درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۷: مباحث حجت ۲۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

منها : أن يتتبّع الباحث بنفسه استعمالات العرب ، ويعمل رأيه واجتهاده إذا كان من أهل الخبرة باللسان ، والمعرفة بالنكات البيانيّة. ونظير ذلك ما استنبطناه من أنّ كلمة «الأمر» لفظ مشترك بين ما يفيد معنى «الشيء» و «الطلب» (١). وذلك بدلالة اختلاف اشتقاق الكلمة بحسب المعنيين ، واختلاف الجمع فيها بحسبهما.

ومنها : أن يرجع إلى علامات الحقيقة والمجاز ، كالتبادر ، وأخواته. وقد تقدّم الكلام عن هذه العلامات (٢).

ومنها : أن يرجع إلى أقوال علماء اللغة. وسيأتي بيان قيمة أقوالهم.

وهناك أصول اتّبعها بعض القدماء (٣) لتعيين وضع الألفاظ أو ظهوراتها في موارد تعارض أحوال اللفظ. والحقّ أنّه لا أصل لها مطلقا ؛ لأنّه لا دليل على اعتبارها. (٤) وقد أشرنا إلى ذلك فيما تقدّم (٥).

وهي مثل ما ذهبوا إليه من أصالة عدم الاشتراك في مورد الدوران بين الاشتراك وبين الحقيقة والمجاز ، ومثل أصالة الحقيقة لإثبات وضع اللفظ عند الدوران بين كونه حقيقة أو مجازا.

أمّا : أنّه لا دليل على اعتبارها ؛ فلأنّ حجّيّة مثل هذه الأصول لا بدّ من استنادها إلى بناء العقلاء. والمسلّم من بنائهم هو ثبوته في الأصول التي تجري لإثبات مرادات المتكلّم ، دون ما يجري لتعيين وضع الألفاظ والقرائن. ولا دليل آخر في مثلها ، غير بناء العقلاء.

حجّيّة قول اللغويّ

إنّ أقوال اللغويّين لا عبرة بأكثرها في مقام استكشاف وضع الألفاظ ؛ لأنّ أكثر المدوّنين

__________________

(١) كما مرّ في المقصد الأوّل : ٧٤.

(٢) تقدّم في المقصد الأوّل : ٤٠ ـ ٤٤.

(٣) بل بعض المتأخّرين ، كالمحقق القمّي ، وصاحب الفصول ، فراجع القوانين ١ : ٣٢ ، والفصول : ٤٠.

(٤) وقال المحقّق الخراسانيّ : «إنّها استحسانيّة لا اعتبار لها إلاّ إذا كانت موجبة لظهور اللفظ في المعنى ؛ لعدم مساعدة دليل اعتبارها بدون ذلك». كفاية الأصول : ٣٥.

(٥) تقدّم في المقصد الأوّل : ٤٩.

للّغة همّهم أن يذكروا المعاني التي شاع استعمال اللفظ فيها ، من دون كثير عناية منهم بتمييز المعاني الحقيقيّة من المجازيّة إلاّ نادرا ، عدا الزمخشريّ في كتابه «أساس اللغة» ، وعدا بعض المؤلّفات في فقه اللغة.

وعلى تقدير أن ينصّ اللغويون على المعنى الحقيقيّ ، فإن أفاد نصّهم العلم بالوضع فهو ، وإلاّ فلا بدّ من التماس الدليل على حجّيّة الظنّ الناشئ من قولهم. وقيل في الاستدلال عليه وجوه من الأدلّة ، لا بأس بذكرها وما عندنا فيها :

أوّلا : قيل : «الدليل الإجماع». (١) وذلك ؛ لأنّه قائم على الأخذ بقول اللغويّ ، بلا نكير من أحد ، وإن كان اللغويّ واحدا.

