درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۴۹: مباحث حجت ۳۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

من العقلاء ، بل رئيسهم ، فهو متّحد المسلك معهم ، ولا مانع من اتّحاده معهم في هذا المسلك ، ولم يثبت من قبله ما يخالفه.

وإذا ثبتت هاتان المقدّمتان القطعيّتان لا محالة يثبت ـ على سبيل الجزم ـ أنّ الظاهر حجّة عند الشارع ، حجّة له على المكلّفين ، وحجّة معذّرة للمكلّفين.

هذا ، ولكن وقعت لبعض الناس شكوك في عموم كلّ من المقدّمتين ، لا بدّ من التعرّض لها ، وكشف الحقيقة فيها.

أمّا المقدّمة الأولى : فقد وقعت عدّة أبحاث فيها :

١ ـ في أنّ تباني العقلاء على حجّيّة الظاهر هل يشترط فيه حصول الظنّ الفعليّ بالمراد؟

٢ ـ في أنّ تبانيهم هل يشترط فيه عدم الظنّ بخلاف الظاهر؟

٣ ـ في أنّ تبانيهم هل يشترط فيه جريان أصالة عدم القرينة؟

٤ ـ في أنّ تبانيهم هل هو مختصّ بمن قصد إفهامه فقط ، أو يعمّ غيرهم ، فيكون الظاهر حجّة مطلقا؟

وأمّا المقدّمة الثانية : فقد وقع البحث فيها في حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز ، بل قيل : «إنّ الشارع ردع عن الأخذ بظواهر الكتاب ، فلم يكن متّحد المسلك فيه مع العقلاء» (١). وهذه المقالة منسوبة إلى الأخباريّين. (٢) وعليه ، فينبغي البحث عن كلّ واحد واحد من هذه الأمور ، فنقول :

أ. اشتراط الظنّ الفعليّ بالوفاق

قيل : «لا بدّ في حجّيّة الظاهر من حصول ظنّ فعليّ بمراد المتكلّم ، وإلاّ فهو ليس بظاهر». (٣) يعني أنّ المقوّم لكون الكلام ظاهرا حصول الظنّ الفعليّ للمخاطب بالمراد منه ،

__________________

(١) الفوائد المدنيّة : ١٢٨ ، والدّرر النجفيّة : ١٧٤.

(٢) نسب إليهم في فرائد الأصول ١ : ٥٦.

(٣) هذا ما نسبه الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ٧٢ إلى بعض متأخّري المتأخّرين من معاصريه. وقيل : هو المحقّق الكلباسيّ صاحب الإشارات.

وإلاّ فلا يكون ظاهرا ، بل يكون مجملا.

أقول : من المعلوم أنّ الظهور صفة قائمة باللفظ ، وهو كونه بحالة يكون كاشفا عن مراد المتكلّم ، ودالاّ عليه ، والظنّ بما هو ظنّ أمر قائم بالسامع ، لا باللفظ ، فكيف يكون مقوّما لكون اللفظ ظاهرا؟! وإنّما أقصى ما يقال أنّه يستلزم الظنّ ، فمن هذه الجهة يتوهّم أنّ الظنّ يكون مقوّما لظهوره.

وفي الحقيقة أنّ المقوّم لكون الكلام ظاهرا عند أهل المحاورة هو كشفه الذاتيّ عن المراد ، أي كون الكلام من شأنه أن يثير (١) الظنّ عند السامع بالمراد منه ، وإن لم يحصل ظنّ فعليّ للسامع ؛ لأنّ ذلك هو الصفة القائمة بالكلام المقوّمة لكونه ظاهرا عند أهل المحاورة. والمدرك لحجّيّة الظاهر ليس إلاّ بناء العقلاء ، فهو المتّبع في أصل الحجّيّة ، وخصوصيّاتها. ألا ترى [أنّه] لا يصحّ للسامع أن يحتجّ بعدم حصول الظنّ الفعليّ عنده من الظاهر إذا أراد مخالفته ، مهما كان السبب لعدم حصول ظنّه ، ما دام أنّ اللفظ بحالة من شأنه أن يثير الظنّ لدى عامّة الناس؟

