درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۶: مباحث حجت ۱۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أو المسلمين ، أو علماء طائفة خاصّة ، من دون باقي الناس ، وسائر الأمم؟ إلاّ إذا ثبت من دليل آخر اختصاص المسلمين ، أو بعض منهم بمزيّة خاصّة ليست للأمم الأخرى ، وهي العصمة من الخطأ. فإذن ، ـ على هذا التقدير ـ لا يكون الدليل على الإجماع إلاّ هذا الدليل الذي يثبت العصمة للأمّة المسلمة ، أو بعضها ، لا الطريق العقلي المدّعى. وهذا رجوع إلى المسلك الأوّل والثاني ، وليس هو مسلكا مستقلاّ عنهما.

وبالختام نقول : إذا كانت هذه المسالك الثلاثة لم تتمّ لنا أدلّة على حجّيّة الإجماع من أصله من جهة أنّه إجماع فلا يظهر للإجماع قيمة من ناحية كونه حجّة ، ومصدرا للتشريع الإسلاميّ مهما بالغ الناس في الاعتماد عليه. وإنّما يصحّ الاعتماد عليه إذا كشف لنا عن قول المعصوم ، فيكون حينئذ كالخبر المتواتر الذي تثبت به السنّة. وسيأتي البحث عن ذلك. (١)

وأمّا السؤال الثاني :

فالذي يثيره أنّ ظاهر تلك المسالك الثلاثة المتقدّمة يقضي بأنّ الحجّة إنّما هو إجماع الأمّة كلّها ، أو جميع المؤمنين بدون استثناء ، فمتى ما شذّ واحد منهم ـ أيّ [مخالف] كان ـ فلا يتحقّق الإجماع الذي قام الدليل على حجّيّته ؛ فإنّه مع وجود المخالف ـ وإن كان واحدا ـ لا يحصل القطع بحجّيّة إجماع من عداه مهما كان شأنهم ؛ لأنّ العصمة ـ على تقدير ثبوتها بالأدلّة المتقدّمة ـ إنّما ثبتت لجميع الأمّة ، لا لبعضها.

ولكن ما توقّعوه من ذهابهم إلى حجّيّة الإجماع ـ وهو إثبات شرعيّة بيعة أبي بكر ـ لم يحصل لهم ؛ لأنّه قد ثبتت من طريق التواتر مخالفة عليّ عليه‌السلام وجماعة كبيرة من بني هاشم وباقي المسلمين ، ولئن التجأ أكثرهم بعد ذلك إلى البيعة ، فإنّه بقي منهم من لم يبايع حتى مات ، مثل سعد بن عبادة (قتيل الجنّ!).

ولأجل هذه المفارقة بين أدلّة الإجماع وواقعه الذي أرادوا تصحيحه كثرت الأقوال

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٤٩١.

في هذا الباب لتوجيهها (١) ، فقال مالك ـ على ما نسب إليه (٢) ـ : «إنّ الحجّة هو إجماع أهل المدينة فقط». وقال قوم : «الحجّة إجماع أهل الحرمين : مكّة ، والمدينة. والمصرين : الكوفة ، والبصرة (٣)». وقال قوم : «المعتبر إجماع أهل الحلّ والعقد (٤)». وقال بعض : «المعتبر إجماع الفقهاء الأصوليّين خاصّة (٥)». وقال بعض : «الاعتبار بإجماع أكثر المسلمين (٦)». واشترط بعض في المجمعين أن يحقّقوا عدد التواتر. (٧) وقال آخرون : «الاعتبار بإجماع الصحابة فقط دون غيرهم ممّن جاءوا بعد عصرهم» ، كما نسب ذلك إلى داود (٨) وشيعته (٩). إلى غير ذلك من الأقوال التي يطول ذكرها ، المنقولة في جملة من كتب الأصول. (١٠)

وكلّ هذه الأقوال تحكّمات ، لا سند لها ولا دليل ، ولا ترفع الغائلة من تلك المفارقة الصارخة. والذي دفع أولئك القائلين بتلك المقالات أمور وقعت في تأريخ بيعة الخلفاء ، يطول شرحها ، أرادوا تصحيحها بالإجماع.

