درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۳: مباحث حجت ۱۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الرابع (مبحث الاستصحاب) (١) فقلنا : إنّ هذه الآيات غير صالحة للردع عن الاستصحاب الذي جرت سيرة العقلاء على الأخذ به ؛ لأنّ المقصود من النهي عن اتّباع غير العلم النهي عنه إذ يراد به إثبات الواقع ، كقوله (تعالى) : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٢) ، بينما أنّه ليس المقصود من الاستصحاب إثبات الواقع والحقّ ، بل هو أصل وقاعدة عمليّة يرجع إليها في مقام العمل عند الشكّ في الواقع والحقّ. فيخرج الاستصحاب عن عموم هذه الآيات موضوعا.

وهذا العلاج ـ طبعا ـ لا يجري في مثل خبر الواحد ؛ لأنّ المقصود به كسائر الأمارات الأخرى إثبات الواقع وتحصيل الحقّ.

ولكن مع ذلك نقول : إنّ خبر الواحد خارج عن عموم هذه الآيات تخصّصا ، كالظواهر التي حجّيّتها أيضا مستندة إلى بناء العقلاء على ما سيأتي (٣).

وذلك بأن يقال ـ حسبما أفاده أستاذنا المحقّق الاصفهانيّ قدس‌سره في حاشيته على الكفاية ـ : «إنّ لسان النهي عن اتّباع الظنّ ، وأنّه لا يغني من الحقّ شيئا ليس لسان التعبّد بأمر على خلاف الطريقة العقلائيّة ، بل من باب إيكال الأمر إلى عقل المكلّف من جهة أنّ الظنّ بما هو ظنّ لا مسوّغ للاعتماد عليه والركون إليه ، فلا نظر [في الآيات الناهية] إلى ما استقرّت عليه سيرة العقلاء بما هم عقلاء على اتّباعه من حيث كونه خبر الثقة. ولذا كان الرواة يسألون عن وثاقة الراوي للفراغ عن لزوم اتّباع روايته بعد فرض وثاقته». (٤)

أو يقال ـ حسبما أفاده شيخنا النائينيّ قدس‌سره على ما في تقريرات الكاظمي قدس‌سره ـ : «إنّ الآيات الناهية عن العمل بالظنّ لا تشمل خبر الثقة [حتى يتوهّم أنّها تكفي للردع عن الطريقة العقلائية] (٥) ؛ لأنّ العمل بخبر الثقة في طريقة العقلاء ليس من العمل بما وراء العلم ، بل هو من أفراد العمل بالعلم ؛ لعدم التفات العقلاء إلى مخالفة الخبر للواقع ؛ لما قد جرت على ذلك

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٦١٩.

(٢) النجم (٥٣) الآية ٢٨ ، يونس (١٠) الآية : ٣٦.

(٣) يأتي في الصفحة : ٤٩٢.

(٤) نهاية الدراية ٣ : ٣٦.

(٥) ما بين المعقوفين موجود في المصدر.

طباعهم واستقرّت عليه عادتهم ، فهو خارج عن العمل بالظنّ موضوعا. فلا تصلح أن تكون الآيات الناهية عن العمل بما وراء العلم أن تكون رادعة عن العمل بخبر الثقة ، بل الردع يحتاج إلى قيام الدليل عليه بالخصوص». (١)

وعلى كلّ حال ، لو كانت هذه الآيات صالحة للردع عن مثل خبر الواحد والظواهر التي جرت سيرة العقلاء على العمل بها ، ومنهم : المسلمون ، لعرف ذلك بين المسلمين ، وانكشف لهم ، ولما أطبقوا على العمل بها ، و [لما] جرت سيرتهم عليه.

فهذا دليل قطعيّ على عدم صلاحية هذه الآيات للردع عن العمل بخبر الواحد ، فلا نطيل بذكر الدور الذي أشكلوا به في المقام ، والجواب عنه. وإن شئت الاطّلاع فراجع الرسائل (٢) وكفاية الأصول. (٣)

تمرينات (٥٥)

١. ما هو الخبر المتواتر ، وخبر الواحد؟

٢. اذكر الأقوال في حجّيّة خبر الواحد.

٣. اذكر إشكال الخصم على الاستدلال بالآيات على حجّيّة خبر الواحد. واذكر الجواب عنه.

٤. بيّن تقريب الاستدلال بآية النبأ على حجّيّة خبر الواحد.

٥. بيّن تقريب الاستدلال بآية النفر على حجّيّة خبر الواحد.

٦. هل يتمّ الاستدلال بآية حرمة الكتمان على حجّيّة خبر الواحد؟ ما وجه الاستدلال بها؟ وما وجه عدم تماميّته؟

٧. لم لا يصحّ الاستدلال على حجّيّة خبر الواحد بنفس خبر الواحد؟

٨. اذكر طائفتين من الروايات الدالة على حجيّة خبر الواحد. واذكر تقريب الاستدلال بها.

٩. بيّن تقريب الاستدلال بالإجماع على حجّيّة خبر الواحد ، مع أنّه قد يدّعى الإجماع على عدم حجّيّته.

١٠. بيّن تقريب الاستدلال ببناء العقلاء على حجّيّة خبر الواحد.

