درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۴: مباحث حجت ۱۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أمّا : الإماميّة فقد جعلوه أيضا أحد الأدلّة على الحكم الشرعيّ ، ولكن من ناحية شكليّة واسميّة فقط ؛ مجاراة (١) للنهج الدراسيّ في أصول الفقه عند السنّيّين ، أي إنّهم لا يعتبرونه دليلا مستقلاّ في مقابل الكتاب والسنّة ، بل إنّما يعتبرونه إذا كان كاشفا عن السنّة ، أي عن قول المعصوم ؛ فالحجّيّة والعصمة ليستا للإجماع ، بل الحجّة في الحقيقة هو قول المعصوم الذي يكشف عنه الإجماع عند ما تكون له أهليّة هذا الكشف.

ولذا توسّع الإماميّة في إطلاق كلمة «الإجماع» على اتّفاق جماعة قليلة لا يسمّى اتّفاقهم في الاصطلاح إجماعا ، باعتبار أنّ اتّفاقهم يكشف كشفا قطعيّا عن قول المعصوم ، فيكون له حكم الإجماع ، بينما لا يعتبرون الإجماع الذي لا يكشف عن قول المعصوم وإن سمّي إجماعا بالاصطلاح. وهذه نقطة خلاف جوهريّة في الإجماع ينبغي أن نجلّيها ، ونلتمس الحقّ فيها ، فإنّ لها كلّ الأثر في تقييم الإجماع من جهة حجّيّته.

ولأجل أن نتوصّل إلى الغرض المقصود لا بدّ من توجيه بعض الأسئلة لأنفسنا لنلتمس الجواب عليها :

أوّلا : من أين انبثق (٢) للأصوليّين القول بالإجماع ، فجعلوه حجّة ودليلا مستقلاّ على الحكم الشرعيّ في مقابل الكتاب والسنّة؟

ثانيا : هل المعتبر عند من يقول بالإجماع اتّفاق جميع الأمّة ، أو اتّفاق جميع العلماء في عصر من العصور ، أو بعض منهم يعتدّ به؟ ومن هم الذين يعتدّ بأقوالهم؟

أمّا السؤال الأوّل :

فإنّ الذي يثيره (٣) في النفس ويجعلها في موضع الشكّ فيه أنّ إجماع الناس جميعا على

__________________

وذهب بعض آخر إلى أنّه أحد الأدلّة الخمسة ، كالآمدي في الإحكام ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧ ، وابن الحاجب في منتهى الوصول والأمل : ٤٥.

(١) أي : تبعا.

(٢) أي : انتشر وظهر.

(٣) أي : يصيّره يثور. ويثور أي يرتفع.

شيء ، أو إجماع أمّة من الأمم بما هو إجماع واتّفاق لا قيمة علميّة له في استكشاف حكم الله (تعالى) ؛ لأنّه لا ملازمة بينه وبين حكم الله (تعالى) ، فالعلم به لا يستلزم العلم بحكم الله (تعالى) بأيّ وجه من وجوه الملازمة.

نعم ، الشيء الذي يجب ألاّ يفوتنا التنبيه عليه في الباب أنّا قد قلنا فيما سبق في الجزء الثاني (١) وسيأتي : (٢) إنّ تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء في القضايا المشهورة العمليّة التي نسمّيها «الآراء المحمودة» ، والتي تتعلّق بحفظ النظام والنوع ، يستكشف به الحكم الشرعيّ ؛ لأنّ الشارع من العقلاء ، بل رئيسهم ، وهو خالق العقل ، فلا بدّ أن يحكم بحكمهم.

ولكن هذا التطابق ليس من نوع الإجماع المقصود ، بل هو نفس الدليل العقليّ الذي نقول بحجّيّته في مقابل الكتاب ، والسنّة ، والإجماع. وهو من باب التحسين والتقبيح العقليّين الذي (٣) ينكره هؤلاء الذاهبون إلى حجّيّة الإجماع.

أمّا : إجماع الناس ـ الذي لا يدخل في تطابق آراء العقلاء بما هم عقلاء ـ فلا سبيل إلى اتّخاذه دليلا على الحكم الشرعيّ ؛ لأنّ اتّفاقهم قد يكون بدافع العادة ، أو العقيدة ، أو الانفعال النفسيّ ، أو الشبهة ، أو نحو ذلك. وكلّ هذه الدوافع من خصائص البشر ، لا يشاركهم الشارع فيها ؛ لتنزّهه عنها. فإذا حكموا بشيء بأحد هذه الدوافع لا يجب أن يحكم الشارع بحكمهم ، فلا يستكشف من اتّفاقهم على حكم ـ بما هو اتّفاق ـ أنّ هذا الحكم واقعا هو حكم الشارع.

ولو أنّ إجماع الناس بما هو إجماع ـ كيفما كان وبأيّ دافع كان ـ هو حجّة ودليل لوجب أن يكون إجماع الأمم الأخرى غير المسلمة أيضا حجّة ودليلا. ولا يقول بذلك واحد ممّن يرى حجّيّة الإجماع.

إذن ، كيف اتّخذ الأصوليّون إجماع المسلمين بالخصوص حجّة؟! وما الدليل لهم على ذلك؟

__________________

(١) راجع الصفحة : ٢٤٤ ـ ٢٤٦.

(٢) يأتي في الصفحة : ٤٨٠ و ٤٨٤ ـ ٤٨٥.

