درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۷: مباحث حجت ۱۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المصداقيّة ، إذا كان المخصّص لبّيّا ، دون ما إذا كان لفظيا. (١)

وإذا كان الإجماع حجّة من جهة كشفه عن قول المعصوم فلا يجب فيه اتّفاق الجميع بغير استثناء ، كما هو مصطلح أهل السنّة على مبناهم ، بل يكفي اتّفاق كلّ من يستكشف من اتّفاقهم قول المعصوم ، كثروا أم قلّوا ، إذا كان العلم باتّفاقهم يستلزم العلم بقول المعصوم ، كما صرّح بذلك جماعة من علمائنا.

قال المحقّق في «المعتبر» ـ بعد أن أناط حجّيّة الإجماع بدخول المعصوم ـ : «فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجّة ، ولو حصل في اثنين كان قولهما حجّة» (٢).

وقال السيّد المرتضى ـ على ما نقل عنه ـ : «إذا كان علّة كون الإجماع حجّة كون الإمام فيهم فكلّ جماعة ـ كثرت أو قلّت ـ كان الإمام في أقوالها فإجماعها حجّة». (٣)

إلى غير ذلك من التصريحات المنقولة عن جماعة كثيرة من علمائنا. (٤) ولكن سيأتي أنّه على بعض المسالك في الإجماع لا بدّ من إحراز اتّفاق الجميع. (٥)

وعلى هذا ، فيكون تسمية اتّفاق جماعة من علماء الإماميّة بالإجماع مسامحة ظاهرة ؛ فإنّ الإجماع حقيقة عرفيّة في اتّفاق جميع العلماء من المسلمين على حكم شرعيّ. ولا يلزم من كون مثل اتّفاق الجماعة القليلة حجّة أن يصحّ تسميتها بالإجماع. ولكن قد شاع هذا التسامح في لسان الخاصّة من علماء الإماميّة على وجه أصبح لهم اصطلاح آخر فيه ، فيراد من الإجماع عندهم كلّ اتّفاق يستكشف منه قول المعصوم ، سواء كان اتّفاق الجميع أو البعض ، فيعمّ القسمين.

والخلاصة [أنّ] التي نريد أن ننصّ عليها ، وتعنينا من البحث أنّ الإجماع إنّما يكون حجّة إذا علم بسببه ـ على سبيل القطع ـ قول المعصوم ، فما لم يحصل العلم بقوله ـ وإن

__________________

(١) مطارح الأنظار : ١٩٤ ، ولكن في نسبته إليه نظر ، كما مرّ في التعليقة (٢) من الصفحة ١٦٥.

(٢) المعتبر في شرح المختصر ١ : ٦.

(٣) انتهى كلامه ملخّصا على ما نقل عنه الشيخ الأنصاريّ في : فرائد الأصول ١ : ٨٠ ، وراجع كلامه في الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٦٣٠.

(٤) وإن شئت فراجع فرائد الأصول ١ : ٧٩ ـ ٨٠.

(٥) وهو مسلك الحدس ، كما يأتي في الصفحة : ٣٦١.

حصل الظنّ منه ـ فلا قيمة له عندنا ، ولا دليل على حجّيّة مثله.

أمّا : كيف يستكشف من الإجماع على سبيل القطع قول المعصوم؟ فهذا ما ينبغي البحث عنه. وقد ذكروا لذلك طرائق ، أنهاها المحقّق الشيخ أسد الله التستريّ في رسالته في المواسعة والمضايقة ـ على ما نقل عنه (١) ـ إلى اثنتي عشرة طريقة. ونحن نكتفي بذكر الطرائق المعروفة ، وهي ثلاث ، بل أربع :

١. طريقة الحسّ : وبها يسمّى الإجماع «الإجماع الدخوليّ» ، وتسمّى «الطريقة التضمّنيّة». وهي الطريقة المعروفة عند قدماء الأصحاب التي اختارها السيّد المرتضى (٢) وجماعة سلكوا مسلكه (٣).

وحاصلها : أن يعلم بدخول الإمام في ضمن المجمعين على سبيل القطع ، من دون أن يعرف بشخصه من بينهم.

