درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۲: مباحث حجت ۱۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

في «الرسائل» :

منها : ما ادّعاه الكشّي (١) من إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عن جماعة ؛ فإنّه من المعلوم أنّ معنى التصحيح المجمع عليه هو عدّ خبره صحيحا ، بمعنى عملهم به ، لا القطع بصدوره ؛ إذ الإجماع وقع على التصحيح لا على الصّحة.

ومنها : دعوى النجاشيّ (٢) أنّ مراسيل ابن أبي عمير مقبولة عند الأصحاب. وهذه العبارة من النجاشيّ تدلّ دلالة صريحة على عمل الأصحاب بمراسيل مثل ابن أبي عمير ، لا من أجل القطع بالصدور ، بل لعلمهم أنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة. إلى غير ذلك من القرائن التي ذكرها الشيخ الأنصاريّ من هذا القبيل. (٣)

وعليك بمراجعة الرسائل في هذا الموضوع ، فقد استوفت البحث أحسن استيفاء ، وأجاد فيها الشيخ فيما أفاد ، وألمّ (٤) بالموضوع من جميع أطرافه ، كعادته في جميع أبحاثه. وقد ختم البحث بقوله السديد : «والإنصاف أنّه لم يحصل في مسألة ـ يدّعى فيها الإجماع من الإجماعات المنقولة ، والشهرة العظيمة ، والأمارات الكثيرة الدالّة على العمل ـ ما حصل في هذه المسألة ، فالشاكّ في تحقّق الإجماع في هذه المسألة لا أراه يحصل له الإجماع في مسألة من المسائل الفقهيّة ، اللهمّ إلاّ في ضروريّات المذهب».

وأضاف «لكنّ الإنصاف أنّ المتيقّن من هذا كلّه الخبر المفيد للاطمئنان ، لا مطلق الظنّ» (٥). ونحن له من المؤيّدين. جزاه الله خير ما يجزي العلماء العاملين.

د. دليل حجّيّة خبر الواحد من بناء العقلاء

إنّه من المعلوم قطعا ـ الذي لا يعتريه الريب ـ استقرار بناء العقلاء طرّا ، واتّفاق سيرتهم العمليّة ـ على اختلاف مشاربهم وأذواقهم ـ على الأخذ بخبر من يثقون بقوله ويطمئنّون

__________________

(١) رجال الكشي : ٤٦٦.

(٢) رجال النجاشي ٢ : ٢٠٦.

(٣) فرائد الأصول ١ : ١٥٨ ـ ١٦١.

(٤) ألمّ بالموضوع أي : عرفه.

(٥) فرائد الأصول ١ : ١٦١.

إلى صدقه ويأمنون كذبه ، وعلى اعتمادهم في تبليغ مقاصدهم على الثقات. وهذه السيرة العمليّة جارية حتى في الأوامر الصادرة من ملوكهم ، وحكّامهم ، وذوي الأمر منهم.

وسرّ هذه السيرة أنّ الاحتمالات الضعيفة المقابلة ملغاة بنظرهم لا يعتنون بها ، فلا يلتفتون إلى احتمال تعمّد الكذب من الثقة ، كما لا يلتفتون إلى احتمال خطئه ، واشتباهه ، أو غفلته.

وكذلك أخذهم بظواهر الكلام وظواهر الأفعال ؛ فإنّ بناءهم العمليّ على إلغاء الاحتمالات الضعيفة المقابلة. وذلك من كلّ ملّة ونحلة. (١)

وعلى هذه السيرة العمليّة قامت معايش الناس ، وانتظمت حياة البشر ، ولولاها لاختلّ نظامهم الاجتماعيّ ، ولسادهم (٢) الاضطراب ؛ لقلّة ما يوجب العلم القطعيّ من الأخبار المتعارفة ، سندا ومتنا.

والمسلمون بالخصوص ـ كسائر الناس ـ جرت سيرتهم العمليّة على مثل ذلك في استفادة الأحكام الشرعيّة من القديم إلى يومنا هذا ؛ لأنّهم متّحدو المسلك والطريقة مع سائر البشر ، كما جرت سيرتهم بما هم عقلاء على ذلك في غير الأحكام الشرعيّة. ألا ترى هل كان يتوقّف المسلمون في أخذ أحكامهم الدينيّة من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو من أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام الموثوقين عندهم؟ وهل ترى يتوقّف المقلّدون اليوم وقبل اليوم في العمل بما يخبرهم الثقات عن رأي المجتهد الذي يرجعون إليه؟ وهل ترى تتوقّف الزوجة في العمل بما يحكيه لها زوجها ـ الذي تطمئنّ إلى خبره ـ عن رأي المجتهد في المسائل التي تخصّها ، كالحيض مثلا؟

وإذا ثبتت سيرة العقلاء من الناس بما فيهم المسلمون على الأخذ بخبر الواحد الثقة ـ فإنّ الشارع المقدّس متّحد المسلك معهم ؛ لأنّه منهم ، بل هو رئيسهم ـ فلا بدّ أن نعلم بأنّه (٣) متّخذ لهذه الطريقة العقلائيّة ، كسائر الناس ما دام أنّه لم يثبت لنا أنّ له في تبليغ الأحكام

__________________

(١) النحلة والنحلة : المذهب والديانة.

(٢) أي : لتسلّط عليهم.

(٣) أي الشارع.