(٣) صفة «باب».

وللجواب عن هذا السؤال علينا أن نرجع القهقرى إلى أوّل إجماع اتّخذ دليلا في تأريخ المسلمين. إنّه الإجماع المدّعى على بيعة أبي بكر ؛ خليفة للمسلمين ، فإنّه إذا وقعت البيعة له ـ والمفروض أنّه لا سند لها (١) من طريق النصّ القرآنيّ ، والسنّة النبويّة ـ اضطرّوا إلى تصحيح شرعيّتها من طريق الإجماع ، فقالوا :

أوّلا : إنّ المسلمين من أهل المدينة أو أهل الحلّ والعقد منهم أجمعوا على بيعته. (٢)

وثانيا : إنّ الإمامة من الفروع لا من الأصول. (٣)

وثالثا : إنّ الإجماع حجّة في مقابل الكتاب والسنّة ، أي إنّه دليل ثالث ، غير الكتاب والسنّة. (٤)

ثمّ منه توسّعوا ، فاعتبروه دليلا في جميع المسائل الشرعيّة الفرعيّة. وسلكوا لإثبات حجّيّته ثلاثة مسالك : الكتاب ، والسنّة ، والعقل.

ومن الطبيعي ألاّ يجعلوا الإجماع من مسالكه ؛ لأنّه يؤدّي إلى إثبات الشيء بنفسه ، وهو دور باطل.

أمّا مسلك الكتاب : فآيات استدلّوا بها [وهي] لا تنهض دليلا على مقصودهم. وأولاها بالذكر آية سبيل المؤمنين ، وهي قوله (تعالى) : ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٥). فإنّها توجب اتّباع سبيل المؤمنين ، فإذا أجمع المؤمنون على حكم فهو سبيلهم ، فيجب اتّباعه. وبهذه الآية تمسّك الشافعيّ على ما نقل عنه. (٦)

ويكفينا في ردّ الاستدلال بها ما استظهره الشيخ الغزاليّ منها ؛ إذ قال : «الظاهر أنّ المراد

__________________

(١) أي للبيعة.

(٢) راجع شرح المواقف ٨ : ٣٥٣ ، شرح المقاصد ٥ : ٢٦٤ ؛ الأربعين (للرازي) : ٤٣٧ ـ ٤٣٨.

(٣) راجع شرح المواقف ٨ : ٣٤٤ ؛ شرح المقاصد ٥ : ٢٣٢.

(٤) راجع التعليقة (٦) من الصفحة : ٤٥١.

(٥) النساء (٤) الآية : ١١٥.

(٦) راجع نهاية السئول ٣ : ٢٤٨ ؛ المستصفى ١ : ١٧٥ ؛ الإحكام (للآمدي) ١ : ٢٨٦.

بها أنّ من يقاتل الرسول ويشاقّه ويتّبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه نولّه ما تولّى ؛ فكأنّه لم يكتف بترك المشاقّة حتى تنضمّ إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته ، والذبّ عنه ، والانقياد له فيما يأمر وينهى». ثمّ قال : «وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم». (١)

وهو كذلك كما استظهره.

أمّا : الآيات الأخرى فقد اعترف الغزاليّ (٢) كغيره (٣) بعدم ظهورها في حجّيّة الإجماع ، فلا نطيل بذكرها ، ومناقشة الاستدلال بها.

وأمّا مسلك السنّة : فهي أحاديث رووها بما يؤدّي مضمون الحديث «لا تجتمع أمّتي على الخطأ» (٤) ، وقد ادّعوا تواترها معنى ، فاستنبطوا منه عصمة الأمّة الإسلاميّة من الخطأ والضلالة ، (٥) ، فيكون إجماعها كقول المعصوم حجّة ومصدرا مستقلاّ لمعرفة حكم الله (تعالى).

وهذه الأحاديث (٦) ـ على تقدير التسليم بصحّتها ، وأنّها توجب العلم ؛ لتواترها معنى ـ لا تنفع في تصحيح دعواهم ؛ لأنّ المفهوم من اجتماع الأمّة كلّ الأمّة ، لا بعضها ، فلا تثبت بهذه الأحاديث عصمة البعض من الأمّة ، بينما أنّ مقصودهم من الإجماع ، إجماع خصوص الفقهاء ، أو أهل الحلّ والعقد في عصر من العصور ، بل خصوص الفقهاء المعروفين ، بل خصوص المعروفين من فقهاء طائفة خاصّة ، وهي طائفة أهل السنّة ، بل يكتفون باتّفاق جماعة ، ويطمئنّون إليهم ، كما هو الواقع في بيعة السقيفة.

فأنّى لنا أن نحصل على إجماع جميع الأمّة بجميع طوائفها وأشخاصها في جميع

__________________

(١) المستصفى ١ : ١٧٥.

(٢) المستصفى ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥.

(٣) كالشوكاني في إرشاد الفحول : ٧٦ ـ ٧٨.

(٤) لم أجده في المصادر الحديثيّة بهذه العبارة.

(٥) راجع المستصفى ١ : ١٧٥ ؛ أصول الفقه (للخضري بك) : ٢٨٦ ؛ نهاية السئول ٣ : ٢٥٩.

(٦) إن شئت فراجع المستصفى ١ : ١٧٥ ؛ الإحكام (للآمدي) ١ : ٣١٣ ؛ أصول الفقه (للخضري بك) : ٢٨٦.