درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۲: مباحث حجت ۳۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

مثل هذا الاحتمال ، سواء أمكن أن يعثر على هذه القرينة بعد الفحص ـ لو كانت ـ أم لم يمكن.

٤. ثمّ على تقدير تسليم الفرق في حجّيّة الظهور بين المقصودين بالإفهام ، وبين غيرهم ، فالشأن كلّ الشأن في انطباق ذلك على واقعنا بالنسبة إلى الكتاب العزيز ، والسنّة.

أمّا : الكتاب العزيز فإنّه من المعلوم لنا أنّ التكاليف التي يتضمّنها عامّة لجميع المكلّفين ، ولا اختصاص لها بالمشافهين. وبمقتضى عمومها يجب ألاّ تقترن بقرائن تخفى على غير المشافهين. بل لا شكّ في أنّ المشافهين ليسوا وحدهم المقصودين بالإفهام بخطابات القرآن الكريم.

وأمّا : السنّة فإنّ الأحاديث الحاكية لها على الأكثر تتضمّن تكاليف عامّة لجميع المكلّفين ، أو المقصود بها إفهام الجميع ، حتى غير المشافهين ، وقلّما يقصد بها إفهام خصوص المشافهين في بعض الجوابات على أسئلة خاصّة. وإذا قصد ذلك فإنّ التكليف فيها لا بدّ أن يعمّ غير السائل بقاعدة الاشتراك. ومقتضى الأمانة في النقل ، وعدم الخيانة من الراوي ، المفروض فيه ذلك أن ينبّه على كلّ قرينة دخيلة في الظهور ، ومع عدم بيانها منه يحكم بعدمها.

ه. حجّيّة ظواهر الكتاب

نسب إلى جماعة من الأخباريّين القول بعدم حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز (١) ، وأكّدوا : أنّه لا يجوز العمل بها من دون أن يرد بيان وتفسير لها من طريق آل البيت عليهم‌السلام (٢).

أقول : إنّ القائلين بحجّيّة ظواهر الكتاب :

١. لا يقصدون حجّيّة كلّ ما في الكتاب ، وفيه آيات محكمات ، وأخر متشابهات. بل المتشابهات لا يجوز تفسيرها بالرأي. ولكنّ التمييز بين المحكم والمتشابه ليس بالأمر العسير على الباحث المتدبّر ؛ إذا كان هذا ما يمنع من الأخذ بالظواهر التي هي من نوع المحكم.

__________________

(١) نسب إليهم في فرائد الأصول ١ : ٥٦.

(٢) راجع الفوائد المدنيّة : ١٢٨ ، والدرر النجفيّة : ١٧٤.

٢. لا يقصدون ـ أيضا ـ بالعمل بالمحكم من آياته جواز التسرّع بالعمل به من دون فحص كامل عن كلّ ما يصلح لصرفه عن الظهور في الكتاب والسنّة من نحو الناسخ ، والمخصّص ، والمقيّد ، وقرينة المجاز ...

٣. لا يقصدون ـ أيضا ـ أنّه يصحّ لكلّ أحد أن يأخذ بظواهره وإن لم تكن له سابقة معرفة ، وعلم ، ودراسة لكلّ ما يتعلّق بمضمون آياته. فالعاميّ وشبه العاميّ ليس له أن يدّعي فهم ظواهر الكتاب ، والأخذ بها.

وهذا أمر لا اختصاص له بالقرآن ، بل هذا شأن كلّ كلام يتضمّن المعارف العالية والأمور العلميّة ، وهو يتوخّى (١) الدقّة في التعبير. ألا ترى أنّ لكلّ علم أهلا يرجع إليهم في فهم مقاصد كتب ذلك العلم ، وأنّ له أصحابا يؤخذ منهم آراء ما فيه من مؤلّفات؟ مع أنّ هذه الكتب والمؤلّفات لها ظواهر تجري على قوانين الكلام ، وأصول اللغة ، وسنن أهل المحاورة ، هي حجّة على المخاطبين بها ، وهي حجّة على مؤلّفيها ، ولكن لا يكفي للعاميّ أن يرجع إليها ليكون عالما بها ، أو يحتجّ بها ، أو يحتجّ بها عليه ، بغير تلمذة على أحد من أهلها ، ولو فعل ذلك هل تراه لا يؤنّب على ذلك ، (٢) ولا يلام؟ (٣)

وكلّ ذلك لا يسقط ظواهرها عن كونها حجّة في نفسها ، ولا يخرجها عن كونها ظواهر يصحّ الاحتجاج بها.

وعلى هذا ، فالقرآن الكريم ـ إذ نقول : إنّه حجّة على العباد ـ فليس معنى ذلك أنّ ظواهره كلّها هي حجّة بالنسبة إلى كلّ أحد ، حتى بالنسبة إلى من لم يتزوّد (٤) بشيء من العلم ، والمعرفة (٥).

وحينئذ نقول لمن ينكر حجّيّة ظواهر الكتاب : ما ذا تعني من هذا الإنكار؟

١. إن كنت تعني هذا المعنى الذي تقدم ذكره ـ وهو عدم جواز التسرّع بالأخذ بها من

__________________

(١) أي : يتطلّب.

(٢) أي : هل تراه يرفق به ولا يعتب عليه؟

(٣) أي : وهل تراه لا يكدّر بالكلام ؛ لأنّه فعل ما ليس جائزا؟ وفي «س» : «لا يلام على تطفّله».

(٤) أي : لم يتّخذ.

(٥) وفي «س» : لم يتنوّر بنور العلم والمعرفة.

