درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۰: مباحث حجت ۱۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

قال الشيخ الأعظم ـ بعد نقله لهذه الطوائف من الأخبار ، وهو على حقّ فيما قال ـ : «إلى غير ذلك من الأخبار التي يستفاد من مجموعها رضى الأئمّة عليهم‌السلام بالعمل بالخبر وإن لم يفد القطع. وقد ادّعى في الوسائل تواتر الأخبار بالعمل بخبر الثقة ، إلاّ أنّ القدر المتيقّن منها هو خبر الثقة الذي يضعف فيه احتمال الكذب على وجه لا يعتني به العقلاء ، ويقبّحون التوقّف فيه ؛ لأجل ذلك الاحتمال ، كما دلّ عليه ألفاظ : «الثقة» و «المأمون» و «الصادق» وغيرها الواردة في الأخبار المتقدّمة ، وهي أيضا منصرف إطلاق غيرها».

وأضاف : «وأمّا : العدالة فأكثر الأخبار المتقدّمة خالية عنها ، بل وفي كثير منها التصريح بخلافه». (١)

ج. دليل حجّيّة خبر الواحد من الإجماع

حكى جماعة كبيرة ـ تصريحا وتلويحا ـ الإجماع من قبل علماء الإماميّة على حجّيّة خبر الواحد إذا كان ثقة مأمونا في نقله وإن لم يفد خبره العلم. وعلى رأس الحاكين للإجماع شيخ الطائفة الطوسيّ رحمه‌الله في كتابه «العدّة» ، (٢) لكنّه اشترط فيما اختاره من الرأي ، وحكى عليه الإجماع أن يكون خبر الواحد واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ، وكان ذلك مرويّا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو عن الواحد من الأئمّة عليهم‌السلام ، وكان ممّن لا يطعن في روايته ، ويكون سديدا في نقله. وتبعه على ذلك في التصريح بالإجماع السيّد رضيّ الدين بن طاوس ، (٣) والعلاّمة الحلّي في «النهاية» ، (٤) ، والمحدّث المجلسيّ في بعض رسائله ، كما حكى ذلك عنهم الشيخ الأعظم في «الرسائل». (٥)

وفي مقابل ذلك حكى جماعة أخرى إجماع الإماميّة على عدم الحجّيّة. وعلى رأسهم

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ١٤٤.

(٢) العدّة ١ : ١٢٦.

(٣) كما في فرائد الأصول ١ : ١٥٦.

(٤) النهاية ، مخطوط.

(٥) فرائد الأصول ١ : ١٥٧ ـ ١٥٨.

السيّد الشريف المرتضى رحمه‌الله ، وجعله بمنزلة القياس في كون ترك العمل به معروفا من مذهب الشيعة (١). وتبعه على ذلك الشيخ ابن إدريس في «السرائر» ، ونقل كلاما للسيّد المرتضى في المقدّمة ، وانتقد في أكثر من موضع في كتابه الشيخ الطوسيّ في عمله بخبر الواحد ، وكرّر تبعا للسيّد قوله : «إنّ خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا». (٢) وكذلك نقل عن الطبرسيّ صاحب «مجمع البيان» قدس‌سره تصريحه في نقل الإجماع على عدم العمل بخبر الواحد. (٣)

والغريب في الباب وقوع مثل هذا التدافع بين نقل الشيخ والسيّد عن إجماع الإماميّة ، مع أنّهما متعاصران ، بل الأوّل تلمذ على الثاني ، وهما الخبيران العالمان بمذهب الإماميّة ، وليس من شأنهما أن يحكيا مثل هذا الأمر بدون تثبّت وخبرة كاملة.

فلذلك وقع الباحثون في حيرة عظيمة من أجل التوفيق بين نقليهما. وقد حكى الشيخ الأعظم في «الرسائل» وجوها للجمع ، مثل أن يكون مراد السيّد المرتضى من خبر الواحد ـ الذي حكى الإجماع على عدم العمل به ـ هو خبر الواحد الذي يرويه مخالفونا ، والشيخ يتّفق معه على ذلك. (٤)

وقيل : «يجوز أن يكون مراده من خبر الواحد ما يقابل المأخوذ من الثقات المحفوظ في الأصول ، المعمول بها عند جميع خواصّ الطائفة ، وحينئذ يتقارب مع الشيخ في الحكاية عن الإجماع». (٥)

وقيل : «يجوز أن يكون مراد الشيخ من خبر الواحد خبر الواحد ، المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم بصدقه ، فيتّفق حينئذ نقله مع نقل السيّد». (٦)

وهذه الوجوه من التوجيهات قد استحسن الشيخ الأنصاريّ منها الأوّل ، ثمّ الثاني. ولكنّه

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٤ ـ ٢٥ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٥٢٨ ـ ٥٣١.

(٢) السرائر ١ : ٤٨.

(٣) مجمع البيان ٩ : ١٩٩.

(٤) وهذا ما يظهر من بعض كلمات السيّد المرتضى في رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣١٠ ـ ٣١١.

(٥) وهذا ما قال به الفاضل القزويني في «لسان الخواصّ» على ما في : فرائد الأصول ١ : ١٦١ ـ ١٦٢.

(٦) وهذا ما يظهر من كلام السيّد أيضا في رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣١٢ ، حيث قال ـ معترضا على نفسه ـ : «إذا سددتم ...».