أقول : وأنّى لنا بتحصيل هذا الإجماع العمليّ المدّعى بالنسبة إلى جميع الفقهاء؟ وعلى تقدير تحصيله ، فأنّى لنا من إثبات حجّيّة مثله؟ وقد تقدّم البحث مفصّلا عن منشأ حجّيّة الإجماع ، (٢) وليس هو ممّا يشمل هذا المقام بما هو حجّة ؛ لأنّ المعصوم لا يرجع إلى نصوص أهل اللغة ، حتى يستكشف من الإجماع موافقته في هذه المسألة ، أي رجوعه إلى أهل اللغة عملا.

ثانيا : قيل : «الدليل بناء العقلاء» (٣) ؛ لأنّ من سيرة العقلاء وبنائهم العمليّ الرجوع إلى أهل الخبرة الموثوق بهم في جميع الأمور التي يحتاج في معرفتها إلى خبرة وإعمال الرأي والاجتهاد ، كالشئون الهندسيّة والطبّيّة ، ومنها : اللغات ودقائقها ، ومن المعلوم أنّ اللغويّ معدود من أهل الخبرة في فنّه. والشارع لم يثبت منه الردع عن هذه السيرة العمليّة ،

__________________

(١) قال الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ٧٤ : «وقد حكي عن السيّد في بعض كلماته دعوى الإجماع على ذلك». ولكن لم نعثر عليها في كلمات السيّد المرتضى.

وفي أوثق الوسائل نسب دعوى الاتّفاق إلى العلاّمة الطباطبائيّ في شرح الوافية (مخطوط). راجع أوثق الوسائل : ١٠١.

والسيّد المجاهد نسبها إلى أستاذه ، والمحقّق السبزواريّ. راجع مفاتيح الأصول ، ٦١ ـ ٦٢.

(٢) وهو استكشاف قول المعصوم عن الإجماع.

(٣) والقائل هو المحقّق السبزواريّ في رسالة الغناء (مخطوطة) على ما في مفاتيح الأصول : ٦٢. وقال به أيضا المحقّق الشيخ محمد تقي الأصفهانيّ في هداية المسترشدين : ٤١.

فيستكشف من ذلك موافقته لهم ، ورضاه بها.

أقول : إنّ بناء العقلاء إنّما يكون حجّة إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وإمضاؤه لطريقتهم. وهذا بديهيّ. ولكن نحن نناقش إطلاق المقدّمة المتقدّمة القائلة : «إنّ موافقة الشارع لبناء العقلاء تستكشف من مجرّد عدم ثبوت ردعه عن طريقتهم» ، بل لا يحصل هذا الاستكشاف إلاّ بأحد شروط ثلاثة ، كلّها غير متوفّرة في المقام :

١. ألاّ يكون مانع من كون الشارع متّحد المسلك مع العقلاء في البناء والسيرة ؛ فإنّه في هذا الفرض لا بدّ أن يستكشف أنّه متّحد المسلك معهم بمجرّد عدم ثبوت ردعه ؛ لأنّه من العقلاء ، بل رئيسهم. ولو كان له مسلك ثان لبيّنه ، ولعرفناه ، وليس هذا ممّا يخفى.

ومن هذا الباب الظواهر ، وخبر الواحد ؛ فإنّ الأخذ بالظواهر ، والاعتماد عليها في التفهيم ممّا جرت عليه سيرة العقلاء ، والشارع لا بدّ أن يكون متّحد المسلك معهم ؛ لأنّه لا مانع من ذلك بالنسبة إليه ، وهو منهم بما هم عقلاء ولم يثبت منه ردع. وكذلك يقال في خبر الواحد الثّقة ؛ فإنّه لا مانع من أن يكون الشارع متّحد المسلك مع العقلاء في الاعتماد عليه في تبليغ الأحكام ، ولم يثبت منه الردع.

أمّا : الرجوع إلى أهل الخبرة فلا معنى لفرض أن يكون الشارع متّحد المسلك مع العقلاء في ذلك ؛ لأنّه لا معنى لفرض حاجته إلى أهل الخبرة في شأن من الشئون ، حتى يمكن فرض أن تكون له سيرة عمليّة في ذلك ، لا سيّما في اللغة العربيّة.

