درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۳: مباحث حجت ۳۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بالمعنى لا يحرز فيه نصّ ألفاظ المعصوم ، وتعبيره ، ولا مراداته. ولا يحرز في أكثرها أنّ النقل كان لنصّ الألفاظ.

وأمّا : ما ورد من النهي عن التفسير بالرأي ـ مثل النبوي المشهور : «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار» (١) ـ ، فالجواب عنه أنّ التفسير غير الأخذ بالظاهر ، والأخذ بالظاهر لا يسمّى تفسيرا ، على أنّ مقتضى الجمع بينها وبين تلك الأخبار المجوّزة للأخذ بالكتاب والرجوع إليه حمل التفسير بالرأي ـ إذا سلّمنا أنّه يشمل الأخذ بالظاهر ـ على معنى التسرّع بالأخذ به بالاجتهادات الشخصيّة ، من دون فحص ، ومن دون سابقة معرفة وتأمّل ودراسة ، كما يعطيه التعليل في بعضها ، بأنّ فيه ناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا. مع أنّه في الكتاب العزيز من المقاصد العالية ما لا ينالها إلاّ أهل الذكر ، وفيه ما يقصر عن الوصول إلى إدراكه أكثر الناس ، ولا يزال ينكشف له من الأسرار ما كان خافيا على المفسّرين كلّما تقدّمت العلوم والمعارف ممّا يوجب الدهشة ، (٢) ويحقّق إعجازه من هذه الناحية.

والتحقيق أنّ في الكتاب العزيز جهات كثيرة من الظهور تختلف ظهورا وخفاء ، وليست ظواهره من هذه الناحية على نسق واحد بالنسبة إلى أكثر الناس ، وكذلك كلّ كلام ، ولا يخرج الكلام بذلك عن كونه ظاهرا يصلح للاحتجاج به عند أهله ، بل قد تكون الآية الواحدة لها ظهور من جهة لا يخفى على كلّ أحد ، وظهور آخر يحتاج إلى تأمّل وبصيرة ، فيخفى على كثير من الناس.

ولنضرب لذلك مثلا ، قوله (تعالى) : ﴿إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (٣) ، فإنّ هذه الآية الكريمة ظاهرة في أنّ الله (تعالى) قد أنعم على نبيّه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله بإعطائه الكوثر. وهذا الظهور بهذا المقدار لا شكّ فيه لكلّ أحد. ولكن ليس كلّ الناس فهموا المراد من «الكوثر». فقيل : «المراد به نهر في الجنّة». وقيل : «المراد القرآن والنبوّة». وقيل : «المراد به ابنته

__________________

(١) لم أعثر عليه بالعبارة المذكورة ، ولكن ورد في البحار : «من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار». بحار الأنوار ٩٢ : ١١.

(٢) أي : التحيّر.

(٣) الكوثر (١٠٨) الآية : ١.

فاطمة عليها‌السلام». وقيل غير ذلك. (١) ولكن من يدقّق في السورة يجد أنّ فيها قرينة على المراد منه ، وهي الآية التي بعدها ﴿إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. (٢) و «الأبتر» : الذي لا عقب له ، فإنّه بمقتضى المقابلة يفهم منها أنّ المراد الإنعام عليه بكثرة العقب ، والذرّيّة. وكلمة «الكوثر» لا تأبى عن ذلك ، فإنّ «فوعل» تأتي للمبالغة ، فيراد بها المبالغة في الكثرة ، والكثرة : نماء العدد. فيكون المعنى : إنّا أعطيناك الكثير من الذرّيّة ، والنسل. وبعد هذه المقارنة ووضوح معنى الكوثر يكون للآية ظهور يصحّ الاحتجاج به ، ولكنّه ظهور بعد التأمّل والتبصّر. وحينئذ ينكشف صحّة تفسير كلمة «الكوثر» بفاطمة عليها‌السلام ؛ لانحصار ذرّيّته الكثيرة من طريقها ، لا على أن تكون الكلمة من أسمائها.

