درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۲: مباحث حجت ۲۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الباب الرابع

الدليل العقليّ

قد مضى في الجزء الثاني البحث مستوفى عن الملازمات العقليّة ، لتشخيص صغريات حجيّة [حكم] العقل (١) ـ أي لتعيين القضايا العقليّة التي يتوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ ـ وبيان ما هو الدليل العقليّ الذي يكون حجّة.

وقد حصرناها هناك في قسمين رئيسين :

الأوّل : حكم العقل بالحسن والقبح ، وهو قسم المستقلاّت العقليّة.

والثاني : حكمه بالملازمة بين حكم الشرع وحكم آخر ، وهو قسم غير المستقلاّت العقليّة.

ووعدنا هناك ببيان وجه حجّيّة الدليل العقليّ ، والآن قد حلّ الوفاء بالوعد ، ولكن قبل بيان وجه الحجّيّة لا بدّ من الكرّة (٢) بأسلوب جديد إلى البحث عن تلك القضايا العقليّة ؛ لغرض بيان الآراء فيها ، وبيان وجه حصرها ، وتعيينها فيما ذكرناه ، فنقول :

إنّ علماءنا الأصوليّين من المتقدّمين حصروا الأدلّة على الأحكام الشرعيّة في الأربعة المعروفة التي رابعها «الدليل العقلي» ، (٣) بينما أنّ بعض علماء أهل السنّة أضافوا إلى الأربعة المذكورة ؛ القياس ، ونحوه على اختلاف آرائهم (٤). ومن هنا نعرف أنّ المراد من الدليل

__________________

(١) كحكم العقل بالإجزاء ، وحكمه بتقديم الأهم ، وغيرهما.

(٢) الكرّة أي : الحملة. والمقصود هنا الرجوع إلى البحث.

(٣) فالأدلّة عندهم هي : ١ ـ الكتاب. ٢ ـ السنّة. ٣ ـ الاجماع. ٤ ـ دليل العقل. راجع مناهج الأحكام (للنراقيّ) : ٣ ؛ ضوابط الأصول : ٨ ؛ قوانين الأصول ١ : ٩.

(٤) راجع شرح العضديّ ٢ : ٤٥٣ ـ ٤٥٤ ؛ الإحكام (للآمديّ) ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧ ؛ منتهى الوصول والأمل : ٤٥ ، اللمع في أصول الفقه : ٦ ـ ٧.

العقليّ ما لا يشمل مثل القياس ، فمن ظنّ من الأخباريّين في الأصوليّين أنّهم (١) يريدون منه ما يشمل القياس [تشنيعا عليهم] ، (٢) ليس [ظنّه] في موضعه ، وهو ظنّ تأباه تصريحاتهم بعدم الاعتبار بالقياس ، ونحوه.

ومع ذلك ، فإنّه لم يظهر لي بالضبط ما كان يقصد المتقدّمون من علمائنا بالدليل العقليّ ، حتى أنّ الكثير منهم لم يذكره من الأدلّة ، أو لم يفسّره ، أو فسّره بما لا يصلح أن يكون دليلا في قبال الكتاب والسنّة.

وأقدم نصّ وجدته ما ذكره الشيخ المفيد (المتوفّى سنة ٤١٣ ه‍. ق) في رسالته الأصوليّة التي لخّصها الشيخ الكراجكيّ (٣) ؛ فإنّه لم يذكر الدليل العقليّ من جملة أدلّة الأحكام ، وإنّما ذكر أنّ أصول الأحكام ثلاثة : الكتاب ، والسنّة النبويّة ، وأقوال الأئمّة عليهم‌السلام ، ثمّ ذكر أنّ الطرق الموصلة إلى ما في هذه الأصول ثلاثة : اللسان ، والأخبار ، وأوّلها العقل ، (٤) وقال عنه : «وهو سبيل إلى معرفة حجّيّة القرآن ، ودلائل الأخبار». وهذا التصريح ـ كما ترى ـ أجنبيّ عمّا نحن في صدده.

ثمّ يأتي بعده تلميذه الشيخ الطوسيّ (المتوفّى سنة ٤٦٠ ه‍. ق) في كتابه «العدّة» الذي هو أوّل كتاب مبسّط في الأصول ، فلم يصرّح بالدليل العقليّ ، فضلا عن أن يشرحه ، أو يفرد له بحثا. وكلّ ما جاء فيه في آخر فصل منه (٥) أنّه ـ بعد أن قسّم المعلومات إلى ضروريّة ومكتسبة ، والمكتسبة إلى عقليّ وسمعيّ ـ ذكر من جملة أمثلة الضروريّ العلم بوجوب ردّ الوديعة ، وشكر المنعم ، وقبح الظلم والكذب ؛ ثمّ ذكر في معرض (٦) كلامه أنّ القتل والظلم معلوم بالعقل قبحهما ، ويريد من قبحهما تحريمهما. وذكر أيضا : فأمّا الأدلّة الموجبة للعلم ، فبالعقل يعلم كونها أدلّة ، ولا مدخل للشرع في ذلك.

