درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۲۹: مباحث حجت ۱۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

فلا نطيل بذكرها. (١)

ب. دليل حجّيّة خبر الواحد من السنّة

من البديهيّ أنّه لا يصحّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بنفس خبر الواحد ؛ فإنّه دور ظاهر ، بل لا بدّ أن تكون الأخبار المستدلّ بها على حجّيّته معلومة الصدور من المعصومين ، إمّا بتواتر ، أو قرينة قطعيّة.

ولا شكّ في أنّه ليس في أيدينا من الأخبار ما هو متواتر بلفظه في هذا المضمون ، وإنّما كلّ ما قيل هو تواتر الأخبار معنى في حجّيّة خبر الواحد إذا كان ثقة مؤتمنا في الرواية ، كما رآه الشيخ الحرّ صاحب الوسائل. (٢) وهذه دعوى غير بعيدة ، فإنّ المتتبّع يكاد يقطع جازما بتواتر الأخبار في هذا المعنى ، (٣) بل هي بالفعل متواترة لا ينبغي أن يعتري فيها الريب للمنصف. (٤)

وقد ذكر الشيخ الأنصاريّ (قدّس الله نفسه) طوائف من الأخبار ، (٥) يحصل بانضمام

__________________

(١) منها : آية السؤال ، وهي قوله (تعالى) : ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.﴾ النحل (١٦) الآية : ٤٣.

ومنها : آية الأذن ، وهي قوله (تعالى) : ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ....﴾ التوبة (٩) الآية : ٦١.

ومنها : آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، آل عمران (٣) الآية : ١٠٤ ، والتوبة (٩) الآية : ٧.

وإن شئت تفصيل البحث عن الاستدلال بها فراجع : فرائد الأصول ١ : ١٣٢ ـ ١٣٤ ، وكفاية الأصول : ٣٤٤ ـ ٣٤٦.

(٢) وسائل الشيعة ١٨ : ٥٢ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ؛ و ١٨ : ٩٨ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي.

(٣) وهذا ما ادّعاه أيضا المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١٩٠ ـ ١٩١ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ١٤٣.

(٤) إنّ الشيخ صاحب الكفاية لم يتّضح له تواتر الأخبار معنى ، وإنّما أقصى ما اعترف به «أنّها متواترة إجمالا». * وغرضه من التواتر الإجماليّ هو العلم بصدور بعضها عنهم عليهم‌السلام يقينا. وتسمية ذلك بالتواتر مسامحة ظاهرة ـ منه قدس‌سره ـ.

(٥) فرائد الأصول ١ : ١٣٧ ـ ١٤٤.

__________________

* كفاية الأصول : ٣٤٧.

بعضها إلى بعض العلم بحجّيّة خبر الواحد الثقة المأمون من الكذب في الشريعة ، وأنّ هذا (١) أمر مفروغ عنه عند آل البيت عليهم‌السلام.

ونحن نشير إلى هذه الطوائف على الإجمال ، وعلى الطالب أن يرجع إلى الوسائل (كتاب القضاء) (٢) وإلى رسائل الشيخ (٣) في حجّيّة خبر الواحد ؛ للاطّلاع على تفاصيلها :

الطائفة الأولى : ما ورد في الخبرين المتعارضين في الأخذ بالمرجّحات ، كالأعدل ، والأصدق ، والمشهور ، ثمّ التخيير عند التساوي. (٤) وسيأتي ذكر بعضها في باب التعادل والتراجيح. (٥) ولو لا أنّ خبر الواحد الثقة حجّة لما كان معنى لفرض التعارض بين الخبرين ، ولا معنى للترجيح بالمرجّحات المذكورة والتخيير عند عدم المرجّح ، كما هو واضح.

الطائفة الثانية : ما ورد في إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، (٦) على وجه يظهر فيه عدم الفرق في الإرجاع بين الفتوى والرواية ، مثل إرجاعه عليه‌السلام إلى زرارة بقوله : «إذا أردت حديثا فعليك بهذا الجالس» (٧) يشير بذلك إلى زرارة. ومثل قوله عليه‌السلام ـ لمّا قال له عبد العزيز بن المهتدي : ربما أحتاج ولست ألقاك في كلّ وقت ، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ ـ : «نعم» (٨).

قال الشيخ الأعظم قدس‌سره : «وظاهر هذه الرواية أنّ قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند

__________________

(١) أي اعتبار خبر الواحد الثقة.

(٢) وسائل الشيعة ١٨ : ٥٢ ـ ٨٩ و: ٩٨.

(٣) فرائد الأصول ١ : ١٣٧ ـ ١٤٤.

(٤) راجع جامع أحاديث الشيعة ١ : ٢٥٤ ـ ٢٦٠ ، أبواب المقدّمات ، باب ما يعالج به تعارض الروايات ، الأحاديث ١٠ ـ ١٩ ؛ وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ١.

(٥) يأتي في الصفحات : ٥٧٩ ـ ٥٨٠.

(٦) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٩٩ ـ ١٠٧ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي الأحاديث ٤ و ١٩ و ٢٣ و ٢٧ و ٣٣ ؛ جامع أحاديث الشيعة ١ : ٢٢٣ ـ ٢٢٤ ، أبواب المقدّمات ، باب حجيّة أخبار الثقات ، الحديثين ٣٢١ و ٣٢٢.

(٧) بحار الأنوار ٢ : ٢٤٦.

(٨) بحار الأنوار ٢ : ٢٥١. وقريب منه ما في وسائل الشيعة ١٨ : ١٠٧ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث : ٣٣.

