درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۵: مباحث حجت ۲۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وأمّا : ما ورد عن آل البيت عليهم‌السلام من نحو قولهم : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (١) فقد ورد في قباله مثل قولهم : «إنّ لله على الناس حجّتين : حجّة ظاهرة ، وحجّة باطنة ، فأمّا : الظاهرة فالرسل ، والأنبياء ، والأئمّة عليهم‌السلام ، وأمّا : الباطنة فالعقول». (٢)

والحلّ لهذا التعارض الظاهريّ بين الطائفتين هو أنّ المقصود من الطائفة الأولى بيان عدم استقلال العقل في إدراك الأحكام ومداركها في قبال الاعتماد على القياس ، والاستحسان ؛ لأنّها واردة في هذا المقام ، أي إنّ الأحكام ومدارك الأحكام لا تصاب بالعقول بالاستقلال ، وهو حقّ ، كما شرحناه سابقا.

ومن المعلوم أنّ مقصود من يعتمد على الاستحسان في بعض صوره هو دعوى أنّ للعقل أن يدرك الأحكام مستقلاّ ، ويدرك ملاكاتها ، ومقصود من يعتمد على القياس هو دعوى أنّ للعقل أن يدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس.

وهذا معنى الاجتهاد بالرأي. وقد سبق (٣) أنّ هذه الإدراكات ليست من وظيفة العقل النظريّ ، ولا العقل العمليّ ؛ لأنّ هذه أمور لا تصاب إلاّ من طريق السماع من مبلّغ الأحكام.

وعليه ، فهذه الطائفة من الأخبار لا مانع من الأخذ بها على ظواهرها ؛ لأنّها واردة في مقام معارضة الاجتهاد بالرأي ، ولكنّها أجنبيّة عمّا نحن بصدده ، وعمّا نقوله في القضايا العقليّة التي يتوصّل بها إلى الحكم الشرعيّ ، كما أنّها أجنبيّة عن الطائفة الثانية من الأخبار التي تثني على العقل ، وتنصّ على أنّه حجّة الله الباطنة ؛ لأنّها تثني على العقل فيما هو من وظيفته أن يدركه ، لا على الظنون والأوهام ، ولا على ادّعاءات إدراك ما لا يدركه العقل بطبيعته.

الثالثة : بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجّيّة القطع والنهي عنه يجب أن نتساءل عن معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل؟

والجواب الصحيح عن هذا السؤال عند هؤلاء أن يقال : إنّ معناه إدراك الشارع وعلمه

__________________

(١) بحار الأنوار ٢ : ٣٠٣.

(٢) أصول الكافي ١ : ١٦.

(٣) راجع الصفحة : ٤٨٠ ـ ٤٨٢.

بأنّ هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه لدى العقلاء. وهذا شيء آخر غير أمره ونهيه. والنافع هو أن نستكشف أمره ونهيه ، فيحتاج إثبات أمره ونهيه إلى دليل آخر سمعيّ ، ولا يكفي فيه ذلك الدليل العقليّ الذي أقصى ما يستنتج منه أنّ الشارع عالم بحكم العقلاء ، أو أنّه حكم بنفس ما حكم به العقلاء ، فلا يكون منه أمر مولويّ ، أو نهي مولويّ.

أقول : وهذه آخر مرحلة لتوجيه مقالة منكري حجّيّة العقل ، وهو توجيه يختصّ بالمستقلاّت العقليّة. ولهذا التوجيه صورة ظاهريّة يمكن أن تنطلي (١) على المبتدئين أكثر من تلك التوجيهات في المراحل السابقة. وهذا التوجيه ينطوي على إحدى دعويين :

١. دعوى إنكار الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، وقد تقدّم تفنيدها (٢) في الجزء الثاني (٣) ، فلا نعيد.

٢. الدعوى التي أشرنا إليها هناك في الجزء الثاني (٤). وتوضيحها : أنّ ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح والذمّ فقط ، والمدح والذمّ غير الثواب والعقاب ، فاستحقاقهما لا يستلزم استحقاق الثواب والعقاب من قبل المولى. والذي ينفع في استكشاف حكم الشارع هو الثاني ، ولا يكفي الأوّل.

ولو فرض أنّا صحّحنا الاستلزام للثواب والعقاب فإنّ ذلك لا يدركه كلّ أحد. ولو فرض أنّه أدركه كلّ أحد فإنّ ذلك ليس كافيا للدعوة إلى الفعل إلاّ عند الفذّ من الناس (٥). وعلى أيّ تقدير فرض ، فلا يستغني أكثر الناس عن توجيه الأمر من المولى ، أو النهي منه في مقام الدعوة إلى الفعل ، أو الزجر عنه.