١١. اذكر ما قيل في الإيراد على الاستدلال ببناء العقلاء ، واذكر جواب المحقّقين الأصفهانيّ ، والنائيني عنه.

__________________

(١) فوائد الأصول ، ٣ : ١٩٥.

(٢) فرائد الأصول ١ : ١١٢.

(٣) كفاية الأصول : ٣٤٨ ـ ٣٤٩.

الباب الثالث

الإجماع

تمهيد

الإجماع أحد معانيه في اللغة : «الاتّفاق». والمراد منه في الاصطلاح : «اتّفاق خاصّ» ، وهو إمّا اتّفاق الفقهاء من المسلمين على حكم شرعيّ ، (١) ، أو اتّفاق أهل الحلّ والعقد من المسلمين على الحكم ، (٢) ، أو اتّفاق أمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله على الحكم ، (٣) على اختلاف التعريفات عندهم.

ومهما اختلفت هذه التعبيرات فإنّها ـ على ما يظهر ـ ترمي إلى معنى جامع بينها ، وهو اتّفاق جماعة لاتّفاقهم (٤) شأن في إثبات الحكم الشرعيّ. ولذا استثنوا من المسلمين سواد الناس (٥) وعوامّهم ؛ لأنّهم لا شأن لآرائهم في استكشاف الحكم الشرعيّ ، وإنّما هم تبع للعلماء ولأهل الحلّ والعقد.

وعلى كلّ حال ، فإنّ هذا الإجماع بما له من هذا المعنى قد جعله الأصوليّون من أهل السنّة أحد الأدلّة الأربعة (٦) ، أو الثلاثة (٧) على الحكم الشرعيّ ، في مقابل الكتاب والسنّة.

__________________

(١) هكذا عرّفه الحاجبيّ كما في شرح العضديّ ١ : ١٢٢.

(٢) كذا عرّفه في المحصول في علم الأصول ٢ : ٣ ، ونهاية السئول ٣ : ٢٣٧.

(٣) هذا معنى الإجماع عند الغزاليّ في المستصفى ١ : ١٧٣.

(٤) أي : اتّفاق جماعة كان لاتّفاقهم شأن ....

(٥) سواد الناس : عامّتهم.

(٦) كما في المستصفى ١ : ١٠٠ ، ونهاية السئول ١ : ٩ ، والموافقات ٣ : ٥ ، واللمع في أصول الفقه : ٦ ، وأصول الفقه (للخضري بك) : ٢٠٧.

(٧) ولعلّه مذهب المانعين من حجيّة القياس ، كالنظّام ، وبعض المعتزلة ، كما في إرشاد الفحول : ٢٠٠. ـ

أمّا : الإماميّة فقد جعلوه أيضا أحد الأدلّة على الحكم الشرعيّ ، ولكن من ناحية شكليّة واسميّة فقط ؛ مجاراة (١) للنهج الدراسيّ في أصول الفقه عند السنّيّين ، أي إنّهم لا يعتبرونه دليلا مستقلاّ في مقابل الكتاب والسنّة ، بل إنّما يعتبرونه إذا كان كاشفا عن السنّة ، أي عن قول المعصوم ؛ فالحجّيّة والعصمة ليستا للإجماع ، بل الحجّة في الحقيقة هو قول المعصوم الذي يكشف عنه الإجماع عند ما تكون له أهليّة هذا الكشف.

ولذا توسّع الإماميّة في إطلاق كلمة «الإجماع» على اتّفاق جماعة قليلة لا يسمّى اتّفاقهم في الاصطلاح إجماعا ، باعتبار أنّ اتّفاقهم يكشف كشفا قطعيّا عن قول المعصوم ، فيكون له حكم الإجماع ، بينما لا يعتبرون الإجماع الذي لا يكشف عن قول المعصوم وإن سمّي إجماعا بالاصطلاح. وهذه نقطة خلاف جوهريّة في الإجماع ينبغي أن نجلّيها ، ونلتمس الحقّ فيها ، فإنّ لها كلّ الأثر في تقييم الإجماع من جهة حجّيّته.

ولأجل أن نتوصّل إلى الغرض المقصود لا بدّ من توجيه بعض الأسئلة لأنفسنا لنلتمس الجواب عليها :

أوّلا : من أين انبثق (٢) للأصوليّين القول بالإجماع ، فجعلوه حجّة ودليلا مستقلاّ على الحكم الشرعيّ في مقابل الكتاب والسنّة؟

ثانيا : هل المعتبر عند من يقول بالإجماع اتّفاق جميع الأمّة ، أو اتّفاق جميع العلماء في عصر من العصور ، أو بعض منهم يعتدّ به؟ ومن هم الذين يعتدّ بأقوالهم؟

أمّا السؤال الأوّل :

فإنّ الذي يثيره (٣) في النفس ويجعلها في موضع الشكّ فيه أنّ إجماع الناس جميعا على

__________________

وذهب بعض آخر إلى أنّه أحد الأدلّة الخمسة ، كالآمدي في الإحكام ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧ ، وابن الحاجب في منتهى الوصول والأمل : ٤٥.

(١) أي : تبعا.

(٢) أي : انتشر وظهر.

(٣) أي : يصيّره يثور. ويثور أي يرتفع.