درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۳: مباحث حجت ۲۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

مقصودهم في التزهيد (١) بالعقل ، وهل تراهم يحكّمون غير عقولهم في التزهيد بالعقول؟

ويجلّي لنا عدم وضوح المقصود من الدليل العقليّ ما ذكره الشيخ المحدّث البحرانيّ في حدائقه ، وهذا نصّ عبارته :

«المقام الثالث : في دليل العقل. وفسّره بعض بالبراءة الأصليّة ، والاستصحاب.

وآخرون قصروه على الثاني. وثالث فسّره بلحن الخطاب ، وفحوى الخطاب ، ودليل الخطاب. ورابع بعد البراءة الأصليّة والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين ، المندرج فيه مقدّمة الواجب ، واستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ ، والدلالة الالتزاميّة» (٢).

ثمّ تكلّم عن كلّ منها في مطالب عدا التلازم بين الحكمين لم يتحدّث عنه. ولم يذكر من الأقوال حكم العقل في مسألة الحسن والقبح ، بينما أنّ حكم العقل المقصود ـ الذي ينبغي أن يجعل دليلا ـ هو خصوص التلازم بين الحكمين ، وحكم العقل في الحسن والقبح. وما نقله من الأقوال لم يكن دقيقا ، كما سبق بيان بعضها.

وكيفما كان ، فالذي يصلح أن يكون مرادا من الدليل العقليّ المقابل للكتاب والسنّة هو «كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعيّ». وبعبارة ثانية هو «كلّ قضيّة عقليّة يتوصّل بها إلى العلم القطعيّ بالحكم الشرعيّ». وقد صرّح بهذا المعنى جماعة من المحقّقين المتأخّرين. (٣)

وهذا أمر طبيعيّ ؛ لأنّه إذا كان الدليل العقليّ مقابلا للكتاب والسنّة فلا بدّ ألاّ يعتبر حجّة إلاّ إذا كان موجبا للقطع الذي هو حجّة بذاته ؛ فلذلك لا يصحّ أن يكون شاملا للظنون وما لا يصلح للقطع بالحكم من المقدّمات العقليّة.

ولكن هذا التحديد بهذا المقدار لا يزال مجملا ، وقد وقع خلط وخبط عظيمان في فهم هذا الأمر ؛ ولأجل أن ترفع جميع الشكوك ، والمغالطات ، والأوهام لا بدّ لنا من توضيح

__________________

(١) التزهيد : ضدّ الترغيب.

(٢) الحدائق الناضرة ١ : ٤٠ ـ ٤١.

(٣) منهم : صاحب «دروس في علم الأصول» ٢ : ٢٠٢.

الأمر بشيء من البسط ، كوضع النقاط على الحروف ، كما يقولون ، فنقول :

١. إنّه قد تقدّم (١) أنّ العقل ينقسم إلى عقل نظريّ ، وعقل عمليّ. وهذا التقسيم باعتبار ما يتعلّق به الإدراك.

فالمراد من «العقل النظريّ» إدراك ما ينبغي أن يعلم ، أي إدراك الأمور التي لها واقع.

والمراد من «العقل العمليّ» إدراك ما ينبغي أن يعمل ، أي حكمه بأنّ هذا الفعل ينبغي فعله ، أو لا ينبغي فعله.

٢. إنّه ما المراد من العقل ـ الذي نقول : إنّه حجّة ـ من هذين القسمين؟

إن كان المراد «العقل النظريّ» فلا يمكن أن يستقلّ بإدراك الأحكام الشرعيّة ابتداء ، أي لا طريق للعقل أن يعلم ـ من دون الاستعانة بالملازمة ـ أنّ هذا الفعل حكمه كذا عند الشارع. والسرّ في ذلك واضح ؛ لأنّ أحكام الله (تعالى) توقيفيّة ، فلا يمكن العلم بها إلاّ من طريق السماع من مبلّغ الأحكام ، المنصوب من قبله (تعالى) لتبليغها ؛ ضرورة أنّ أحكام الله (تعالى) ليست من القضايا الأوّليّة ، وليست ممّا تنالها المشاهدة بالبصر ونحوه من الحواسّ الظاهرة ، بل الباطنة ، وليست أيضا ممّا تنالها التجربة والحدس. وإذا كانت كذلك فكيف يمكن العلم بها من غير طريق السماع من مبلّغها؟! وشأنها في ذلك شأن سائر المجعولات التي يضعها البشر ، كاللغات ، والخطوط ، والرموز ، ونحوها.

وكذلك ملاكات الأحكام كنفس الأحكام ، لا يمكن العلم بها إلاّ من طريق السماع من مبلّغ الأحكام ؛ لأنّه ليس عندنا قاعدة مضبوطة نعرف بها أسرار أحكام الله (تعالى) وملاكاتها التي أنيطت بها الأحكام عنده (٢) ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئا.

وعلى هذا ، فمن نفى حجّيّة العقل ، وقال : «إنّ الأحكام سمعيّة لا تدرك بالعقول» فهو على حقّ ؛ إذا أراد من ذلك ما أشرنا إليه ، وهو نفي استقلال العقل النظريّ في إدراك الأحكام وملاكاتها. ولعلّ بعض منكري الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع

__________________

(١) تقدّم في المقصد الثاني : ٢٣١.

(٢) راجع ما تقدّم في المقصد الثاني : ٢٤٧.

قصد هذا المعنى ، كصاحب الفصول (١) وجماعة من الأخباريّين ، ولكن خانه التعبير عن مقصوده. (٢) وإذا كان هذا مرادهم فهو أجنبيّ عمّا نحن بصدده من كون الدليل العقليّ حجة يتوصّل به إلى الحكم الشرعيّ.