وإذا كان نفس إدراك الحسن والقبح غير كاف في الدعوة ـ والمفروض [أنّه] لم يقم دليل سمعيّ على الحكم ـ فلا نستطيع أن نحكم بأنّ الشارع له أمر ونهي على طبق حكم

__________________

(١) أي : تنجلي وتنكشف. وهذا استعمال عاميّ يتضمّن معنى «تنجلي».

(٢) أي : تكذيبها.

(٣) راجع المقصد الثاني : ٢٤٤.

(٤) راجع المقصد الثاني : ٢٤٥.

(٥) أي : الفرد الخاصّ من الناس. وفي «س» : «عند الأوحديّ من الناس».

العقل قد اكتفى عن بيانه اعتمادا على إدراك العقل ، ليكون حكم العقل كاشفا عن حكمه ؛ لاحتمال ألاّ يكون للشارع حكم مولويّ على طبق حكم العقل حينئذ. و «إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال» ؛ لأنّ المدار على القطع في المقام.

والجواب : أنّه قد أشرنا في الحاشية (١) إلى ما يفنّد الشقّ الأوّل من هذه الدعوى الثانية ؛ إذ قلنا : الحقّ أنّ معنى استحقاق المدح ليس إلاّ استحقاق الثواب ، ومعنى استحقاق الذمّ ليس إلاّ استحقاق العقاب ، لا أنّهما شيئان أحدهما يستلزم الآخر ؛ لأنّ حقيقة المدح والمقصود منه هو المجازاة بالخير ، لا المدح باللسان ، وحقيقة الذمّ والمقصود منه هو المجازاة بالشرّ ، لا الذمّ باللسان. وهذا المعنى هو الذي يحكم به العقل ؛ ولذا قال المحقّقون من الفلاسفة : «إنّ مدح الشارع ثوابه ، وذمّه عقابه». (٢) وأرادوا هذا المعنى.

بل بالنسبة إلى الله (تعالى) لا معنى لفرض استحقاق المدح والذمّ اللسانيّين عنده ، بل ليست مجازاته بالخير إلاّ الثواب ، وليست مجازاته بالشرّ إلاّ العقاب.

وأمّا الشقّ الثاني من هذه الدعوى : فالجواب عنه : أنّه لمّا كان المفروض أنّ المدح والذمّ من القضايا المشهورات التي تتطابق عليها آراء العقلاء كافّة فلا بدّ أن يفرض فيه أن يكون صالحا لدعوة كلّ واحد من الناس. ومن هنا نقول : إنّه مع هذا الفرض يستحيل توجيه دعوة مولويّة من الله (تعالى) ثانيا ؛ لاستحالة جعل الداعي مع فرض وجود ما يصلح للدعوة عند المكلّف إلاّ من باب التأكيد ، ولفت النظر ؛ ولذا ذهبنا هناك إلى أنّ الأوامر الشرعيّة ، الواردة في موارد حكم العقل ـ مثل وجوب الطاعة ونحوها ـ يستحيل فيها أن تكون أوامر تأسيسيّة ـ أي مولويّة ـ بل هي أوامر تأكيديّة ، أي إرشاديّة.

وأمّا : أنّ هذا الإدراك لا يدعو إلاّ الفذّ (٣) من الناس ، فقد يكون صحيحا ، ولكن لا يضرّ في مقصودنا ؛ لأنّه لا نقصد من كون حكم العقل داعيا أنّه داع بالفعل لكلّ أحد ، بل إنّما نقصد ـ وهو النافع لنا ـ أنّه صالح للدعوة. وهذا شأن كلّ داع حتى الأوامر المولويّة ؛ فإنّه

__________________

(١) راجع تعليقته على المتن في الصفحة : ٢٤٥.

(٢) ممّن قال به الحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء : ٣٢١.

(٣) وفي «س» : «إلاّ الأوحديّ».

لا يترقّب منها إلاّ صلاحيّتها للدعوة ، لا فعليّة الدعوة ؛ لأنّه ليس قوام كون الأمر أمرا من قبل الشارع ، أو من قبل غيره فعليّة دعوته لجميع المكلّفين ، بل الأمر في حقيقته ليس هو إلاّ جعل ما يصلح أن يكون داعيا ، يعني ليس المجعول في الأمر فعليّة الدعوة. وعليه ، فلا يضرّ في كونه صالحا للدعوة عدم امتثال أكثر الناس.

تمرينات (٥٧)

١. ما هو الدليل العقلي؟

٢. ما المراد من العقل النظريّ والعقل العمليّ؟

٣. ما المراد من العقل الذي نقول حكمه حجّة؟

٤. ما الوجه في حجّيّة حكم العقل؟