درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۳۹: مباحث حجت ۲۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

والاستناد إلى السنّة يتصوّر على وجهين :

١. أن يسمع المجمعون أو بعضهم الحكم من المعصوم مشافهة ، أو يرون فعله ، أو تقريره. وهذا بالنسبة إلى عصرنا لا سبيل فيه حتى إلى الظنّ به ، فضلا عن القطع ، وإن احتمل إمكان مشافهة بعض الأبدال من العلماء للإمام. بل الحال كذلك ، حتى بالنسبة إلى من هم في عصر المعصومين ، أي إنّه لا يحصل القطع فيه لنا بمشافهتهم للمعصوم ؛ لاحتمال أنّهم استندوا إلى رواية وثقوا بها ، وإن كان احتمال المشافهة قريبا جدّا ، بل هي مظنونة.

على أنّه لا مجال ـ بالنسبة إلينا ـ لتحصيل إجماع الفقهاء الموجودين في تلك العصور ؛ إذ ليست آراؤهم مدوّنة ، وكلّ ما دوّنوه هي الأحاديث التي ذكروها في أصولهم المعروفة بالأصول الأربعمائة.

٢. أن يستند المجمعون إلى رواية عن المعصوم. ولا مجال في هذا الإجماع لإفادته القطع بالحكم ، أو كشفه عن الحجّة الشرعيّة من جهة السند ، والدلالة معا.

أمّا : من جهة السند فلاحتمال أنّ المجمعين كانوا متّفقين على اعتبار الخبر الموثّق ، أو الحسن ، فمن لا يرى حجّيّتهما لا مجال له في الاستناد إلى مثله. فمن أين يحصل لنا العلم بأنّهم استندوا إلى ما هو حجّة باتّفاق الجميع؟

وأمّا : من جهة الدلالة فلاحتمال أن يكون ذلك الخبر المفروض ـ لو فرض أنّه حجّة من جهة السند ـ ليس نصّا في الحكم ، ولا ينفع أن يكون ظاهرا عندهم في الحكم ، فإنّ ظهور دليل عند قوم لا يستلزم أن يكون ظاهرا لدى كلّ أحد ، وفهم قوم ليس حجّة على غيرهم. ألا ترى أنّ المتقدّمين اشتهر عندهم استفادة النجاسة من أخبار البئر ، واشتهر عند المتأخّرين عكس ذلك ، ابتداء من العلاّمة الحلّي؟ فلعلّ الخبر الذي كان مدركا لهم ليس ظاهرا عندنا لو اطّلعنا عليه.

إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ الإجماع لا يستلزم القطع بقول المعصوم عدا الإجماع الدخوليّ وهو بالنسبة إلينا غير عمليّ.

وأمّا : القول بأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الإمام موافقا لرأي المجمعين وإن استند المجمعون إلى خبر الواحد الذي ربما لا تثبت لنا حجّيّته من جهة السند أو الدلالة

لو اطّلعنا عليه ؛ فإنّنا لم نتحقّق جريان هذه القاعدة في المقام ؛ وفاقا لما ذهب إليه الشيخ الأعظم الأنصاريّ (١) وغيره ، (٢) بالرغم من تعويل الشيخ الطوسيّ وأتباعه عليها ؛ (٣) لأنّ السبب الذي يدعو إلى اختفاء الإمام ، واحتجاب نفعه ـ مع ما فيه (٤) من تفويت لأعظم المصالح النوعيّة للبشر ـ هو نفسه قد يدعو إلى احتجاب حكم الله عند إجماع العلماء على حكم مخالف للواقع ، لا سيّما إذا كان الإجماع من أهل عصر واحد. ولا يلزم من ذلك إخلال الإمام بالواجب عليه ، وهو تبليغ الأحكام ؛ لأنّ الاحتجاب ليس من سببه.