وهذا ما يسمّى بالظنّ النوعيّ ، فيكتفى به في حجّيّة الظاهر ، كما يكتفى به في حجّيّة خبر الواحد ـ كما تقدّم (٢) ـ ، وإلاّ لو كان الظنّ الفعليّ معتبرا في حجّيّة الظهور لكان كلّ كلام في آن واحد حجّة بالنسبة إلى شخص ، غير حجّة بالنسبة إلى شخص آخر. وهذا ما لا يتوهّمه أحد. ومن البديهيّ أنّه لا يصحّ ادّعاء أنّ الظاهر لكي يكون حجّة لا بدّ أن يستلزم الظنّ الفعليّ عند جميع الناس بغير استثناء ، وإلاّ فلا يكون حجّة بالنسبة إلى كلّ أحد.

ب. اعتبار عدم الظنّ بالخلاف

قيل : «إن لم يعتبر الظنّ بالوفاق فعلى الأقلّ يعتبر ألاّ يحصل ظنّ بالخلاف». (٣)

__________________

(١) أي : أن يهيج ويتوجّه.

(٢) تقدّم في الصفحة : ٤٤٧.

(٣) وهذا أيضا نسبه الشيخ الأنصاريّ في الفرائد إلى بعض متأخّري المتأخّرين من معاصريه. وقيل : هو المحقّق الكلباسيّ.

قال الشيخ صاحب «الكفاية» في ردّه : «والظاهر أنّ سيرتهم على اتّباعها [أي : الظواهر] من غير تقييد بإفادتها الظنّ فعلا ، ولا بعدم الظنّ كذلك على خلافها قطعا ؛ ضرورة أنّه لا مجال للاعتذار من مخالفتها بعدم إفادتها الظنّ بالوفاق ، ولا بوجود الظنّ بالخلاف». (١)

أقول : إن كان منشأ الظنّ بالخلاف أمرا يصحّ في نظر العقلاء الاعتماد عليه في التفهيم فإنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ مثل هذا الظنّ يضرّ في حجّيّة الظهور ، بل ـ على التحقيق ـ لا يبقى معه ظهور للكلام حتى يكون موضعا لبناء العقلاء ؛ لأنّ الظهور يكون حينئذ على طبق ذلك الأمر المعتمد عليه في التفهيم ، حتى لو فرض أنّ ذلك الأمر ليس بأمارة معتبرة عند الشارع ؛ لأنّ الملاك في ذلك بناء العقلاء.

وأمّا : إذا كان منشأ الظنّ ليس ممّا يصحّ الاعتماد عليه في التفهيم عند العقلاء فلا قيمة لهذا الظنّ من ناحية بناء العقلاء على اتّباع الظاهر ؛ لأنّ الظهور قائم في خلافه ، ولا ينبغي الشكّ في عدم تأثير مثله في تبانيهم على حجّيّة الظهور. والظاهر أنّ مراد الشيخ صاحب «الكفاية» من «الظنّ بالخلاف» هذا القسم الثاني فقط ، لا ما يعمّ القسم الأوّل.

ولعلّ مراد القائل باعتبار عدم الظنّ بالخلاف هو القسم الأوّل فقط ، لا ما يعمّ القسم الثاني ، فيقع التصالح بين الطرفين.

ج. أصالة عدم القرينة

ذهب الشيخ الأعظم في رسائله إلى أنّ الأصول الوجوديّة ـ مثل أصالة الحقيقة ، وأصالة العموم ، وأصالة الإطلاق ، ونحوها التي هي كلّها أنواع لأصالة الظهور ـ ترجع كلّها إلى أصالة عدم القرينة ، (٢) بمعنى أنّ أصالة الحقيقة ترجع إلى أصالة عدم قرينة المجاز ، وأصالة العموم إلى أصالة عدم المخصّص ... وهكذا.

والظاهر أنّ غرضه من الرجوع أنّ حجّيّة أصالة الظهور إنّما هي من جهة بناء العقلاء على حجّيّة أصالة عدم القرينة.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٣٢٤.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٦٨.