تمرينات (٥٨)

١. ما هو محلّ البحث في الباب الخامس؟

٢. ما هي طرق إثبات الظواهر؟

٣. لم لا يدلّ الإجماع وبناء العقلاء على حجّيّة قول اللغويّ؟

٤. ما هو الوجه الصحيح في الاستدلال على حجّيّة قول اللغويّ؟

٥. ما هو رأى المحقّق النائيني في الفرق بين الظهور التصوريّ والظهور التصديقيّ؟ وما هو رأي المصنّف فيه؟

٦. ما الوجه في حجّيّة الظهور؟

٧. هل يشترط في تباني العقلاء على حجّيّة الظاهر حصول الظنّ الفعلي بمراد المتكلّم؟

٨. هل يشترط فيه عدم الظنّ بخلاف الظاهر؟ أذكر ما قال المحقّق الخراسانيّ ، والمصنّف في المقام.

٩. هل اشترط فيه جريان أصالة عدم القرينة؟ اذكر قول الشيخ ، وقول المحقّق الخراسانيّ ، ومختار المصنّف.

١٠. ما هو رأي المحقّق القمّي في حجّيّة الظهور؟ وما الجواب عنه؟

١١. ما هو رأي الأخباريّين في حجّيّة ظواهر الكتاب العزيز؟ وما الجواب عنه؟

١٢. ما الجواب عمّا ورد في النهي عن التفسير بالرأي؟

__________________

(١) وإن شئت فراجع مجمع البيان ١٠ : ٨٣٦ ـ ٨٣٧.

(٢) الكوثر (١٠٨) الآية : ٣.

الباب السادس

الشهرة

إنّ الشهرة لغة تتضمّن معنى ذيوع الشيء ووضوحه. ومنه قولهم : «شهر فلان سيفه» ، و «سيف مشهور».

وقد أطلقت «الشهرة» باصطلاح أهل الحديث على كلّ خبر كثر راويه على وجه لا يبلغ حدّ التواتر. والخبر يقال له حينئذ : «مشهور» ، كما قد يقال له : «مستفيض».

وكذلك يطلقون «الشهرة» باصطلاح الفقهاء على كلّ ما لا يبلغ درجة الإجماع من الأقوال في المسألة الفقهيّة. فهي عندهم لكلّ قول كثر القائل به في مقابل القول النادر. والقول يقال له : «مشهور» ، كما أنّ المفتين الكثيرين أنفسهم يقال لهم : «مشهور» ، فيقولون : «ذهب المشهور إلى كذا» ، و «قال المشهور بكذا» ... وهكذا.

وعلى هذا ، فالشهرة في الاصطلاح على قسمين :

١. الشهرة في الرواية : وهي ـ كما تقدّم ـ عبارة عن شيوع نقل الخبر من عدّة رواة ، على وجه لا يبلغ حدّ التواتر. ولا يشترط في تسميتها بـ «الشهرة» أن يشتهر العمل بالخبر عند الفقهاء أيضا ، فقد يشتهر وقد لا يشتهر. وسيأتي في مبحث التعادل والتراجيح (١) أنّ هذه الشهرة من أسباب ترجيح الخبر على ما يعارضه من الأخبار. فيكون الخبر المشهور حجّة من هذه الجهة.

٢. الشهرة في الفتوى : وهي ـ كما تقدّم ـ عبارة عن شيوع الفتوى عند الفقهاء بحكم شرعيّ ، وذلك بأن يكثر المفتون على وجه لا تبلغ الكثرة (٢) درجة الإجماع الموجب للقطع

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٥٨٤.

(٢) أي كثرة المفتين. وفي المطبوع : «لا تبلغ الشهرة» والصحيح ما اثبتناه.

بقول المعصوم.