وعلى هذا ، فمن أين يحصل لنا القطع بأنّه لا بدّ للإمام من إظهار الحقّ في حال غيبته عند حصول إجماع مخالف للواقع؟

وللمشكّك أن يزيد على ذلك ، فيقول : لما ذا لا تقتضي هذه القاعدة أن يظهر الإمام الحقّ ، حتى في صورة الخلاف ، لا سيّما أنّ بعض المسائل الخلافيّة قد يقع فيها أكثر الناس في مخالفة الواقع؟ بل لو أحصينا المسائل الخلافيّة في الفقه ـ التي هي الأكثر من مسائله ـ لوجدنا أنّ كثيرا من الناس لا محالة واقعون في مخالفة الواقع ، فلما ذا لا يجب على الإمام هنا تبليغ الأحكام ، ليقلّ الخلاف ، أو ينعدم ، وبه نجاة المؤمنين من الوقوع في مخالفة الواقع؟

وإذا جاء الاحتمال لا يبقى مجال لاستلزام الإجماع القطع بقول المعصوم من جهة قاعدة اللطف.

وأمّا : مسلك الحدس ، فإنّ عهدة دعواه على مدّعيها ، وليس من السهل حصول القطع للإنسان في ذلك ، إلاّ أن يبلغ الاتّفاق درجة يكون الحكم فيه من ضروريّات الدين ، أو المذهب ، أو قريبا من ذلك عند ما يحرز اتّفاق جميع العلماء في جميع العصور بغير استثناء ، فإنّ مثل هذا الاتّفاق يستلزم عادة موافقته لقول الإمام ، وإن كان مستند المجمعين خبر الواحد ، أو الأصل.

وكذلك يلحق بالحدس مسلك التقرير ونحوه ممّا هو من هذا القبيل.

__________________

(١) فرائد الأصول ١ : ٨٤.

(٢) كالمحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٣٣٤.

(٣) العدّة ٢ : ٦٢٩ ـ ٦٣١.

(٤) أي في اختفاء الإمام واحتجابه.

وعلى كلّ حال ، لم تبق لنا ثقة بالإجماع فيما بعد عصر الإمام في استفادة قول الإمام على سبيل القطع واليقين.

الإجماع المنقول

إنّ الإجماع ـ في الاصطلاح ـ ينقسم إلى قسمين :

١. الإجماع المحصّل : والمقصود به الإجماع الذي يحصّله الفقيه بنفسه بتتبّع أقوال أهل الفتوى. وهو الذي تقدّم البحث عنه.

٢. الإجماع المنقول : والمقصود به الإجماع الذي لم يحصّله الفقيه بنفسه ، وإنّما ينقله له من حصّله من الفقهاء ، سواء كان النقل له بواسطة ، أم بوسائط.

ثمّ النقل تارة يقع على نحو التواتر ؛ وهذا حكمه حكم المحصّل من جهة الحجّيّة.

وأخرى يقع على نحو خبر الواحد. وإذا أطلق قول «الإجماع المنقول» في لسان الأصوليين فالمراد منه هذا الأخير.

وقد وقع الخلاف بينهم في حجّيّته على أقوال.

ولكنّ الذي يظهر أنّهم متّفقون على حجّيّة نقل الإجماع الدخوليّ ، وهو الإجماع الذي يعلم فيه من حال الناقل أنّه تتّبع فتاوى من نقل اتّفاقهم حتى المعصوم ، فيدخل المعصوم في جملة المجمعين. وينبغي أن يتّفقوا على ذلك ؛ لأنّه لا يشترط في حجّيّة خبر الواحد معرفة المعصوم تفصيلا حين سماع الناقل منه ، وهذا الناقل ـ حسب الفرض ـ قد نقل عن المعصوم بلا واسطة وإن لم يعرفه بالتفصيل. غير أنّ الإجماع الدخوليّ ممّا يعلم عدم وقوع نقله ، لا سيّما في العصور المتأخّرة عن عصر الأئمّة ، بل لم يعهد من الناقلين للإجماع من ينقله على هذا الوجه ويدّعي ذلك.

وعليه ، فموضع الخلاف منحصر في حجّيّة الإجماع المنقول ، غير الإجماع الدخوليّ ، وهو ـ كما قلنا ـ على أقوال :

١. إنّه حجّة مطلقا ؛ لأنّه خبر واحد. (١)

__________________

(١) هذا يظهر من الفصول الغرويّة : ٢٥٨ ـ ٢٥٩ ، ومعالم الدين : ١٩٩.