يرى أنّ الأرجح من الجميع ما ذكره هو من الوجه (١) وأكّد عليه أكثر من مرّة ، فقال : «ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر ، وهو أنّ مراد السيّد من العلم الذي ادّعاه في صدق الأخبار هو مجرّد الاطمئنان ، فإنّ المحكيّ عنه في تعريف العلم أنّه ما اقتضى سكون النفس ، وهو الذي ادّعى بعض الأخباريّين أنّ مرادنا من العلم بصدور الأخبار هو هذا المعنى ، لا اليقين الذي لا يقبل الاحتمال رأسا.

فمراد الشيخ من تجرّد هذه الأخبار عن القرائن تجرّدها عن القرائن الأربع التي ذكرها أوّلا ، وهي موافقة الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والدليل العقليّ.

ومراد السيّد من القرائن ـ التي ادّعى في عبارته المتقدّمة (٢) احتفاف أكثر الأخبار بها ـ هي الأمور الموجبة للوثوق بالراوي أو بالرواية ، بمعنى سكون النفس بهما ، وركونها إليهما».

ثمّ قال : «ولعلّ هذا الوجه أحسن وجوه الجمع بين كلامي الشيخ والسيّد ، خصوصا مع ملاحظة تصريح السيّد في كلامه بأنّ أكثر الأخبار متواترة ، أو محفوفة ، وتصريح الشيخ في كلامه المتقدّم بإنكار ذلك». (٣)

هذا ما أفاده الشيخ الأنصاريّ في توجيه كلام هذين العلمين ، ولكنّي لا أحسب أنّ السيّد المرتضى يرتضي بهذا الجمع ؛ لأنّه صرّح في عبارته المنقولة في مقدّمة السرائر بأنّ مراده من العلم القطع الجازم ، قال :

«اعلم أنّه لا بدّ في الأحكام الشرعيّة من طريق يوصل إلى العلم بها ؛ لأنّه متى لم نعلم الحكم ونقطع (٤) بالعلم على أنّه مصلحة ، جوّزنا كونه مفسدة» (٥).

__________________

(١) ذكر المحقّق الآشتيانيّ في حاشيته على الرسائل في هذا الموقع : أنّ هذا الوجه من التوجيه سبقه إليه بعض أفاضل المتأخّرين وهو المحقّق النراقيّ صاحب المناهج ، ونقل نصّ عبارته. * ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) غرضه من «عبارته المتقدّمة» عبارته التي نقلها في السرائر عن السيّد ، وقد نقلها الشيخ الأعظم في الرسائل ـ منه قدس‌سره ـ.

(٣) فرائد الأصول ١ : ١٥٦.

(٤) عطف على المجزوم.

(٥) السرائر ١ : ٤٦.

__________________

* بحر الفوائد : ١٦٩.

وأصرح منه (١) قوله بعد ذلك : «ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد ؛ لأنّها لا توجب علما ولا عملا ، وأوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم ؛ لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلا ، فغاية ما يقتضيه الظنّ بصدقه ، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا وإن ظننت به الصدق ؛ فإنّ الظنّ لا يمنع من التجويز ، فعاد الأمر في العمل بأخبار الآحاد إلى أنّه إقدام على ما لا نأمن من كونه فسادا ، أو غير صلاح». (٢)

هذا ، ويحتمل ـ احتمالا بعيدا ـ أنّ السيّد لم يرد من «التجويز» ـ الذي قال عنه : إنّه لا يمنع منه الظنّ ـ كلّ تجويز حتى الضعيف الذي لا يعتني به العقلاء ويجتمع مع اطمئنان النفس ، بل أراد منه التجويز الذي لا يجتمع مع اطمئنان النفس ، ويرفع الأمان بصدق الخبر.

وإنّما قلنا : «إنّ هذا الاحتمال بعيد» ؛ لأنّه يدفعه أنّ السيّد حصر في بعض عباراته ما يثبت الأحكام ـ عند من نأى (٣) عن المعصومين ، أو وجد بعدهم ـ في خصوص الخبر المتواتر المفضي إلى العلم وإجماع الفرقة المحقّة ، لا غيرهما. (٤)

وأمّا : تفسيره للعلم بسكون النفس فهذا تفسير شائع في عبارات المتقدّمين ، ومنهم : الشيخ نفسه في «العدّة». (٥) والظاهر أنّهم يريدون من سكون النفس الجزم القاطع ، لا مجرّد الاطمئنان وإن لم يبلغ القطع ، كما هو متعارف التعبير به في لسان المتأخّرين.

نعم ، لقد عمل السيّد المرتضى على خلاف ما أصّله هنا ، وكذلك ابن إدريس الذي تابعة في هذا القول ؛ لأنّه كان كثيرا ما يأخذ بأخبار الآحاد الموثوقة المرويّة في كتب أصحابنا. ومن العسير عليه وعلى غيره أن يدّعي تواترها جميعا ، أو احتفافها بقرائن توجب القطع بصدورها. وعلى ذلك جرت استنباطاته الفقهيّة ، وكذلك ابن إدريس في «السرائر». ولعلّ

__________________

(١) إنّما قلت : أصرح منه ؛ لأنّه يحتمل في العبارة المتقدّمة أنّه يريد من العلم ما يعمّ العلم بالحكم والعلم بمشروعيّة الطريق إليه وإن كان الطريق في نفسه ظنّيّا. وهذا الاحتمال لا يتطرّق إلى عبارته الثانية ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) السرائر ١ : ٤٧.

(٣) أي بعد.

(٤) راجع رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣١١ ـ ٣١٢ ، والذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٥١٧.

(٥) العدّة ١ : ١٢.