__________________

(١) أي : المتقدّمين.

(٢) ما بين المعقوفين موجود في «س».

(٣) راجع كنز الفوائد : ١٨٦.

(٤) أي قال : «وأحدها : العقل».

(٥) وهو فصل في ذكر ما يعلم بالعقل والسمع. راجع العدّة ٢ : ٧٥٩ ـ ٧٦٢.

(٦) المعرض : موضع عرض الشيء وإظهاره.

وأوّل من وجدته من الأصوليّين يصرّح بالدليل العقليّ ، الشيخ ابن إدريس (المتوفّى ٥٩٨ ه‍. ق) ، فقال في السرائر : «فإذا فقدت الثلاثة ـ يعني الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ـ فالمعتمد عند المحقّقين التمسّك بدليل العقل فيها» (١). ولكنّه لم يذكر المراد منه.

ثمّ يأتي المحقّق الحليّ (المتوفّى ٦٧٦ ه‍. ق) ، فيشرح المراد منه ، فيقول في كتابه «المعتبر» (٢) ما ملخّصه :

وأمّا الدليل العقليّ فقسمان :

(أحدهما) : ما يتوقّف فيه على الخطاب ، وهو ثلاثة : لحن الخطاب ، وفحوى الخطاب ، ودليل الخطاب.

وثانيهما : ما ينفرد العقل بالدلالة عليه.

ويحصره في وجوه الحسن والقبح ، بما لا يخلو من المناقشة في أمثلته.

ويزيد عليه الشهيد الأوّل (المتوفّى سنة ٧٨٦ ه‍. ق) في مقدّمة كتابه «الذكرى» ، (٣) فيجعل القسم الأوّل ما يشمل الأنواع الثلاثة التي ذكرها المحقّق ، وثلاثة أخرى ، وهي مقدّمة الواجب ، ومسألة الضدّ ، وأصل الإباحة في المنافع والحرمة في المضارّ. ويجعل القسم الثاني ما يشمل ما ذكره المحقّق ، وأربعة أخرى ، وهي : البراءة الأصليّة ، وما لا دليل عليه ، والأخذ بالأقلّ عند الترديد بينه وبين الأكثر ، والاستصحاب.

وهكذا ينهج هذا النهج جماعة آخرون من المؤلّفين ، (٤) في حين أنّ الكتب الدراسيّة المتداولة ، مثل المعالم ، والرسائل ، والكفاية لم تبحث هذا الموضوع ، ولم تعرّف الدليل العقليّ ، ولم تذكر مصاديقه ، إلاّ إشارة عابرة في ثنايا الكلام.

ومن تصريحات المحقّق والشهيد الأوّل يظهر أنّه لم تتجلّ فكرة الدليل العقليّ في تلك العصور ، فوسّعوا في مفهومه إلى ما يشمل الظواهر اللفظيّة ، مثل لحن الخطاب ـ وهو

__________________

(١) السرائر ١ : ٤٦.

(٢) المعتبر في شرح المختصر ١ : ٣١.

(٣) ذكرى الشيعة ١ : ٥٢ ـ ٥٣.

(٤) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع ١ : ٧.

أن تدلّ قرينة عقليّة على حذف لفظ ـ ، وفحوى الخطاب ـ ويعنون به مفهوم الموافقة ـ ، ودليل الخطاب ، ويعنون به مفهوم المخالفة. وهذه كلّها تدخل في حجّيّة الظهور ، ولا علاقة لها بدليل العقل المقابل للكتاب والسنّة. وكذلك الاستصحاب ، فإنّه أصل عمليّ قائم برأسه ، كما بحثه (١) المتقدّمون (٢) في مقابل دليل العقل.

والغريب في الأمر أنّه حتى مثل المحقّق القمّيّ (المتوفّى سنة ١٢٣١ ه‍. ق) نسق على مثل هذا التفسير لدليل العقل ، فأدخل فيه الظواهر ، مثل المفاهيم ، بينما هو نفسه عرّفه بأنّه «حكم عقليّ يوصل به إلى الحكم الشرعيّ وينتقل من العلم بالحكم العقليّ إلى العلم بالحكم الشرعيّ». (٣)

وأحسن من رأيته قد بحث الموضوع بحثا مفيدا معاصره العلاّمة السيّد محسن الكاظميّ في كتابه «المحصول» ، وكذلك تلميذه المحقّق صاحب الحاشية على «المعالم» الشيخ محمّد تقي الأصفهانيّ الذي نسج على منواله (٤) ، وإن كان فيما ذكره بعض الملاحظات ، لا مجال لذكرها ومناقشتها هنا.