إنّنا نقصد من الدليل العقليّ حكم العقل النظريّ بالملازمة بين الحكم الثابت شرعا أو عقلا وبين حكم شرعيّ آخر ، كحكمه بالملازمة في مسألة الإجزاء ، ومقدّمة الواجب ، ونحوهما ، وكحكمه باستحالة التكليف بلا بيان ، اللازم منه حكم الشارع بالبراءة ، وكحكمه بتقديم الأهمّ في مورد التزاحم بين الحكمين المستنتج منه فعليّة حكم الأهمّ عند الله (تعالى) ، وكحكمه بوجوب مطابقة حكم الله (تعالى) لما حكم به العقلاء في الآراء المحمودة ؛ فإنّ هذه الملازمات وأمثالها أمور حقيقيّة واقعيّة يدركها العقل النظريّ بالبداهة ، أو بالكسب ؛ لكونها من الأوّليّات والفطريّات التي قياساتها معها ؛ أو لكونها تنتهي إليها ، فيعلم بها العقل على سبيل الجزم.

وإذا قطع العقل بالملازمة ـ والمفروض أنّه قاطع بثبوت الملزوم ـ فإنّه لا بدّ أن يقطع بثبوت اللازم وهو ـ أي اللازم ـ حكم الشارع ، ومع حصول القطع ، فإنّ القطع حجّة يستحيل النهي عنه ، (٣) بل به حجّيّة كلّ حجّة كما سبق بيانه. (٤)

وعليه ، فهذه الملازمات العقليّة هي كبريات القضايا العقليّة التي بضمّها إلى صغرياتها يتوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ. ولا أظنّ أحدا ـ بعد التوجّه إليها ، والالتفات إلى حقيقتها ـ يستطيع إنكارها إلاّ السوفسطائيّين الذين ينكرون الوثوق بكلّ معرفة ، حتى المحسوسات.

ولا أظنّ أنّ هذه القضايا العقليّة هي مقصودة من أنكر حجّيّتها من الأخباريّين و

__________________

(١) لا يخفى أنّ صاحب الفصول لم ينكر الملازمة مطلقا ، بل أنكر الملازمة الواقعيّة ، والتزم بالملازمة الظاهريّة. راجع الفصول : ٣٣٧.

(٢) أي : لم يف به التعبير عن مقصوده.

(٣) حقّ العبارة هكذا : «ومع حصول القطع يستحيل النهى عنه ؛ فإنّه حجّة ذاتا» ؛ فإنّ ذاتية الحجّيّة علّة لاستحالة النهي.

(٤) راجع الصفحة : ٣٧٦ ـ ٣٧٩.

غيرهم ، وإن أوهم بعض عباراتهم ذلك ؛ لعدم التمييز بين نقاط البحث.

وإذا عرفت ذلك تعرف أنّ الخلط في المقصود من إدراك العقل النظريّ ، وعدم التمييز بين ما يدركه من الأحكام ابتداء وما يدركه منها بتوسّط الملازمة ، هو سبب المحنة في هذا الاختلاف ، وسبب المغالطة التي وقع فيها بعضهم ؛ إذ نفى مطلقا إدراك العقل لحكم الشارع ، وحجّيّته ، قائلا : «إنّ أحكام الله توقيفيّة لا مسرح للعقول فيها» ، وغفل عن أنّ هذا التعليل إنّما يصلح لنفي إدراكه للحكم ابتداء وبالاستقلال ، ولا يصلح لنفي إدراكه للملازمة المستتبع لعلمه بثبوت اللازم ، وهو الحكم.

٣. هذا كلّه إذا أريد من العقل «العقل النظريّ».

وأمّا : لو أريد به «العقل العمليّ» فكذلك لا يمكن أن يستقلّ في إدراك أنّ هذا ينبغي فعله عند الشارع أو لا ينبغي ، بل لا معنى لذلك ؛ لأنّ هذا الإدراك وظيفة العقل النظريّ ؛ باعتبار أنّ كون هذا الفعل ينبغي فعله عند الشارع بالخصوص أو لا ينبغي ، من الأمور الواقعيّة التي تدرك بالعقل النظريّ ، لا بالعقل العمليّ ، وإنّما كلّ ما للعقل العمليّ من وظيفة هو أن يستقلّ بإدراك أنّ هذا الفعل في نفسه ممّا ينبغي فعله أو لا ينبغي ، مع قطع النظر عن نسبته إلى الشارع المقدّس ، أو إلى أيّ حاكم آخر ، يعني أنّ العقل العمليّ يكون هو الحاكم في الفعل ، لا حاكيا عن حاكم آخر.

وإذا حصل للعقل العمليّ هذا الإدراك جاء العقل النظريّ عقيبه ، فقد يحكم بالملازمة بين حكم العقل العمليّ وحكم الشارع ، وقد لا يحكم. ولا يحكم بالملازمة إلاّ في خصوص مورد مسألة التحسين والتقبيح العقليّين ، أي خصوص القضايا المشهورات التي تسمّى «الآراء المحمودة» ، والتي تطابقت عليها آراء العقلاء كافّة بما هم عقلاء.

وحينئذ ـ بعد حكم العقل النظريّ بالملازمة ـ يستكشف حكم الشارع على سبيل القطع ؛ لأنّه بضمّ المقدمّة العقليّة المشهورة ـ التي هي من الآراء المحمودة التي يدركها العقل العمليّ ـ إلى المقدّمة التي تتضمّن الحكم بالملازمة التي يدركها العقل النظريّ ، يحصل للعقل النظريّ العلم بأنّ الشارع له هذا الحكم ؛ لأنّه حينئذ يقطع باللازم ـ وهو الحكم ـ بعد فرض قطعه بثبوت الملزوم والملازمة.