درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۰: مباحث حجت ۲۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وعلى كلّ حال ، لم تبق لنا ثقة بالإجماع فيما بعد عصر الإمام في استفادة قول الإمام على سبيل القطع واليقين.

الإجماع المنقول

إنّ الإجماع ـ في الاصطلاح ـ ينقسم إلى قسمين :

١. الإجماع المحصّل : والمقصود به الإجماع الذي يحصّله الفقيه بنفسه بتتبّع أقوال أهل الفتوى. وهو الذي تقدّم البحث عنه.

٢. الإجماع المنقول : والمقصود به الإجماع الذي لم يحصّله الفقيه بنفسه ، وإنّما ينقله له من حصّله من الفقهاء ، سواء كان النقل له بواسطة ، أم بوسائط.

ثمّ النقل تارة يقع على نحو التواتر ؛ وهذا حكمه حكم المحصّل من جهة الحجّيّة.

وأخرى يقع على نحو خبر الواحد. وإذا أطلق قول «الإجماع المنقول» في لسان الأصوليين فالمراد منه هذا الأخير.

وقد وقع الخلاف بينهم في حجّيّته على أقوال.

ولكنّ الذي يظهر أنّهم متّفقون على حجّيّة نقل الإجماع الدخوليّ ، وهو الإجماع الذي يعلم فيه من حال الناقل أنّه تتّبع فتاوى من نقل اتّفاقهم حتى المعصوم ، فيدخل المعصوم في جملة المجمعين. وينبغي أن يتّفقوا على ذلك ؛ لأنّه لا يشترط في حجّيّة خبر الواحد معرفة المعصوم تفصيلا حين سماع الناقل منه ، وهذا الناقل ـ حسب الفرض ـ قد نقل عن المعصوم بلا واسطة وإن لم يعرفه بالتفصيل. غير أنّ الإجماع الدخوليّ ممّا يعلم عدم وقوع نقله ، لا سيّما في العصور المتأخّرة عن عصر الأئمّة ، بل لم يعهد من الناقلين للإجماع من ينقله على هذا الوجه ويدّعي ذلك.

وعليه ، فموضع الخلاف منحصر في حجّيّة الإجماع المنقول ، غير الإجماع الدخوليّ ، وهو ـ كما قلنا ـ على أقوال :

١. إنّه حجّة مطلقا ؛ لأنّه خبر واحد. (١)

__________________

(١) هذا يظهر من الفصول الغرويّة : ٢٥٨ ـ ٢٥٩ ، ومعالم الدين : ١٩٩.

٢. إنّه ليس بحجّة مطلقا ؛ لأنّه لا يدخل في أفراد خبر الواحد من جهة كونه حجّة. (١)

٣. التفصيل بين نقل إجماع جميع الفقهاء في جميع العصور الذي يعلم فيه من طريق الحدس قول المعصوم ، فيكون حجّة ، وبين غيره من الإجماعات المنقولة التي يستكشف منها بقاعدة اللطف أو نحوها قول المعصوم ، فلا يكون حجّة. وإلى هذا التفصيل مال الشيخ الأعظم الأنصاريّ. (٢)

وسرّ الخلاف في المسألة يكمن في أنّ أدلّة خبر الواحد ـ من جهة أنّها تدلّ على وجوب التعبّد بالخبر ـ لا تشمل كلّ خبر عن أيّ شيء كان ، بل مختصّة بالخبر الحاكي عن حكم شرعيّ ، أو عن ذي أثر شرعيّ ، ليصحّ أن يتعبّدنا الشارع به ، وإلاّ فالمحكيّ بالخبر إذا لم يكن حكما شرعيّا ، أو ذا أثر شرعيّ لا معنى للتعبّد به ، فلا يكون مشمولا لأدلّة حجّيّة خبر الواحد.

ومن المعلوم أنّ الإجماع المنقول ـ غير الإجماع الدخوليّ ـ إنّما المحكيّ به بالمطابقة نفس أقوال العلماء ، وأقوال العلماء في أنفسها ـ بما هي أقوال علماء ـ ليست حكما شرعيّا ، ولا ذات أثر شرعيّ.

