درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۰: مباحث حجت ۳۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

قال الشيخ صاحب «الكفاية» في ردّه : «والظاهر أنّ سيرتهم على اتّباعها [أي : الظواهر] من غير تقييد بإفادتها الظنّ فعلا ، ولا بعدم الظنّ كذلك على خلافها قطعا ؛ ضرورة أنّه لا مجال للاعتذار من مخالفتها بعدم إفادتها الظنّ بالوفاق ، ولا بوجود الظنّ بالخلاف». (١)

أقول : إن كان منشأ الظنّ بالخلاف أمرا يصحّ في نظر العقلاء الاعتماد عليه في التفهيم فإنّه لا ينبغي الشكّ في أنّ مثل هذا الظنّ يضرّ في حجّيّة الظهور ، بل ـ على التحقيق ـ لا يبقى معه ظهور للكلام حتى يكون موضعا لبناء العقلاء ؛ لأنّ الظهور يكون حينئذ على طبق ذلك الأمر المعتمد عليه في التفهيم ، حتى لو فرض أنّ ذلك الأمر ليس بأمارة معتبرة عند الشارع ؛ لأنّ الملاك في ذلك بناء العقلاء.

وأمّا : إذا كان منشأ الظنّ ليس ممّا يصحّ الاعتماد عليه في التفهيم عند العقلاء فلا قيمة لهذا الظنّ من ناحية بناء العقلاء على اتّباع الظاهر ؛ لأنّ الظهور قائم في خلافه ، ولا ينبغي الشكّ في عدم تأثير مثله في تبانيهم على حجّيّة الظهور. والظاهر أنّ مراد الشيخ صاحب «الكفاية» من «الظنّ بالخلاف» هذا القسم الثاني فقط ، لا ما يعمّ القسم الأوّل.

ولعلّ مراد القائل باعتبار عدم الظنّ بالخلاف هو القسم الأوّل فقط ، لا ما يعمّ القسم الثاني ، فيقع التصالح بين الطرفين.

ج. أصالة عدم القرينة

ذهب الشيخ الأعظم في رسائله إلى أنّ الأصول الوجوديّة ـ مثل أصالة الحقيقة ، وأصالة العموم ، وأصالة الإطلاق ، ونحوها التي هي كلّها أنواع لأصالة الظهور ـ ترجع كلّها إلى أصالة عدم القرينة ، (٢) بمعنى أنّ أصالة الحقيقة ترجع إلى أصالة عدم قرينة المجاز ، وأصالة العموم إلى أصالة عدم المخصّص ... وهكذا.

والظاهر أنّ غرضه من الرجوع أنّ حجّيّة أصالة الظهور إنّما هي من جهة بناء العقلاء على حجّيّة أصالة عدم القرينة.

__________________

(١) كفاية الأصول : ٣٢٤.

(٢) فرائد الأصول ١ : ٦٨.

وذهب الشيخ صاحب «الكفاية» إلى العكس من ذلك (١) ـ أي : إنّه يرى أنّ أصالة عدم القرينة هي التي ترجع إلى أصالة الظهور ـ يعني أنّ العقلاء ليس لهم إلاّ بناء واحد ، وهو البناء على أصالة الظهور ، وهو نفسه بناء على أصالة عدم القرينة ، لا أنّه هناك بناءان عندهم : بناء على أصالة عدم القرينة ، وبناء آخر على أصالة الظهور ، والبناء الثاني بعد البناء الأوّل ، ومتوقّف عليه ، ولا أنّ البناء على أصالة الظهور مرجع حجّيّته ومعناه إلى البناء على أصالة عدم القرينة.

أقول : الحقّ أنّ الأمر لا كما أفاده الشيخ الأعظم ، ولا كما أفاده صاحب «الكفاية» ؛ فإنّه ليس هناك أصل عند العقلاء غير أصالة الظهور يصحّ أن يقال له : «أصالة عدم القرينة» ؛ فضلا عن أن يكون هو المرجع لأصالة الظهور ، أو أنّ أصالة الظهور هي المرجع له.

