درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۸: مباحث حجت ۲۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٢. طريقة قاعدة اللطف : وهي أن يستكشف عقلا رأي المعصوم من اتّفاق من عداه (١) من العلماء الموجودين في عصره خاصّة ، أو في العصور المتأخّرة ، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة ، خفيّة أو ظاهرة ، إمّا بظهوره نفسه ، أو بإظهار من يبيّن الحقّ في المسألة. فإنّ قاعدة اللطف ـ كما اقتضت نصب الإمام وعصمته ـ تقتضي أيضا أن يظهر الإمام الحقّ في المسألة التي يتّفق المفتون فيها على خلاف الحقّ ، وإلاّ للزم سقوط التكليف بذلك الحكم ، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه ونصب لأجله ، وهو تبليغ الأحكام المنزّلة.

وهذه الطريقة هي التي اختارها الشيخ الطوسيّ ، ومن تبعه ، (٢) بل يرى انحصار استكشاف قول الإمام من الإجماع فيها. وربما يستظهر من كلام السيّد المرتضى ـ المنقول في «العدّة» (٣) عنه في ردّ هذه الطريقة ـ كونها معروفة قبل الشيخ أيضا.

ولازم هذه الطريقة عدم قدح المخالفة مطلقا ، سواء كانت من معلوم النسب ، أو مجهوله ، مع العلم بعدم كونه الإمام ، ولم يكن معه برهان يدلّ على صحّة فتواه.

ولازم هذه الطريقة أيضا عدم كشف الإجماع إذا كان هناك آية ، أو سنّة قطعيّة على خلاف المجمعين ، وإن لم يفهموا دلالتها على الخلاف ؛ إذ يجوز أن يكون الإمام قد اعتمد عليها في تبليغ الحقّ.

٣. طريقة الحدس : وهي أن يقطع بكون ما اتّفق عليه فقهاء الإماميّة وصل إليهم من رئيسهم وإمامهم يدا بيد ، فإنّ اتّفاقهم ـ مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل ـ يعلم منه أنّ الاتّفاق كان مستندا إلى رأي إمامهم ، لا عن اختراع للرأي من تلقاء أنفسهم اتّباعا للأهواء ؛ أو استقلالا بالفهم. كما يكون ذلك في اتّفاق أتباع سائر ذوي الآراء والمذاهب ، فإنّه لا نشكّ فيها أنّها مأخوذة من متبوعهم ورئيسهم الذي يرجعون إليه.

والذي يظهر ، أنّه قد ذهب إلى هذه الطريقة أكثر المتأخّرين. (٤) ولازمها أنّ الاتّفاق

__________________

(١) أي عدا المعصوم.

(٢) العدّة ٢ : ٦٢٩ ـ ٦٣١.

(٣) العدّة ٢ : ٦٣١.

(٤) منهم المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٣٣١ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٣ : ٧٩.

ينبغي أن يقع في جميع العصور من عصر الأئمّة إلى العصر الذي نحن فيه ؛ لأنّ اتّفاق أهل عصر واحد ـ مع مخالفة من تقدّم ـ يقدح في حصول القطع ، بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممّن يعتدّ بقوله ، فضلا عن مجهول النسب.

٤. طريقة التقرير : وهي أن يتحقّق الإجماع بمرأى ومسمع من المعصوم ، مع إمكان ردعهم ببيان الحقّ لهم ، ولو بإلقاء الخلاف بينهم ، فإنّ اتّفاق الفقهاء على حكم ـ والحال هذه ـ يكشف عن إقرار المعصوم لهم فيما رأوه ، وتقريرهم على ما ذهبوا إليه ؛ فيكون ذلك دليلا على أنّ ما اتّفقوا عليه هو حكم الله واقعا.