وعليه ، فنقل أقوال العلماء من جهة كونها أقوال علماء لا يصحّ أن يكون مشمولا لأدلّة خبر الواحد. وإنّما يصحّ أن يكون مشمولا لها إذا كشف هذا النقل عن الحكم الصادر عن المعصوم ، ليصحّ التعبّد به.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : إن ثبت لدينا أنّه يكفي في صحّة التعبّد بالخبر كشفه ـ على أيّ نحو كان من الكشف ـ عن الحكم الصادر من المعصوم ، ولو باعتبار الناقل ، نظرا إلى أنّه لا يعتبر في حجّيّة الخبر حكاية نصّ ألفاظ المعصوم ؛ لأنّ المناط معرفة حكمه ، ولذا يجوز النقل بالمعنى ، فالإجماع (٣) المنقول ـ الذي هو موضع البحث ـ يكون حجّة مطلقا ؛ لأنّه

__________________

(١) قال في العدّة : «وحكي عن النظّام ، وجعفر بن حرب ، وجعفر بن مبشر ، أنّهم قالوا : الإجماع ليس بحجّة». العدّة ٢ : ٦٠١.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٨٧ و ٩٥.

(٣) جواب «إن ثبت».

كاشف وحاك عن الحكم باعتقاد الناقل ، فيكون مشمولا لأدلّة حجّيّة الخبر.

وأمّا : إن ثبت لدينا أنّ المناط في صحّة التعبّد بالخبر أن يكون حاكيا عن الحكم من طريق الحسّ ـ أي يجب أن يكون الناقل قد سمع بنفسه الحكم من المعصوم ـ ولذا لا تشمل أدلّة حجّيّة الخبر فتوى المجتهد ، وإن كان قاطعا بالحكم ، مع أنّ فتواه في الحقيقة حكاية عن الحكم بحسب اجتهاده ، فالإجماع (١) المنقول ـ الذي هو موضع البحث ـ ليس بحجّة مطلقا.

وأمّا : لو ثبت أنّ الإخبار عن حدس اللازم للإخبار عن حسّ يصحّ التعبّد به ؛ لأنّ حكمه حكم الإخبار عن حسّ بلا فرق ، فإنّ التفصيل المتقدّم في القول الثالث (٢) يكون هو الأحقّ.

وإذا اتّضح لدينا سرّ الخلاف في المسألة بقي علينا أن نفهم أيّ وجه من الوجوه المتقدّمة هو الأولى بالتصديق ، والأحقّ بالاعتماد؟ فنقول :

أوّلا : إنّ أدلّة خبر الواحد جميعها ـ من آيات ، وروايات ، وبناء عقلاء ـ أقصى دلالتها أنّها تدلّ على وجوب تصديق الثقة ، وتصويبه في نقله لغرض التعبّد بما ينقل. ولكنّها لا تدلّ على تصويبه في اعتقاده.

بيان ذلك أنّ معنى تصديق الثقة هو البناء على واقعيّة نقله ، وواقعيّة النقل تستلزم واقعيّة المنقول ، بل واقعية النقل عين واقعية المنقول ، فالقطع بواقعيّة النقل لا محالة يستلزم القطع بواقعيّة المنقول ، وكذلك البناء على واقعيّة النقل يستلزم البناء على واقعيّة المنقول.

وعليه ، فإذا كان المنقول حكما [شرعيّا] أو ذا أثر شرعيّ صحّ البناء على الخبر والتعبّد به ، بالنظر إلى هذا المنقول.

أمّا : إذا كان المنقول اعتقاد الناقل ـ كما لو أخبر شخص عن اعتقاده بحكم ـ فغاية ما يقتضي البناء على تصديق نقله هو البناء على واقعيّة اعتقاده الذي هو المنقول ، والاعتقاد في نفسه ليس حكما [شرعيّا] ، ولا ذا أثر شرعيّ.

__________________

(١) جواب «إن ثبت».

(٢) وهو قول الشيخ الأنصاريّ.