بيان ذلك أنّه عند الحاجة إلى إجراء أصالة الظهور لا بدّ أن يحتمل أنّ المتكلّم الحكيم أراد خلاف ظاهر كلامه. وهذا الاحتمال لا يخرج عن إحدى صورتين ، لا ثالثة لهما :

الأولى : أن يحتمل إرادة خلاف الظاهر ، مع العلم بعدم نصب قرينة من قبله ، لا متّصلة ولا منفصلة. وهذا الاحتمال ، إمّا من جهة احتمال الغفلة عن نصب القرينة ، أو احتمال قصد الإيهام ، أو احتمال الخطأ ، أو احتمال قصد الهزل ، أو لغير ذلك ؛ فإنّه في هذه الموارد يلزم المتكلّم بظاهر كلامه ، فيكون حجّة عليه ، ويكون حجّة له أيضا على الآخرين. ولا تسمع منه دعوى الغفلة ، ونحوها ، وكذلك لا تسمع من الآخرين دعوى احتمالهم للغفلة ، ونحوها. وهذا معنى أصالة الظهور عند العقلاء ، أي إنّ الظهور هو الحجّة عندهم ـ كالنصّ ـ بإلغاء كلّ تلك الاحتمالات.

ومن الواضح أنّه في هذه الموارد لا موقع لأصالة عدم القرينة ، سالبة بانتفاء الموضوع ؛ لأنّه لا احتمال لوجودها ، حتى نحتاج إلى نفيها بالأصل. فلا موقع إذن في هذه الصورة للقول برجوع أصالة الظهور إلى هذا الأصل ، ولا للقول برجوعه إلى أصالة الظهور.

الثانية : أن يحتمل إرادة خلاف الظاهر من جهة احتمال نصب قرينة خفيت علينا ؛ فإنّه في هذه الصورة يكون موقع لتوهّم جريان أصالة عدم القرينة ، ولكن في الحقيقة أنّ معنى بناء

__________________

(١) كفاية الأصول : ٣٢٩ ؛ الحاشية على الفرائد : ٤٦.

العقلاء على أصالة الظهور ـ كما تقدّم ـ أنّهم يعتبرون الظهور حجّة ـ كالنصّ ـ بإلغاء احتمال الخلاف ، أيّ احتمال كان. ومن جملة الاحتمالات التي تلغى ـ إن وجدت ـ احتمال نصب القرينة ، وحكمه حكم احتمال الغفلة ، ونحوها من جهة أنّه احتمال ملغى ومنفيّ لدى العقلاء.

وعليه ، فالمنفيّ عند العقلاء هو الاحتمال ، لا أنّ المنفيّ وجود القرينة الواقعيّة ؛ لأنّ القرينة الواقعيّة غير الواصلة لا أثر لها في نظر العقلاء ، ولا تضرّ في الظهور ، حتى يحتاج إلى نفيها بالأصل ، بينما أنّ معنى أصالة عدم القرينة ـ لو كانت ـ البناء على نفي وجود القرينة ، لا البناء على نفي احتمالها ، والبناء على نفي الاحتمال هو معنى البناء على أصالة الظهور ، ليس شيئا آخر.

وإذا اتّضح ذلك يكون واضحا لدينا أنّه ليس للعقلاء في هذه الصورة الثانية أيضا أصل يقال له : «أصالة عدم القرينة» ، حتى يقال برجوعه إلى أصالة الظهور ، أو برجوعها إليه ، سالبة بانتفاء الموضوع.

