درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۵: مباحث حجت ۱۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بها أنّ من يقاتل الرسول ويشاقّه ويتّبع غير سبيل المؤمنين في مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه نولّه ما تولّى ؛ فكأنّه لم يكتف بترك المشاقّة حتى تنضمّ إليه متابعة سبيل المؤمنين في نصرته ، والذبّ عنه ، والانقياد له فيما يأمر وينهى». ثمّ قال : «وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم». (١)

وهو كذلك كما استظهره.

أمّا : الآيات الأخرى فقد اعترف الغزاليّ (٢) كغيره (٣) بعدم ظهورها في حجّيّة الإجماع ، فلا نطيل بذكرها ، ومناقشة الاستدلال بها.

وأمّا مسلك السنّة : فهي أحاديث رووها بما يؤدّي مضمون الحديث «لا تجتمع أمّتي على الخطأ» (٤) ، وقد ادّعوا تواترها معنى ، فاستنبطوا منه عصمة الأمّة الإسلاميّة من الخطأ والضلالة ، (٥) ، فيكون إجماعها كقول المعصوم حجّة ومصدرا مستقلاّ لمعرفة حكم الله (تعالى).

وهذه الأحاديث (٦) ـ على تقدير التسليم بصحّتها ، وأنّها توجب العلم ؛ لتواترها معنى ـ لا تنفع في تصحيح دعواهم ؛ لأنّ المفهوم من اجتماع الأمّة كلّ الأمّة ، لا بعضها ، فلا تثبت بهذه الأحاديث عصمة البعض من الأمّة ، بينما أنّ مقصودهم من الإجماع ، إجماع خصوص الفقهاء ، أو أهل الحلّ والعقد في عصر من العصور ، بل خصوص الفقهاء المعروفين ، بل خصوص المعروفين من فقهاء طائفة خاصّة ، وهي طائفة أهل السنّة ، بل يكتفون باتّفاق جماعة ، ويطمئنّون إليهم ، كما هو الواقع في بيعة السقيفة.

فأنّى لنا أن نحصل على إجماع جميع الأمّة بجميع طوائفها وأشخاصها في جميع

__________________

(١) المستصفى ١ : ١٧٥.

(٢) المستصفى ١ : ١٧٤ ـ ١٧٥.

(٣) كالشوكاني في إرشاد الفحول : ٧٦ ـ ٧٨.

(٤) لم أجده في المصادر الحديثيّة بهذه العبارة.

(٥) راجع المستصفى ١ : ١٧٥ ؛ أصول الفقه (للخضري بك) : ٢٨٦ ؛ نهاية السئول ٣ : ٢٥٩.

(٦) إن شئت فراجع المستصفى ١ : ١٧٥ ؛ الإحكام (للآمدي) ١ : ٣١٣ ؛ أصول الفقه (للخضري بك) : ٢٨٦.

العصور إلاّ في ضروريّات الدين ، مثل وجوب الصلاة ، والزكاة ، ونحوهما. وهذه ضروريّات الدين ليست من نوع الإجماع المبحوث عنه. ولا نحتاج في إثبات الحكم بها إلى القول بحجّيّة الإجماع.

وأمّا مسلك العقل الذي عبّر عنه بعضهم (١) بالطريق المعنويّ ـ : فغاية ما يقال في توجيهه أنّ الصحابة إذا قضوا بقضيّة ، وزعموا أنّهم قاطعون بها فلا يقطعون بها إلاّ عن مستند قاطع ، وإذا كثروا كثرة تنتهي إلى حدّ التواتر فالعادة تحيل عليهم قصد الكذب ، وتحيل عليهم الغلط. فقطعهم في غير محلّ القطع محال في العادة. والتابعون وتابعو التابعين إذا قطعوا بما قطع به الصحابة ، فيستحيل في العادة أن يشذّ عن جميعهم الحقّ مع كثرتهم. (٢)

ومثل هذا الدليل يصحّ أن يناقش فيه بأنّ إجماعهم هذا إن كان يعلم بسببه قول المعصوم فلا شكّ في أنّ هذا علم قطعيّ بالحكم الواقعيّ ، فيكون حجّة ؛ لأنّه قطع بالسنّة ، ولا كلام لأحد فيه ؛ لأنّ هذا الإجماع يكون من طرق إثبات السنّة.

