درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۶: مباحث حجت ۲۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الباب الخامس

حجّيّة الظواهر

تمهيدات

١. تقدّم في الجزء الأوّل (١) : أنّ الغرض من المقصد الأوّل تشخيص ظواهر بعض الألفاظ من ناحية عامّة. والغاية منه ـ كما ذكرنا ـ تنقيح صغريات أصالة الظهور. وطبعا إنّما يكون ذلك في خصوص الموارد التي وقع فيها الخلاف بين الناس.

وقلنا : إنّنا سنبحث عن الكبرى ـ وهي حجّيّة «أصالة الظهور» ـ في المقصد الثالث. وقد حلّ بحمد الله (تعالى) موضع البحث عنها.

٢. إنّ البحث عن حجّيّة الظواهر من توابع البحث عن الكتاب ، والسنّة ، أعني أنّ الظواهر ليست دليلا قائما بنفسه في مقابل الكتاب ، والسنّة ، بل إنّما نحتاج إلى إثبات حجّيّتها لغرض الأخذ بالكتاب ، والسنّة ، (٢) فهي من متمّمات حجيّتهما ؛ إذ من الواضح أنّه لا مجال للأخذ بهما من دون أن تكون ظواهرهما حجّة. والنصوص التي هي قطعيّة الدلالة أقلّ القليل فيهما.

٣. تقدّم أنّ الأصل حرمة العمل بالظنّ ما لم يدلّ دليل قطعيّ على حجّيّته ، (٣) والظواهر من جملة الظنون ، فلا بدّ من التماس دليل قطعيّ على حجّيّتها ليصحّ التمسّك بظواهر الآيات ، والأخبار. وسيأتي بيان هذا الدليل. (٤)

__________________

(١) تقدّم في المقصد الأوّل : ٦٥.

(٢) فلا يبحث عن حجيّتها بنفسها.

(٣) تقدّم في الصفحة : ٣٧٦.

(٤) يأتي في الصفحة : ٤٩٤ وما بعدها.

٤. إنّ البحث عن الظهور يتمّ بمرحلتين :

الأولى : في أنّ هذا اللفظ المخصوص ظاهر في هذا المعنى المخصوص أم غير ظاهر؟ والمقصد الأوّل كلّه متكفّل (١) بالبحث عن ظهور بعض الألفاظ التي وقع الخلاف في ظهورها ، كالأوامر ، والنواهي ، والعموم ، والخصوص ، والإطلاق ، والتقييد. وهي في الحقيقة من بعض صغريات أصالة الظهور.

الثانية : في أنّ اللفظ الذي قد أحرز ظهوره هل هو حجّة عند الشارع في ذلك المعنى ، فيصحّ أن يحتجّ به المولى على المكلّفين ، ويصحّ أن يحتجّ به المكلّفون؟

والبحث عن هذه المرحلة الثانية هو المقصد الذي عقد من أجله هذا الباب ، وهو الكبرى التي إذا ضممناها إلى صغرياتها يتمّ لنا الأخذ بظواهر الآيات ، والروايات.

٥. إنّ المرحلة الأولى ـ وهي تشخيص صغريات أصالة الظهور ـ تقع بصورة عامّة في موردين :

الأوّل : في وضع اللفظ للمعنى المبحوث عنه ، فإنّه إذا أحرز وضعه له لا محالة يكون ظاهرا فيه ، نحو وضع صيغة «افعل» للوجوب ، والجملة الشرطيّة لما يستلزم المفهوم. إلى غير ذلك.

الثاني : في قيام قرينة عامّة أو خاصّة على إرادة المعنى من اللفظ. والحاجة إلى القرينة إمّا في مورد إرادة غير ما وضع له اللفظ ، وإمّا في مورد اشتراك اللفظ في أكثر من معنى.

ومع فرض وجود القرينة لا محالة يكون اللفظ ظاهرا فيما قامت عليه القرينة ، سواء كانت القرينة متّصلة ، أو منفصلة.

وإذا اتّضحت هذه التمهيدات فينبغي أن نتحدّث عمّا يهمّ من كلّ من المرحلتين في مباحث مفيدة في الباب.

طرق إثبات الظواهر

إذا وقع الشكّ في الموردين السابقين فهناك طرق لمعرفة وضع الألفاظ ، ومعرفة القرائن العامّة :

__________________

(١) أي ملتزم.

منها : أن يتتبّع الباحث بنفسه استعمالات العرب ، ويعمل رأيه واجتهاده إذا كان من أهل الخبرة باللسان ، والمعرفة بالنكات البيانيّة. ونظير ذلك ما استنبطناه من أنّ كلمة «الأمر» لفظ مشترك بين ما يفيد معنى «الشيء» و «الطلب» (١). وذلك بدلالة اختلاف اشتقاق الكلمة بحسب المعنيين ، واختلاف الجمع فيها بحسبهما.

ومنها : أن يرجع إلى علامات الحقيقة والمجاز ، كالتبادر ، وأخواته. وقد تقدّم الكلام عن هذه العلامات (٢).

ومنها : أن يرجع إلى أقوال علماء اللغة. وسيأتي بيان قيمة أقوالهم.

وهناك أصول اتّبعها بعض القدماء (٣) لتعيين وضع الألفاظ أو ظهوراتها في موارد تعارض أحوال اللفظ. والحقّ أنّه لا أصل لها مطلقا ؛ لأنّه لا دليل على اعتبارها. (٤) وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم (٥).

وهي مثل ما ذهبوا إليه من أصالة عدم الاشتراك في مورد الدوران بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز ، ومثل أصالة الحقيقة لإثبات وضع اللفظ عند الدوران بين كونه حقيقة أو مجازا.

أمّا : أنّه لا دليل على اعتبارها ؛ فلأنّ حجّيّة مثل هذه الأصول لا بدّ من استنادها إلى بناء العقلاء. والمسلّم من بنائهم هو ثبوته في الأصول التي تجري لإثبات مرادات المتكلّم ، دون ما يجري لتعيين وضع الألفاظ والقرائن. ولا دليل آخر في مثلها ، غير بناء العقلاء.

حجّيّة قول اللغويّ

إنّ أقوال اللغويّين لا عبرة بأكثرها في مقام استكشاف وضع الألفاظ ؛ لأنّ أكثر المدوّنين

__________________

(١) كما مرّ في المقصد الأوّل : ٧٤.

(٢) تقدّم في المقصد الأوّل : ٤٠ ـ ٤٤.

(٣) بل بعض المتأخّرين ، كالمحقق القمّي ، وصاحب الفصول ، فراجع القوانين ١ : ٣٢ ، والفصول : ٤٠.

(٤) وقال المحقّق الخراسانيّ : «إنّها استحسانيّة لا اعتبار لها إلاّ إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى ؛ لعدم مساعدة دليل اعتبارها بدون ذلك». كفاية الأصول : ٣٥.

(٥) تقدّم في المقصد الأوّل : ٤٩.