن واحدا لا يوجب قوله العلم ، وإلاّ لكان تحريم الكتمان لغوا وبلا فائدة لو لم يكن قوله حجّة مطلقا.

والحاصل أنّ هناك ملازمة عقليّة بين وجوب الإظهار ووجوب القبول ، وإلاّ لكان وجوب الإظهار لغوا وبلا فائدة. ولمّا كان وجوب الإظهار لم يشترط فيه أن يكون الإظهار موجبا للعلم فكذلك لازمه ـ وهو وجوب القبول ـ لا بدّ أن يكون مطلقا من هذه الناحية ، غير مشترط فيه بما يوجب العلم. وعلى هذا الأساس من الملازمة قلنا بدلالة آية النفر على حجّيّة خبر الواحد ، وحجّيّة فتوى المجتهد.

ولكنّ الإنصاف أنّ الاستدلال لا يتمّ بهذه الآية الكريمة ، بل هي أجنبيّة جدّا عمّا نحن فيه ؛ لأنّ ما نحن فيه ـ وهو حجّيّة خبر الواحد ـ أن يظهر المخبر شيئا لم يكن ظاهرا ، ويعلّم ما تعلّم من أحكام غير معلومة للآخرين ، كما في آية النفر ، فإذا وجب التعليم والإظهار ، وجب قبوله على الآخرين ، وإلاّ كان وجوب التعليم والإظهار لغوا.

وأمّا : هذه الآية فهي واردة في مورد كتمان ما هو ظاهر وبيّن للناس جميعا ، بدليل قوله (تعالى) : ﴿مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ﴾ لا إظهار ما هو خفيّ على الآخرين.

والغرض أنّ هذه الآية واردة في مورد ما هو بيّن واجب القبول ، سواء كتم أم أظهر ، لا في مورد يكون قبوله من جهة الإظهار ، حتى تكون ملازمة بين وجوب القبول وحرمة الكتمان ، فيقال : «لو لم يقبل لما حرم الكتمان». وبهذا يظهر الفرق بين هذه الآية وآية النفر.

وينسق على هذه الآية باقي الآيات الأخر التي ذكرت للاستدلال بها على المطلوب ،

__________________

(١) البقرة (٢) الآية : ١٥٩.

فلا نطيل بذكرها. (١)

ب. دليل حجّيّة خبر الواحد من السنّة

من البديهيّ أنّه لا يصحّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بنفس خبر الواحد ؛ فإنّه دور ظاهر ، بل لا بدّ أن تكون الأخبار المستدلّ بها على حجّيّته معلومة الصدور من المعصومين ، إمّا بتواتر ، أو قرينة قطعيّة.

ولا شكّ في أنّه ليس في أيدينا من الأخبار ما هو متواتر بلفظه في هذا المضمون ، وإنّما كلّ ما قيل هو تواتر الأخبار معنى في حجّيّة خبر الواحد إذا كان ثقة مؤتمنا في الرواية ، كما رآه الشيخ الحرّ صاحب الوسائل. (٢) وهذه دعوى غير بعيدة ، فإنّ المتتبّع يكاد يقطع جازما بتواتر الأخبار في هذا المعنى ، (٣) بل هي بالفعل متواترة لا ينبغي أن يعتري فيها الريب للمنصف. (٤)

وقد ذكر الشيخ الأنصاريّ (قدّس الله نفسه) طوائف من الأخبار ، (٥) يحصل بانضمام

__________________

(١) منها : آية السؤال ، وهي قوله (تعالى) : ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.﴾ النحل (١٦) الآية : ٤٣.

ومنها : آية الأذن ، وهي قوله (تعالى) : ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ....﴾ التوبة (٩) الآية : ٦١.

ومنها : آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، آل عمران (٣) الآية : ١٠٤ ، والتوبة (٩) الآية : ٧.

وإن شئت تفصيل البحث عن الاستدلال بها فراجع : فرائد الأصول ١ : ١٣٢ ـ ١٣٤ ، وكفاية الأصول : ٣٤٤ ـ ٣٤٦.

(٢) وسائل الشيعة ١٨ : ٥٢ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ؛ و ١٨ : ٩٨ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي.

(٣) وهذا ما ادّعاه أيضا المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١٩٠ ـ ١٩١ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ١٤٣.

(٤) إنّ الشيخ صاحب الكفاية لم يتّضح له تواتر الأخبار معنى ، وإنّما أقصى ما اعترف به «أنّها متواترة إجمالا». * وغرضه من التواتر الإجماليّ هو العلم بصدور بعضها عنهم عليهم‌السلام يقينا. وتسمية ذلك بالتواتر مسامحة ظاهرة ـ منه قدس‌سره ـ.

(٥) فرائد الأصول ١ : ١٣٧ ـ ١٤٤.

__________________

* كفاية الأصول : ٣٤٧.