هذه هي الجذور العميقة للمسألة التي أوقعت القائلين بحجّيّة الإجماع في حيص بيص لتصحيحه وتوجيهه ، وإلاّ فتلك المسالك الثلاثة ـ إن سلّمت ـ لا تدلّ على أكثر من حجّيّة

__________________

(١) أي لتوجيه الأدلّة.

(٢) نسب إليه في نهاية السئول ٣ : ٢٦٣ ، والمستصفى ١ : ١٨٧ ، والإحكام (للآمدي) ١ : ٣٤٩.

(٣) وهذا منسوب إلى زعم بعض أهل الأصول. والناسب الشوكاني في إرشاد الفحول : ٨٣.

(٤) هذا ما اختاره صاحب نهاية السئول ٣ : ٢٣٧ ، والفخر الرازي في المحصول في علم الأصول ٢ : ٣.

(٥) ذهب إليه الخضري بك في كتابه أصول الفقه : ٢٧١ و ٢٧٦.

(٦) هذا ما نسبه الآمدي إلى محمد بن جرير الطبريّ ، وأبي بكر الرازيّ ، وأبي الحسين الخيّاط ، وأحمد بن حنبل. راجع الإحكام (للآمدي) ١ : ٣٣٦.

(٧) وهذا القول نسبه الآمدي إلى من استدلّ على حجيّة الإجماع بدلالة العقل ، كإمام الحرمين ، راجع الإحكام ١ : ٣٥٨.

(٨) وهو أبو سفيان داود بن خلف الأصبهاني ، المعروف بالظاهرىّ ، وهو إمام الظاهريّة.

(٩) نسب إليه ، وإلى ابن حيّان ، وأحمد بن حنبل في إرشاد الفحول : ٨١ ـ ٨٢ ، وفواتح الرحموت «المطبوع بهامش المستصفى ٢ : ٢٢٠».

ونسب إليه وشيعته في المستصفى ١ : ١٨٩ ، والإحكام (للآمدي) ١ : ٣٢٨.

(١٠) راجع بعض المصادر المتقدّمة.

إجماع الكلّ بدون استثناء ، فتخصيص حجّيّته ببعض الأمّة دون بعض بلا مخصّص. نعم ، المخصّص هو الرغبة في إصلاح أصل المذهب ، والمحافظة عليه على كلّ حال.

الإجماع عند الإماميّة

إنّ الإجماع بما هو إجماع لا قيمة علميّة له عند الإماميّة ما لم يكشف عن قول المعصوم ، كما تقدّم وجهه (١). فإذا كشف على نحو القطع عن قوله فالحجّة في الحقيقة هو المنكشف لا الكاشف ، فيدخل حينئذ في السنّة ، ولا يكون دليلا مستقلاّ في مقابلها.

وقد تقدّم أنّه لم تثبت عندنا عصمة الأمّة عن الخطأ ، (٢) وإنّما أقصى ما يثبت عندنا من اتّفاق الأمّة أنّه يكشف عن رأي من له العصمة ، فالعصمة في المنكشف لا في الكاشف.

وعلى هذا ، فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر ، الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم ، فكما أنّ الخبر المتواتر ليس بنفسه دليلا على الحكم الشرعيّ رأسا ، بل هو دليل على الدليل (٣) على الحكم ، فكذلك الإجماع ليس بنفسه دليلا ، بل هو دليل على الدليل.

غاية الأمر أنّ هناك فرقا بين الإجماع والخبر المتواتر : إنّ الخبر دليل لفظيّ على قول المعصوم ، أي إنّه يثبت به نفس كلام المعصوم ولفظه فيما إذا كان التواتر للّفظ.

