درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۱: مباحث حجت ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وأصرح منه (١) قوله بعد ذلك : «ولذلك أبطلنا في الشريعة العمل بأخبار الآحاد ؛ لأنّها لا توجب علما ولا عملا ، وأوجبنا أن يكون العمل تابعا للعلم ؛ لأنّ خبر الواحد إذا كان عدلا ، فغاية ما يقتضيه الظنّ بصدقه ، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذبا وإن ظننت به الصدق ؛ فإنّ الظنّ لا يمنع من التجويز ، فعاد الأمر في العمل بأخبار الآحاد إلى أنّه إقدام على ما لا نأمن من كونه فسادا ، أو غير صلاح». (٢)

هذا ، ويحتمل ـ احتمالا بعيدا ـ أنّ السيّد لم يرد من «التجويز» ـ الذي قال عنه : إنّه لا يمنع منه الظنّ ـ كلّ تجويز حتى الضعيف الذي لا يعتني به العقلاء ويجتمع مع اطمئنان النفس ، بل أراد منه التجويز الذي لا يجتمع مع اطمئنان النفس ، ويرفع الأمان بصدق الخبر.

وإنّما قلنا : «إنّ هذا الاحتمال بعيد» ؛ لأنّه يدفعه أنّ السيّد حصر في بعض عباراته ما يثبت الأحكام ـ عند من نأى (٣) عن المعصومين ، أو وجد بعدهم ـ في خصوص الخبر المتواتر المفضي إلى العلم وإجماع الفرقة المحقّة ، لا غيرهما. (٤)

وأمّا : تفسيره للعلم بسكون النفس فهذا تفسير شائع في عبارات المتقدّمين ، ومنهم : الشيخ نفسه في «العدّة». (٥) والظاهر أنّهم يريدون من سكون النفس الجزم القاطع ، لا مجرّد الاطمئنان وإن لم يبلغ القطع ، كما هو متعارف التعبير به في لسان المتأخّرين.

نعم ، لقد عمل السيّد المرتضى على خلاف ما أصّله هنا ، وكذلك ابن إدريس الذي تابعة في هذا القول ؛ لأنّه كان كثيرا ما يأخذ بأخبار الآحاد الموثوقة المرويّة في كتب أصحابنا. ومن العسير عليه وعلى غيره أن يدّعي تواترها جميعا ، أو احتفافها بقرائن توجب القطع بصدورها. وعلى ذلك جرت استنباطاته الفقهيّة ، وكذلك ابن إدريس في «السرائر». ولعلّ

__________________

(١) إنّما قلت : أصرح منه ؛ لأنّه يحتمل في العبارة المتقدّمة أنّه يريد من العلم ما يعمّ العلم بالحكم والعلم بمشروعيّة الطريق إليه وإن كان الطريق في نفسه ظنّيّا. وهذا الاحتمال لا يتطرّق إلى عبارته الثانية ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) السرائر ١ : ٤٧.

(٣) أي بعد.

(٤) راجع رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣١١ ـ ٣١٢ ، والذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٥١٧.

(٥) العدّة ١ : ١٢.

عمله هذا يكون قرينة على مراده من ذلك الكلام ، ومفسّرا له على نحو ما احتمله الشيخ الأنصاريّ.

وعلى كلّ حال ـ سواء استطعنا تأويل كلام السيّد بما يوافق كلام الشيخ أو لم نستطع ـ فإنّ دعوى الشيخ إجماع الطائفة على اعتبار خبر الواحد الموثوق به المأمون من الكذب ـ وإن لم يكن عادلا بالمعنى الخاصّ ، ولم يوجب قوله العلم القاطع ـ دعوى مقبولة ، ومؤيّدة ، يؤيّدها عمل جميع العلماء من لدن الصدر الأوّل إلى اليوم ، حتى نفس السيّد ، وابن إدريس ، كما ذكرنا ، بل السيّد نفسه اعترف في بعض كلامه بعمل الطائفة بأخبار الآحاد ، إلاّ أنّه ادّعى أنّه لمّا كان من المعلوم عدم عملهم بالأخبار المجرّدة ، كعدم عملهم بالقياس فلا بدّ من حمل موارد عملهم على الأخبار المحفوفة بالقرائن ، قائلا : «ليس ينبغي أن يرجع عن الأمور المعلومة المشهورة المقطوع عليها ـ ويقصد بالأمور المعلومة ، عدم عملهم بالظنون ـ إلى ما هو مشتبه ، وملتبس ، ومجمل ـ ويقصد بالمشتبه المجمل ، وجه عملهم بأخبار الآحاد ـ ، وقد علم كلّ موافق ومخالف أنّ الشيعة الإماميّة تبطل القياس في الشريعة ، حيث لا يؤدّي إلى العلم ، وكذلك نقول في أخبار الآحاد». (١)