طريقا خاصّا مخترعا منه غير طريق العقلاء ، ولو كان له طريق خاصّ قد اخترعه غير مسلك العقلاء لأذاعه (١) وبيّنه للناس ، ولظهر واشتهر ، ولما جرت سيرة المسلمين على طبق سيرة باقي البشر.

وهذا الدليل قطعيّ لا يداخله الشكّ ؛ لأنّه مركّب من مقدّمتين قطعيّتين :

١ ـ ثبوت بناء العقلاء على الاعتماد على خبر الثقة والأخذ به.

٢ ـ كشف هذا البناء منهم عن موافقة الشارع لهم واشتراكه معهم ؛ لأنّه متّحد المسلك معهم.

قال شيخنا النائينيّ قدس‌سره ـ كما في تقريرات تلميذه الكاظميّ قدس‌سره ـ : «وأمّا طريقة العقلاء فهي عمدة أدلّة الباب ، بحيث لو فرض أنّه كان سبيل إلى المناقشة في بقية الأدلّة ، فلا سبيل إلى المناقشة في الطريقة العقلائيّة القائمة على الاعتماد على خبر الثقة والاتّكال عليه في محاوراتهم». (٢)

وأقصى ما قيل (٣) في الشكّ في هذا الاستدلال هو : أنّ الشارع لئن كان متّحد المسلك مع العقلاء فإنّما يستكشف موافقته لهم ، ورضاه بطريقتهم ، إذا لم يثبت الردع منه عنها. (٤) وتكفي في الردع الآيات الناهية عن اتّباع الظنّ وما وراء العلم التي ذكرناها سابقا في البحث السادس من المقدّمة ؛ (٥) ؛ لأنّها بعمومها تشمل خبر الواحد غير المفيد للعلم.

وقد عالجنا هذا الأمر فيما يتعلّق بشمول هذه الآيات الناهية للاستصحاب في الجزء

__________________

(١) أي : لنشره.

(٢) فوائد الأصول ٣ : ١٩٤.

(٣) هذا الإشكال تعرّض له المحقّق الخراسانيّ ، ثمّ أجاب عنه بعدم صلاحية الآيات المذكورة للردع ، للزوم الدور. راجع الكفاية ٣٤٨ ـ ٣٤٩.

وتعرّض له أيضا المحقّق النائينيّ ، وأجاب عنه بما يأتي في المتن. راجع فوائد الأصول ٣ : ١٩٣.

وادّعى المحقّق الحائريّ في درر الفوائد ٢ : ٥٩ أنّه يكفي في عدم الحجّيّة عدم العلم بإمضاء الشارع ، وهو حاصل قبل الفراغ عن عدم كون تلك الأدلّة رادعة.

وأجاب المحقّق الأصفهانيّ عن هذه الدعوى في نهاية الدراية ٢ : ٢٣٣ ، فراجع.

(٤) أي ما لم يثبت الردع من الشارع عن طريقة العقلاء.

(٥) راجع الصفحة : ٢٢.

الرابع (مبحث الاستصحاب) (١) فقلنا : إنّ هذه الآيات غير صالحة للردع عن الاستصحاب الذي جرت سيرة العقلاء على الأخذ به ؛ لأنّ المقصود من النهي عن اتّباع غير العلم النهي عنه إذ يراد به إثبات الواقع ، كقوله (تعالى) : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٢) ، بينما أنّه ليس المقصود من الاستصحاب إثبات الواقع والحقّ ، بل هو أصل وقاعدة عمليّة يرجع إليها في مقام العمل عند الشكّ في الواقع والحقّ. فيخرج الاستصحاب عن عموم هذه الآيات موضوعا.

وهذا العلاج ـ طبعا ـ لا يجري في مثل خبر الواحد ؛ لأنّ المقصود به كسائر الأمارات الأخرى إثبات الواقع وتحصيل الحقّ.

ولكن مع ذلك نقول : إنّ خبر الواحد خارج عن عموم هذه الآيات تخصّصا ، كالظواهر التي حجّيّتها أيضا مستندة إلى بناء العقلاء على ما سيأتي (٣).

وذلك بأن يقال ـ حسبما أفاده أستاذنا المحقّق الاصفهانيّ قدس‌سره في حاشيته على الكفاية ـ : «إنّ لسان النهي عن اتّباع الظنّ ، وأنّه لا يغني من الحقّ شيئا ليس لسان التعبّد بأمر على خلاف الطريقة العقلائيّة ، بل من باب إيكال الأمر إلى عقل المكلّف من جهة أنّ الظنّ بما هو ظنّ لا مسوّغ للاعتماد عليه والركون إليه ، فلا نظر [في الآيات الناهية] إلى ما استقرّت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتّباعه من حيث كونه خبر الثقة. ولذا كان الرواة يسألون عن وثاقة الراوي للفراغ عن لزوم اتّباع روايته بعد فرض وثاقته». (٤)

أو يقال ـ حسبما أفاده شيخنا النائينيّ قدس‌سره على ما في تقريرات الكاظمي قدس‌سره ـ : «إنّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لا تشمل خبر الثقة [حتى يتوهّم أنّها تكفي للردع عن الطريقة العقلائية] (٥) ؛ لأنّ العمل بخبر الثقة في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم ، بل هو من أفراد العمل بالعلم ؛ لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع ؛ لما قد جرت على ذلك

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٦١٩.

(٢) النجم (٥٣) الآية ٢٨ ، يونس (١٠) الآية : ٣٦.

(٣) يأتي في الصفحة : ٤٩٢.

(٤) نهاية الدراية ٣ : ٣٦.

(٥) ما بين المعقوفين موجود في المصدر.