وهذه الطريقة إنّما تتصوّر إذا استقصى الشخص المحصّل للإجماع بنفسه وتتبّع أقوال العلماء فعرف اتّفاقهم ، ووجد من بينها أقوالا متميّزة معلومة لأشخاص مجهولين ، حتى حصل له العلم بأنّ الإمام من جملة أولئك المتّفقين ؛ أو يتواتر لديهم النقل عن أهل بلد أو عصر فعلم أنّ الإمام كان من جملتهم ، ولم يعلم قوله بعينه من بينهم ، فيكون من نوع الإجماع المنقول بالتواتر.

ومن الواضح أنّ هذه الطريقة لا تتحقّق غالبا إلاّ لمن كان موجودا في عصر الإمام. أمّا : بالنسبة إلى العصور المتأخّرة فبعيدة التحقّق ، لا سيّما في الصورة الأولى ، وهي السماع من نفس الإمام.

وقد ذكروا أنّه لا يضرّ في حجّيّة الإجماع ـ على هذه الطريقة ـ مخالفة معلوم النسب ، وإن كثروا ممّن يعلم أنّه غير الإمام ، بخلاف مجهول النسب ، على وجه يحتمل أنّه الإمام ؛ فإنّه في هذه الصورة لا يتحقّق العلم بدخول الإمام في المجمعين.

__________________

(١) والناقل هو العلاّمة الآشتياني في بحر الفوائد : ١٢٣.

(٢) رسائل الشريف المرتضى ١ : ١٨ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٦٢٦.

(٣) كالشيخ المفيد ، والشيخ الطوسيّ ، والسيد الرضيّ على ما في فرائد الأصول ١ : ٨٣.

٢. طريقة قاعدة اللطف : وهي أن يستكشف عقلا رأي المعصوم من اتّفاق من عداه (١) من العلماء الموجودين في عصره خاصّة ، أو في العصور المتأخّرة ، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة ، خفيّة أو ظاهرة ، إمّا بظهوره نفسه ، أو بإظهار من يبيّن الحقّ في المسألة. فإنّ قاعدة اللطف ـ كما اقتضت نصب الإمام وعصمته ـ تقتضي أيضا أن يظهر الإمام الحقّ في المسألة التي يتّفق المفتون فيها على خلاف الحقّ ، وإلاّ للزم سقوط التكليف بذلك الحكم ، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه ونصب لأجله ، وهو تبليغ الأحكام المنزّلة.

وهذه الطريقة هي التي اختارها الشيخ الطوسيّ ، ومن تبعه ، (٢) بل يرى انحصار استكشاف قول الإمام من الإجماع فيها. وربما يستظهر من كلام السيّد المرتضى ـ المنقول في «العدّة» (٣) عنه في ردّ هذه الطريقة ـ كونها معروفة قبل الشيخ أيضا.

ولازم هذه الطريقة عدم قدح المخالفة مطلقا ، سواء كانت من معلوم النسب ، أو مجهوله ، مع العلم بعدم كونه الإمام ، ولم يكن معه برهان يدلّ على صحّة فتواه.

ولازم هذه الطريقة أيضا عدم كشف الإجماع إذا كان هناك آية ، أو سنّة قطعيّة على خلاف المجمعين ، وإن لم يفهموا دلالتها على الخلاف ؛ إذ يجوز أن يكون الإمام قد اعتمد عليها في تبليغ الحقّ.

٣. طريقة الحدس : وهي أن يقطع بكون ما اتّفق عليه فقهاء الإماميّة وصل إليهم من رئيسهم وإمامهم يدا بيد ، فإنّ اتّفاقهم ـ مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل ـ يعلم منه أنّ الاتّفاق كان مستندا إلى رأي إمامهم ، لا عن اختراع للرأي من تلقاء أنفسهم اتّباعا للأهواء ؛ أو استقلالا بالفهم. كما يكون ذلك في اتّفاق أتباع سائر ذوي الآراء والمذاهب ، فإنّه لا نشكّ فيها أنّها مأخوذة من متبوعهم ورئيسهم الذي يرجعون إليه.

والذي يظهر ، أنّه قد ذهب إلى هذه الطريقة أكثر المتأخّرين. (٤) ولازمها أنّ الاتّفاق

__________________

(١) أي عدا المعصوم.

(٢) العدّة ٢ : ٦٢٩ ـ ٦٣١.

(٣) العدّة ٢ : ٦٣١.

(٤) منهم المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٣٣١ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٧٩.