والخلاصة أنّه ليس لدى العقلاء إلاّ أصل واحد ، هو أصالة الظهور ، وليس لهم إلاّ بناء واحد ، وهو البناء على إلغاء كلّ احتمال ينافي الظهور ـ من نحو احتمال الغفلة ، أو الخطأ ، أو تعمّد الإيهام ، أو نصب القرينة على الخلاف ، أو غير ذلك ـ فكلّ هذه الاحتمالات ـ إن وجدت ـ ملغاة في نظر العقلاء ، وليس معنى إلغائها إلاّ اعتبار الظهور حجّة كأنّه نصّ لا احتمال معه بالخلاف ، لا أنّه هناك لدى العقلاء أصول متعدّدة وبناءات مترتّبة مترابطة ، كما ربّما يتوهّم ، حتى يكون بعضها متقدّما على بعض ، أو بعضها يساند (١) بعضا.

نعم ، لا بأس بتسمية إلغاء احتمال الغفلة بـ «أصالة عدم الغفلة» من باب المسامحة ، وكذلك تسمية إلغاء احتمال القرينة بأصالة عدمها ... وهكذا في كلّ تلك الاحتمالات ، ولكن ليس ذلك إلاّ تعبيرا آخر عن أصالة الظهور. ولعلّ من يقول برجوع أصالة الظهور إلى أصالة عدم القرينة (٢) ، أو بالعكس (٣) أراد هذا المعنى من أصالة عدم القرينة. وحينئذ

__________________

(١) أي : يعاضد.

(٢) وهو الشيخ الأنصاريّ ، كما مرّ.

(٣) وهو المحقّق الخراسانيّ ، كما مرّ.

لو كان هذا مرادهم ، لكان كلّ من القولين صحيحا ، ولكان مآلهما واحدا ، فلا خلاف.

د. حجّيّة الظهور بالنسبة إلى غير المقصودين بالإفهام

ذهب المحقّق القمّيّ في قوانينه (١) إلى عدم حجّيّة الظهور بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه بالكلام. ومثّل لغير المقصودين بالإفهام بأهل زماننا وأمثالهم الذين لم يشافهوا بالكتاب العزيز ، وبالسنّة ؛ نظرا إلى أنّ الكتاب العزيز ليست خطاباته موجّهة لغير المشافهين ، وليس هو من قبيل تأليفات المصنّفين التي يقصد بها إفهام كلّ قارئ لها.

وأمّا : السنّة فبالنسبة إلى الأخبار الصادرة عن المعصومين في مقام الجواب عن سؤال السائلين لا يقصد منها إلاّ إفهام السائلين ، دون [من] سواهم.

أقول : إنّ هذا القول لا يستقيم ، وقد ناقشه كلّ من جاء بعده من المحقّقين ، (٢) وخلاصة ما ينبغي مناقشته به أن يقال : إنّ هذا كلام مجمل غير واضح ، فما الغرض من نفي حجّيّة الظهور بالنسبة إلى غير المقصود إفهامه؟

١. إن كان الغرض أنّ الكلام لا ظهور ذاتيّا له بالنسبة إلى هذا الشخص فهو أمر يكذّبه الوجدان.

٢. وإن كان الغرض ـ كما قيل (٣) في توجيه كلامه ـ دعوى أنّه ليس للعقلاء بناء على إلغاء احتمال القرينة في الظواهر بالنسبة إلى غير المقصود بالإفهام ، فهي دعوى بلا دليل ، بل المعروف في بناء العقلاء عكس ذلك. قال الشيخ الأنصاريّ في مقام ردّه : «إنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظيّ ، وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ، ومن لم يقصد». (٤)

٣. وإن كان الغرض ـ كما قيل (٥) في توجيه كلامه أيضا ـ أنّه لمّا كان من الجائز عقلا أن

__________________

(١) قوانين الأصول ١ : ٣٩٨ ، و ٢ : ١٠٣.

(٢) منهم : الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ٦٩ ، والمحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٣٢٤ ، والمحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٣ : ١٣٨ ـ ١٣٩.

(٣) والقائل الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ٦٧ ـ ٦٨.

(٤) فرائد الأصول ١ : ٦٩.

(٥) والقائل المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ٢ : ١٦٦.