دون فحص عمّا يصلح لصرفها عن ظواهرها ، وعدم جواز التسرّع بالأخذ بها من كلّ أحد ـ فهو كلام صحيح. وهو أمر طبيعيّ في كلّ كلام عال رفيع ، وفي كلّ مؤلّف في المعارف العالية. ولكن قلنا : إنّه ليس معنى ذلك أنّ ظواهره مطلقا ليست بحجّة بالنسبة إلى كلّ أحد.

٢. وإن كنت تعني الجمود على خصوص ما ورد من آل البيت عليهم‌السلام ـ على وجه لا يجوز التعرّض لظواهر القرآن ، والأخذ بها مطلقا فيما لم يرد فيه بيان من قبلهم ، حتى بالنسبة إلى من يستطيع فهمه من العارفين بمواقع الكلام ، وأساليبه ، ومقتضيات الأحوال ، مع الفحص عن كلّ ما يصلح للقرينة ، أو ما يصلح لنسخه ـ فإنّه (١) أمر لا يثبته ما ذكروه له من الأدلّة.

كيف؟ وقد ورد عنهم عليهم‌السلام إرجاع الناس إلى القرآن الكريم ، مثل ما ورد من الأمر بعرض الأخبار المتعارضة عليه (٢) ، بل ورد عنهم ما هو أعظم من ذلك ، وهو عرض كلّ ما ورد عنهم على القرآن الكريم (٣) ، كما ورد عنهم الأمر بردّ الشروط المخالفة للكتاب في أبواب العقود (٤) ، ووردت عنهم أخبار خاصّة دالّة على جواز التمسّك بظواهره ، نحو قوله عليه‌السلام لزرارة لمّا قال له : من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس؟ فقال عليه‌السلام : «لمكان الباء» (٥) ، ويقصد الباء من قوله (تعالى) : ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ﴾ (٦). فعرّف زرارة [أنّه] كيف يستفيد الحكم من ظاهر الكتاب.

ثمّ إذا كان يجب الجمود على ما ورد من أخبار بيت العصمة فإنّ معنى ذلك هو الأخذ بظواهر أقوالهم ، لا بظواهر الكتاب. وحينئذ ننقل الكلام إلى نفس أخبارهم ، حتى فيما يتعلّق منها بتفسير الكتاب ، فنقول : هل يكفي لكلّ أحد أن يرجع إلى ظواهرها من دون تدبّر وبصيرة ومعرفة ، ومن دون فحص عن القرائن ، واطّلاع على كلّ ما دخل في مضامينها؟

بل هذه الأخبار لا تقلّ من هذا الجهة عن ظواهر الكتاب ، بل الأمر فيها أعظم ؛ لأنّ سندها يحتاج إلى تصحيح ، وتنقيح ، وفحص ؛ ولأنّ جملة منها منقولة بالمعنى ، وما ينقل

__________________

(١) جواب «وإن كنت».

(٢) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ـ ٨٩ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي.

(٣) المصدر السابق.

(٤) وسائل الشيعة ١٢ : ٣٥٣ ، الباب ٦ من أبواب الخيار.

(٥) من لا يحضره الفقيه ١ : ٧ ح ٢١٢.

(٦) المائدة (٥) الآية : ٦.

بالمعنى لا يحرز فيه نصّ ألفاظ المعصوم ، وتعبيره ، ولا مراداته. ولا يحرز في أكثرها أنّ النقل كان لنصّ الألفاظ.

وأمّا : ما ورد من النهي عن التفسير بالرأي ـ مثل النبوي المشهور : «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» (١) ـ ، فالجواب عنه أنّ التفسير غير الأخذ بالظاهر ، والأخذ بالظاهر لا يسمّى تفسيرا ، على أنّ مقتضى الجمع بينها وبين تلك الأخبار المجوّزة للأخذ بالكتاب والرجوع إليه حمل التفسير بالرأي ـ إذا سلّمنا أنّه يشمل الأخذ بالظاهر ـ على معنى التسرّع بالأخذ به بالاجتهادات الشخصيّة ، من دون فحص ، ومن دون سابقة معرفة وتأمّل ودراسة ، كما يعطيه التعليل في بعضها ، بأنّ فيه ناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا. مع أنّه في الكتاب العزيز من المقاصد العالية ما لا ينالها إلاّ أهل الذكر ، وفيه ما يقصر عن الوصول إلى إدراكه أكثر الناس ، ولا يزال ينكشف له من الأسرار ما كان خافيا على المفسّرين كلّما تقدّمت العلوم والمعارف ممّا يوجب الدهشة ، (٢) ويحقّق إعجازه من هذه الناحية.

والتحقيق أنّ في الكتاب العزيز جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهورا وخفاء ، وليست ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة إلى أكثر الناس ، وكذلك كلّ كلام ، ولا يخرج الكلام بذلك عن كونه ظاهرا يصلح للاحتجاج به عند أهله ، بل قد تكون الآية الواحدة لها ظهور من جهة لا يخفى على كلّ أحد ، وظهور آخر يحتاج إلى تأمّل وبصيرة ، فيخفى على كثير من الناس.

ولنضرب لذلك مثلا ، قوله (تعالى) : ﴿إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ، فإنّ هذه الآية الكريمة ظاهرة في أنّ الله (تعالى) قد أنعم على نبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بإعطائه الكوثر. وهذا الظهور بهذا المقدار لا شكّ فيه لكلّ أحد. ولكن ليس كلّ الناس فهموا المراد من «الكوثر». فقيل : «المراد به نهر في الجنّة». وقيل : «المراد القرآن والنبوّة». وقيل : «المراد به ابنته

__________________

(١) لم أعثر عليه بالعبارة المذكورة ، ولكن ورد في البحار : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار». بحار الأنوار ٩٢ : ١١.

(٢) أي : التحيّر.

(٣) الكوثر (١٠٨) الآية : ١.