الراوي ، فسأل عن وثاقة يونس ؛ ليرتّب عليه أخذ المعالم عنه». (١)

إلى غير ذلك من الروايات التي تنسق على هذا المضمون ونحوه.

الطائفة الثالثة : ما دلّ على وجوب الرجوع إلى الرواة ، والثقات ، والعلماء ، مثل قوله عليه‌السلام : «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ؛ فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله عليهم» (٢) ... إلى ما شاء الله من الروايات في أمثال هذا المعنى. (٣)

الطائفة الرابعة : ما دلّ على الترغيب في الرواية ، والحثّ عليها ، وكتابتها ، وإبلاغها ، (٤) مثل الحديث النبويّ المستفيض ، بل المتواتر : «من حفظ على أمّتي أربعين حديثا بعثه الله فقيها عالما ، يوم القيامة» (٥) الذي لأجله صنّف كثير من العلماء الأربعينيّات (٦) ؛ ومثل قوله عليه‌السلام للراوي : «اكتب وبثّ علمك في بني عمّك ؛ فإنّه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلاّ بكتبهم» (٧) إلى غير ذلك من الأحاديث. (٨)

الطائفة الخامسة : ما دلّ على ذمّ الكذب عليهم ، والتحذير من الكذّابين عليهم ، (٩) فإنّه لو لم يكن الأخذ بأخبار الآحاد أمرا معروفا بين المسلمين ، لما كان مجال للكذب عليهم ، ولما كان مورد للخوف من الكذب عليهم ، ولا التحذير من الكذّابين ؛ لأنّه لا أثر للكذب لو كان خبر الواحد على كلّ حال غير مقبول عند المسلمين.

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ١٣٩.

(٢) وسائل الشيعة ١٨ : ١٠١ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٣) وسائل الشيعة ١٨ : ٩٩ ـ ١٠١ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الأحاديث ١ و ٦ و ١٣.

(٤) وسائل الشيعة ١٨ : ٥٣ ـ ٧٥ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي.

(٥) هذا مضمون الحديث. وهو مرويّ بعبارات مختلفة ، فراجع وسائل الشيعة ١٨ : ٦٥ ـ ٧٠ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الأحاديث ٤٨ و ٥٤ و ٥٨ ـ ٦٢ و ٦٤.

(٦) منها كتاب الأربعين حديثا «للشيخ البهائي» ، والأربعون حديثا «للشهيد الأوّل».

(٧) هذا مضمون كلامه ، وإليك نصّه ـ على ما في وسائل الشيعة ١٨ : ٥٦ ـ : «اكتب وبثّ علمك في إخوانك ، فإن متّ فأورث كتبك بنيك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم».

(٨) راجع جامع أحاديث الشيعة ١ : ٢٢٥ ـ ٢٢٧ ، أبواب المقدّمات ، باب حجّيّة أخبار الثقات ، الأحاديث ٣٢٨ ـ ٣٣٠ و ٣٣٤ ـ ٣٣٨.

(٩) وسائل الشيعة ١٨ : ٥٧ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٢.

قال الشيخ الأعظم ـ بعد نقله لهذه الطوائف من الأخبار ، وهو على حقّ فيما قال ـ : «إلى غير ذلك من الأخبار التي يستفاد من مجموعها رضى الأئمّة عليهم‌السلام بالعمل بالخبر وإن لم يفد القطع. وقد ادّعى في الوسائل تواتر الأخبار بالعمل بخبر الثقة ، إلاّ أنّ القدر المتيقّن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء ، ويقبّحون التوقّف فيه ؛ لأجل ذلك الاحتمال ، كما دلّ عليه ألفاظ : «الثقة» و «المأمون» و «الصادق» وغيرها الواردة في الأخبار المتقدّمة ، وهي أيضا منصرف إطلاق غيرها».

وأضاف : «وأمّا : العدالة فأكثر الأخبار المتقدّمة خالية عنها ، بل وفي كثير منها التصريح بخلافه». (١)

ج. دليل حجّيّة خبر الواحد من الإجماع

حكى جماعة كبيرة ـ تصريحا وتلويحا ـ الإجماع من قبل علماء الإماميّة على حجّيّة خبر الواحد إذا كان ثقة مأمونا في نقله وإن لم يفد خبره العلم. وعلى رأس الحاكين للإجماع شيخ الطائفة الطوسيّ رحمه‌الله في كتابه «العدّة» ، (٢) لكنّه اشترط فيما اختاره من الرأي ، وحكى عليه الإجماع أن يكون خبر الواحد واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ، وكان ذلك مرويّا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو عن الواحد من الأئمّة عليهم‌السلام ، وكان ممّن لا يطعن في روايته ، ويكون سديدا في نقله. وتبعه على ذلك في التصريح بالإجماع السيّد رضيّ الدين بن طاوس ، (٣) والعلاّمة الحلّي في «النهاية» ، (٤) ، والمحدّث المجلسيّ في بعض رسائله ، كما حكى ذلك عنهم الشيخ الأعظم في «الرسائل». (٥)

وفي مقابل ذلك حكى جماعة أخرى إجماع الإماميّة على عدم الحجّيّة. وعلى رأسهم

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ١٤٤.

(٢) العدّة ١ : ١٢٦.

(٣) كما في فرائد الأصول ١ : ١٥٦.

(٤) النهاية ، مخطوط.

(٥) فرائد الأصول ١ : ١٥٧ ـ ١٥٨.