وأمّا : إذا لم يعلم بسببه قول المعصوم ـ كما هو المقصود من فرض الإجماع حجّة مستقلّة ، ودليلا في مقابل الكتاب والسنّة ـ فإنّ قطع المجمعين ـ مهما كانوا ـ لئن كان يستحيل في العادة قصدهم الكذب في ادّعاء القطع ، كما في الخبر المتواتر ، فإنّه لا يستحيل في حقّهم الغفلة ، أو الاشتباه ، أو الغلط ، كما لا يستحيل أن يكون إجماعهم بدافع العادة ، أو العقيدة ، أو أيّ دافع من الدوافع الأخرى التي أشرنا إليها سابقا.

ولأجل ذلك اشترطنا في التواتر الموجب للعلم ألاّ يتطرّق إليه احتمال خطأ المخبرين في فهم الحادثة ، واشتباههم ، كما شرحناه في كتاب المنطق. (٣)

ولا عجب في تطرّق احتمال الخطأ في اتّفاق الناس على رأي ، بل تطرّق الاحتمال إلى ذلك أكثر من تطرّقه إلى الاتّفاق في النقل ؛ لأنّ أسباب الاشتباه والغلط فيه أكثر.

ثمّ إنّ هذا الطريق العقليّ أو المعنويّ لو تمّ فأيّ شيء يخصّصه بخصوص الصحابة ،

__________________

(١) وهو الغزاليّ في المستصفى ١ : ١٧٩.

(٢) انتهى ملخّص ما قال الغزاليّ في توجيهه.

(٣) المنطق ٣ : ٢٨٤.

أو المسلمين ، أو علماء طائفة خاصّة ، من دون باقي الناس ، وسائر الأمم؟ إلاّ إذا ثبت من دليل آخر اختصاص المسلمين ، أو بعض منهم بمزيّة خاصّة ليست للأمم الأخرى ، وهي العصمة من الخطأ. فإذن ، ـ على هذا التقدير ـ لا يكون الدليل على الإجماع إلاّ هذا الدليل الذي يثبت العصمة للأمّة المسلمة ، أو بعضها ، لا الطريق العقلي المدّعى. وهذا رجوع إلى المسلك الأوّل والثاني ، وليس هو مسلكا مستقلاّ عنهما.

وبالختام نقول : إذا كانت هذه المسالك الثلاثة لم تتمّ لنا أدلّة على حجّيّة الإجماع من أصله من جهة أنّه إجماع فلا يظهر للإجماع قيمة من ناحية كونه حجّة ، ومصدرا للتشريع الإسلاميّ مهما بالغ الناس في الاعتماد عليه. وإنّما يصحّ الاعتماد عليه إذا كشف لنا عن قول المعصوم ، فيكون حينئذ كالخبر المتواتر الذي تثبت به السنّة. وسيأتي البحث عن ذلك. (١)

وأمّا السؤال الثاني :

فالذي يثيره أنّ ظاهر تلك المسالك الثلاثة المتقدّمة يقضي بأنّ الحجّة إنّما هو إجماع الأمّة كلّها ، أو جميع المؤمنين بدون استثناء ، فمتى ما شذّ واحد منهم ـ أيّ [مخالف] كان ـ فلا يتحقّق الإجماع الذي قام الدليل على حجّيّته ؛ فإنّه مع وجود المخالف ـ وإن كان واحدا ـ لا يحصل القطع بحجّيّة إجماع من عداه مهما كان شأنهم ؛ لأنّ العصمة ـ على تقدير ثبوتها بالأدلّة المتقدّمة ـ إنّما ثبتت لجميع الأمّة ، لا لبعضها.

ولكن ما توقّعوه من ذهابهم إلى حجّيّة الإجماع ـ وهو إثبات شرعيّة بيعة أبي بكر ـ لم يحصل لهم ؛ لأنّه قد ثبتت من طريق التواتر مخالفة عليّ عليه‌السلام وجماعة كبيرة من بني هاشم وباقي المسلمين ، ولئن التجأ أكثرهم بعد ذلك إلى البيعة ، فإنّه بقي منهم من لم يبايع حتى مات ، مثل سعد بن عبادة (قتيل الجنّ!).

ولأجل هذه المفارقة بين أدلّة الإجماع وواقعه الذي أرادوا تصحيحه كثرت الأقوال

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٤٩١.