وهذه الطريقة لا تتمّ إلاّ مع إحراز جميع شروط التقرير التي قد تقدّم الكلام عليها في مبحث السنّة. (١) ومع إحراز جميع الشروط لا شكّ في استكشاف موافقة المعصوم ، بل بيان الحكم من شخص واحد بمرأى ومسمع من المعصوم ، مع إمكان ردعه وسكوته عنه يكون سكوته تقريرا كاشفا عن موافقته. ولكنّ المهمّ أن يثبت لنا أنّ الإجماع في عصر الغيبة هل يتحقّق فيه إمكان الردع من الإمام ، ولو بإلقاء الخلاف؟ أو هل يجب على الإمام بيان الحكم الواقعيّ والحال هذه؟ وسيأتي ما ينفع في المقام. (٢)

هذه خلاصة ما قيل من الوجوه المعروفة في استنتاج قول الإمام من الإجماع. (٣)

وقد يحصل للإنسان ـ المتتبّع لأقوال العلماء ، المحصّل لإجماعهم ـ بعض الوجوه دون البعض ـ أي لا يجب في كلّ إجماع أن يبتنى على وجه واحد من هذه الوجوه ـ ؛ وإن كان السيّد المرتضى يرى انحصاره في الطريقة الأولى (الطريقة التضمّنيّة) ـ أي الإجماع الدخوليّ ـ ، والشيخ الطوسيّ يرى انحصاره (٤) في الطريقة الثانية (طريقة قاعدة اللطف).

وعلى كلّ حال ، فإنّ الإجماع إنّما يكون حجّة إذا كشف كشفا قطعيّا عن قول المعصوم من أيّ سبب كان ، وعلى أيّة طريقة حصل ، فليس من الضروريّ أن نفرض حصوله من

__________________

(١) راجع الصفحة : ٤٢٣.

(٢) يأتي في الصفحة : ٤٦٦.

(٣) ومنها أيضا التشرّف بخدمة الإمام عليه‌السلام ، ومعرفة رأيه ، فينقل الحكم معنونا بالإجماع لبعض الأغراض.

(٤) وفي «س» : وحصره الشيخ الطوسيّ.

طريقة مخصوصة من هذه الطرائق ، أو نحوها ، بل المناط حصول القطع بقول المعصوم.

والتحقيق أنّه يندر حصول القطع بقول المعصوم من الإجماع المحصّل ندرة لا تبقى معها قيمة لأكثر الإجماعات التي نحصّلها ، بل لجميعها بالنسبة إلى عصور الغيبة. وتفصيل ذلك أن نقول ببرهان السبر والتقسيم : إنّ المجمعين إمّا أن يكون رأيهم ـ الذي اتّفقوا عليه ـ بغير مستند ودليل ، أو عن مستند ودليل. لا يصحّ الفرض الأوّل ؛ لأنّ ذلك مستحيل عادة في حقّهم ، ولو جاز ذلك في حقّهم فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحقّ. فيتعيّن الفرض الثاني ، وهو أن يكون لهم مدرك خفي علينا وظهر لهم.

ومدارك الأحكام منحصرة عند الإماميّة في أربعة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والدليل العقليّ. ولا يصحّ أن يكون مدركهم ما عدا السنّة من هذه الأربعة.

أمّا الكتاب : فإنّما لا يصحّ أن يكون مدركهم ؛ فلأجل أنّ القرآن الكريم بين أيدينا مقروء ومفهوم ، فلا يمكن فرض آية منه خفيت علينا ، وظهرت لهم. ولو فرض أنّهم فهموا من آية شيئا خفي علينا وجهه فإنّ فهمهم ليس حجّة علينا ، فإجماعهم لو استند إلى ذلك لا يكون موجبا للقطع بالحكم الواقعيّ ، أو موجبا لقيام الحجّة علينا. فلا ينفع مثل هذا الإجماع.

وأمّا الإجماع : فواضح أنّه لا يصحّ أن يكون مدركا لهم ؛ لأنّ هذا الإجماع ـ الذي صار مدركا للإجماع ـ ننقل الكلام إليه أيضا ، فنسأل عن مدركه ، فلا بدّ أن ينتهي إلى غيره من المدارك الأخرى.

وأمّا الدليل العقليّ : فأوضح ؛ لأنّه لا تتصوّر هناك قضيّة عقليّة يتوصّل بها إلى حكم شرعيّ كانت مستورة علينا ، وظهرت لهم ؛ ضرورة أنّه لا بدّ في القضيّة العقليّة ـ التي يتوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ ـ أن تتطابق عليها آراء جميع العقلاء ، وإلاّ فلا يصحّ التوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ. فلو أنّ المجمعين كانوا قد تمسّكوا بقضيّة عقليّة ليست بهذه المثابة فلا تبقى قيمة لآرائهم حتى يستكشف منها الحقّ وموافقة الإمام ؛ لأنّهم يكونون كمن لا مدرك لهم.

فانحصر مدركهم في جميع الأحوال في «السنّة».