وعلى كلّ حال ، فإنّ إدخال المفاهيم ، والاستصحاب ، ونحوهما (٥) في مصاديق الدليل العقليّ (٦) لا يناسب جعله دليلا في مقابل الكتاب ، والسنّة ، ولا يناسب تعريفه بـ «أنّه ما ينتقل من العلم بالحكم العقليّ إلى العلم بالحكم الشرعيّ».

وبسبب عدم وضوح المقصود من الدليل العقليّ أنحى (٧) الأخباريّون باللائمة على الأصوليّين ؛ إذ يأخذون بالعقل حجّة على الحكم الشرعيّ. ولكنّهم أنفسهم (٨) أيضا لم يتّضح

__________________

(١) أي طلبه. والأولى : بحث عنه.

(٢) كالمحقّق الحلّي في معارج الأصول : ٢٠٦ ، والعلاّمة الحلّي في مبادئ الوصول : ٢٥٠.

(٣) راجع أوّل الجزء الثاني من قوانين الأصول.

(٤) هداية المسترشدين : ٤٤٢ ـ ٤٤٣.

(٥) كالتفريع ـ وهو المنصوص على علّته ـ ، ومفهوم الموافقة ، واتّحاد طريق المسألتين.

(٦) تعريض لمن أدخلها في مصاديق الدليل العقلي ، كالفاضل المقداد ، والشهيد ، والمحقّق القمّي.

(٧) أي أقبل الأخباريون باللائمة عليهم. وبالفارسيّة : «اخباريون از راه سرزنش به اصوليين حمله كرده اند».

(٨) وفي «س» : ومع الأسف أنّهم.

مقصودهم في التزهيد (١) بالعقل ، وهل تراهم يحكّمون غير عقولهم في التزهيد بالعقول؟

ويجلّي لنا عدم وضوح المقصود من الدليل العقليّ ما ذكره الشيخ المحدّث البحرانيّ في حدائقه ، وهذا نصّ عبارته :

«المقام الثالث : في دليل العقل. وفسّره بعض بالبراءة الأصليّة ، والاستصحاب.

وآخرون قصروه على الثاني. وثالث فسّره بلحن الخطاب ، وفحوى الخطاب ، ودليل الخطاب. ورابع بعد البراءة الأصليّة والاستصحاب بالتلازم بين الحكمين ، المندرج فيه مقدّمة الواجب ، واستلزام الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ ، والدلالة الالتزاميّة» (٢).

ثمّ تكلّم عن كلّ منها في مطالب عدا التلازم بين الحكمين لم يتحدّث عنه. ولم يذكر من الأقوال حكم العقل في مسألة الحسن والقبح ، بينما أنّ حكم العقل المقصود ـ الذي ينبغي أن يجعل دليلا ـ هو خصوص التلازم بين الحكمين ، وحكم العقل في الحسن والقبح. وما نقله من الأقوال لم يكن دقيقا ، كما سبق بيان بعضها.

وكيفما كان ، فالذي يصلح أن يكون مرادا من الدليل العقليّ المقابل للكتاب والسنّة هو «كلّ حكم للعقل يوجب القطع بالحكم الشرعيّ». وبعبارة ثانية هو «كلّ قضيّة عقليّة يتوصّل بها إلى العلم القطعيّ بالحكم الشرعيّ». وقد صرّح بهذا المعنى جماعة من المحقّقين المتأخّرين. (٣)

وهذا أمر طبيعيّ ؛ لأنّه إذا كان الدليل العقليّ مقابلا للكتاب والسنّة فلا بدّ ألاّ يعتبر حجّة إلاّ إذا كان موجبا للقطع الذي هو حجّة بذاته ؛ فلذلك لا يصحّ أن يكون شاملا للظنون وما لا يصلح للقطع بالحكم من المقدّمات العقليّة.

ولكن هذا التحديد بهذا المقدار لا يزال مجملا ، وقد وقع خلط وخبط عظيمان في فهم هذا الأمر ؛ ولأجل أن ترفع جميع الشكوك ، والمغالطات ، والأوهام لا بدّ لنا من توضيح

__________________

(١) التزهيد : ضدّ الترغيب.

(٢) الحدائق الناضرة ١ : ٤٠ ـ ٤١.

(٣) منهم : صاحب «دروس في علم الأصول» ٢ : ٢٠٢.