أمّا : الإجماع فهو دليل قطعيّ على نفس رأي المعصوم ، لا على لفظ خاصّ له ؛ لأنّه لا يثبت به ـ في أيّ حال ـ أنّ المعصوم قد تلفّظ بلفظ خاصّ معيّن في بيانه للحكم ؛ ولأجل هذا يسمّى الإجماع بـ «الدليل اللبّيّ» ، نظير الدليل العقليّ. يعني : أنّه يثبت بهما نفس المعنى والمضمون من الحكم الشرعيّ الذي هو كاللبّ بالنسبة إلى اللفظ الحاكي عنه الذي هو كالقشر له.

والثمرة بين الدليل اللفظيّ واللبّيّ تظهر في المخصّص إذا كان لبّيّا أو لفظيّا ، على ما ذكره الشيخ الأنصاريّ ـ كما تقدّم ـ (٤) لذهابه إلى جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة

__________________

(١ و ٢). تقدّم في الصفحة : ٤٤٥ ـ ٤٤٨.

(٣) وهو قول المعصوم مثلا. فالخبر المتواتر كاشف عن قول المعصوم ـ مثلا ـ الذي هو الدليل على الحكم الشرعيّ.

(٤) تقدّم في المقصد الأوّل : ١٦٥.

المصداقيّة ، إذا كان المخصّص لبّيّا ، دون ما إذا كان لفظيا. (١)

وإذا كان الإجماع حجّة من جهة كشفه عن قول المعصوم فلا يجب فيه اتّفاق الجميع بغير استثناء ، كما هو مصطلح أهل السنّة على مبناهم ، بل يكفي اتّفاق كلّ من يستكشف من اتّفاقهم قول المعصوم ، كثروا أم قلّوا ، إذا كان العلم باتّفاقهم يستلزم العلم بقول المعصوم ، كما صرّح بذلك جماعة من علمائنا.

قال المحقّق في «المعتبر» ـ بعد أن أناط حجّيّة الإجماع بدخول المعصوم ـ : «فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجّة ، ولو حصل في اثنين كان قولهما حجّة» (٢).

وقال السيّد المرتضى ـ على ما نقل عنه ـ : «إذا كان علّة كون الإجماع حجّة كون الإمام فيهم فكلّ جماعة ـ كثرت أو قلّت ـ كان الإمام في أقوالها فإجماعها حجّة». (٣)

إلى غير ذلك من التصريحات المنقولة عن جماعة كثيرة من علمائنا. (٤) ولكن سيأتي أنّه على بعض المسالك في الإجماع لا بدّ من إحراز اتّفاق الجميع. (٥)

وعلى هذا ، فيكون تسمية اتّفاق جماعة من علماء الإماميّة بالإجماع مسامحة ظاهرة ؛ فإنّ الإجماع حقيقة عرفيّة في اتّفاق جميع العلماء من المسلمين على حكم شرعيّ. ولا يلزم من كون مثل اتّفاق الجماعة القليلة حجّة أن يصحّ تسميتها بالإجماع. ولكن قد شاع هذا التسامح في لسان الخاصّة من علماء الإماميّة على وجه أصبح لهم اصطلاح آخر فيه ، فيراد من الإجماع عندهم كلّ اتّفاق يستكشف منه قول المعصوم ، سواء كان اتّفاق الجميع أو البعض ، فيعمّ القسمين.

والخلاصة [أنّ] التي نريد أن ننصّ عليها ، وتعنينا من البحث أنّ الإجماع إنّما يكون حجّة إذا علم بسببه ـ على سبيل القطع ـ قول المعصوم ، فما لم يحصل العلم بقوله ـ وإن

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٩٤ ، ولكن في نسبته إليه نظر ، كما مرّ في التعليقة (٢) من الصفحة ١٦٥.

(٢) المعتبر في شرح المختصر ١ : ٦.

(٣) انتهى كلامه ملخّصا على ما نقل عنه الشيخ الأنصاريّ في : فرائد الأصول ١ : ٨٠ ، وراجع كلامه في الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٦٣٠.

(٤) وإن شئت فراجع فرائد الأصول ١ : ٧٩ ـ ٨٠.

(٥) وهو مسلك الحدس ، كما يأتي في الصفحة : ٣٦١.