ونحن نقول للسيّد المرتضى : صحيح أنّ المعلوم من طريقة الشيعة الإماميّة عدم عملهم بالظنون بما هي ظنون ، ولكن خبر الواحد الثقة المأمون وما سواه من الظنون المعتبرة ـ كالظواهر ـ إذا كانوا قد عملوا بها فإنّهم لم يعملوا بها إلاّ لأنّها ظنون قام الدليل القاطع على اعتبارها وحجّيّتها ، فلم يكن العمل بها عملا بالظنّ ، بل يكون ـ بالأخير ـ عملا بالعلم.

وعليه ، فنحن نقول معه : «إنّه لا بدّ في الأحكام الشرعيّة من طريق يوصل إلى العلم بها ؛ لأنّه متى لم نعلم الحكم ونقطع بالعلم على أنّه مصلحة جوّزنا كونه مفسدة» (٢) ، و [لكن] خبر الواحد الثقة المأمون لمّا ثبت اعتباره فهو طريق يوصل إلى العلم بالأحكام ، ونقطع بالعلم ـ على حدّ تعبيره ـ على أنّه مصلحة لا نجوّز كونه مفسدة.

ويؤيّد أيضا دعوى الشيخ للإجماع قرائن كثيرة ، ذكر جملة منها الشيخ الأنصاريّ

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٤ ـ ٢٥.

(٢) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٠٢.

في «الرسائل» :

منها : ما ادّعاه الكشّي (١) من إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عن جماعة ؛ فإنّه من المعلوم أنّ معنى التصحيح المجمع عليه هو عدّ خبره صحيحا ، بمعنى عملهم به ، لا القطع بصدوره ؛ إذ الإجماع وقع على التصحيح لا على الصّحة.

ومنها : دعوى النجاشيّ (٢) أنّ مراسيل ابن أبي عمير مقبولة عند الأصحاب. وهذه العبارة من النجاشيّ تدلّ دلالة صريحة على عمل الأصحاب بمراسيل مثل ابن أبي عمير ، لا من أجل القطع بالصدور ، بل لعلمهم أنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة. إلى غير ذلك من القرائن التي ذكرها الشيخ الأنصاريّ من هذا القبيل. (٣)

وعليك بمراجعة الرسائل في هذا الموضوع ، فقد استوفت البحث أحسن استيفاء ، وأجاد فيها الشيخ فيما أفاد ، وألمّ (٤) بالموضوع من جميع أطرافه ، كعادته في جميع أبحاثه. وقد ختم البحث بقوله السديد : «والإنصاف أنّه لم يحصل في مسألة ـ يدّعى فيها الإجماع من الإجماعات المنقولة ، والشهرة العظيمة ، والأمارات الكثيرة الدالّة على العمل ـ ما حصل في هذه المسألة ، فالشاكّ في تحقّق الإجماع في هذه المسألة لا أراه يحصل له الإجماع في مسألة من المسائل الفقهيّة ، اللهمّ إلاّ في ضروريّات المذهب».

وأضاف «لكنّ الإنصاف أنّ المتيقّن من هذا كلّه الخبر المفيد للاطمئنان ، لا مطلق الظنّ» (٥). ونحن له من المؤيّدين. جزاه الله خير ما يجزي العلماء العاملين.

د. دليل حجّيّة خبر الواحد من بناء العقلاء

إنّه من المعلوم قطعا ـ الذي لا يعتريه الريب ـ استقرار بناء العقلاء طرّا ، واتّفاق سيرتهم العمليّة ـ على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ـ على الأخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنّون

__________________

(١) رجال الكشي : ٤٦٦.

(٢) رجال النجاشي ٢ : ٢٠٦.

(٣) فرائد الأصول ١ : ١٥٨ ـ ١٦١.

(٤) ألمّ بالموضوع أي : عرفه.

(٥) فرائد الأصول ١ : ١٦١.