٢. إذا كان هناك مانع من أن يكون الشارع متّحد المسلك مع العقلاء ، فلا بدّ أن يثبت لدينا جريان السيرة العمليّة ، حتّى في الأمور الشرعيّة بمرأى ومسمع من الشارع ، فإذا لم يثبت حينئذ الردع منه يكون سكوته من قبيل التقرير لمسلك العقلاء. وهذا مثل الاستصحاب ، فإنّه لمّا كان مورده الشكّ في الحالة السابقة فلا معنى لفرض اتّحاد الشارع في المسلك مع العقلاء بالأخذ بالحالة السابقة ؛ إذ لا معنى لفرض شكّه في بقاء حكمه ، ولكن لمّا كان الاستصحاب قد جرت السيرة فيه ، حتى في الأمور الشرعيّة ، ولم يثبت ردع الشارع عنه ، فإنّه يستكشف منه إمضاؤه لطريقتهم.

أمّا : الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغة فلم يعلم جريان السيرة العقلائيّة في الأخذ بقول

اللغويّ في خصوص الأمور الشرعيّة ، حتى يستكشف من عدم ثبوت ردعه رضاه بهذه السيرة في الأمور الشرعيّة.

٣. إذا انتفى الشرطان المتقدّمان فلا بدّ حينئذ من قيام دليل خاصّ قطعيّ على رضا الشارع وإمضائه للسيرة العمليّة عند العقلاء. وفي مقامنا ليس عندنا هذا الدليل ، بل الآيات الناهية عن اتّباع الظنّ كافية في ثبوت الردع عن هذه السيرة العمليّة.

ثالثا : قيل : «الدليل حكم العقل» ؛ لأنّ العقل يحكم بوجوب رجوع الجاهل إلى العالم ، فلا بدّ أن يحكم الشارع بذلك أيضا ؛ إذ إنّ هذا الحكم العقليّ من الآراء المحمودة التي تطابقت عليها آراء العقلاء ، والشارع منهم ، بل رئيسهم. وبهذا الحكم العقليّ أوجبنا رجوع العاميّ إلى المجتهد في التقليد ، غاية الأمر أنّا اشترطنا في المجتهد شروطا خاصّة ، كالعدالة ، والذكورة ، لدليل خاصّ. وهذا الدليل الخاصّ غير موجود في الرجوع إلى قول اللغويّ ؛ لأنّه في الشئون الفنّيّة لم يحكم العقل إلاّ برجوع الجاهل إلى العالم الموثوق به ، من دون اعتبار عدالة ، أو نحوها ، كالرجوع إلى الأطبّاء والمهندسين. وليس هناك دليل خاصّ يشترط العدالة ، أو نحوها في اللغويّ ، كما ورد في المجتهد.

أقول : وهذا الوجه أقرب الوجوه في إثبات حجّيّة قول اللغويّ ، ولم أجد الآن ما يقدح به.

الظهور التصوريّ والتصديقيّ

قيل : «إنّ الظهور على قسمين : تصوّريّ ، وتصديقيّ.

١. الظهور التصوّريّ الذي ينشأ من وضع اللفظ لمعنى مخصوص ، وهو عبارة عن دلالة مفردات الكلام على معانيها اللغويّة أو العرفيّة. وهو تابع للعلم بالوضع ، سواء كانت في الكلام أو في خارجه قرينة على خلافه أو لم تكن.

٢. الظهور التصديقيّ الذي ينشأ من مجموع الكلام ، وهو عبارة عن دلالة جملة الكلام على ما يتضمّنه من المعنى ، فقد تكون دلالة الجملة مطابقة لدلالة المفردات ، وقد تكون مغايرة لها ، كما إذا احتفّ الكلام بقرينة توجب صرف مفاد جملة الكلام عمّا يقتضيه مفاد