فالمقصود بالشهرة ـ إذن ـ ذيوع الفتوى الموجب للاعتقاد بمطابقتها (١) للواقع من غير أن يبلغ (٢) درجة القطع.

وهذه الشهرة في الفتوى على قسمين من جهة وقوع البحث عنها والنزاع فيها :

الأوّل : أن يعلم فيها أنّ مستندها خبر خاصّ موجود بين أيدينا. وتسمّى حينئذ «الشهرة العمليّة». وسيأتي في باب التعادل والتراجيح البحث عمّا إذا كانت هذه الشهرة العمليّة موجبة لجبر الخبر الضعيف من جهة السند ، والبحث أيضا عمّا إذا كانت موجبة لجبر الخبر غير الظاهر من جهة الدلالة. (٣)

الثاني : ألاّ يعلم فيها أنّ مستندها أيّ شيء هو؟ فتكون شهرة في الفتوى مجرّدة ، سواء كان هناك خبر على طبق الشهرة ولكن لم يستند إليها المشهور ، أو لم يعلم استنادهم إليه ، أم لم يكن خبر أصلا. وينبغي أن تسمّى هذه بـ «الشهرة الفتوائيّة». وهي ـ أعني الشهرة الفتوائيّة ـ موضوع بحثنا هنا الذي لأجله عقدنا هذا الباب. فقد قيل (٤) : «إنّ هذه الشهرة حجّة على الحكم الذي وقعت عليه الفتوى من جهة كونها شهرة ، فتكون من الظنون الخاصّة ، كخبر الواحد». وقيل : «لا دليل على حجّيتها». (٥)

وهذا الاختلاف بعد الاتّفاق على أنّ فتوى مجتهد واحد أو أكثر ما لم تبلغ الشهرة

__________________

(١) أي مطابقة الفتوى.

(٢) أي الاعتقاد.

(٣) يأتي في الصفحة ٥٨٤.

(٤) نسب إلى الشهيد الأوّل ترجيحه هذا القول ، ونقله عن بعض الأصحاب ، من دون أن يذكر اسمه. ونسب أيضا إلى المحقّق الخوانساريّ اختيار هذا القول. وعزي كذلك إلى صاحب المعالم. * ولكنّ الشهرة على خلافهم ـ منه قدس‌سره ـ.

(٥) وهذا هو المعروف عند أكثر المتأخّرين ، فراجع كتبهم كفرائد الأصول ١ : ١٠٥ ـ ١٠٧ ؛ كفاية الأصول : ٣٣٦ ؛ فوائد الأصول ٣ : ١٥٣ ـ ١٥٦ ؛ نهاية الأفكار ٣ : ١٠١.

__________________

* أقول : والناسب إليهم صاحب الفصول ، والسيّد المجاهد ، فراجع الفصول الغرويّة : ٢٥٢ ـ ٢٥٣ ، ومفاتيح الأصول : ٤٩٨. وراجع كلام الشهيد في الذكرى ١ : ٥٢.

لا تكون حجّة على مجتهد آخر ، ولا يجوز التعويل عليها. وهذا معنى ما ذهبوا إليه من عدم جواز التقليد ، أي بالنسبة إلى من يتمكّن من الاستنباط.

والحقّ أنّه لا دليل على حجّيّة الظنّ الناشئ من الشهرة ، مهما بلغ من القوّة ، وإن كان من المسلّم به أنّ الخبر الذي عمل به المشهور حجّة ولو كان ضعيفا من ناحية السند ، كما سيأتي بيانه في محلّه. (١) وقد ذكروا لحجّيّة الشهرة جملة من الأدلّة ، كلّها مردودة :

الدليل الأوّل : أولويّتها من خبر العادل

قيل : «إنّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تدلّ على حجّيّة الشهرة بمفهوم الموافقة ؛ نظرا إلى أنّ الظنّ الحاصل من الشهرة أقوى غالبا من الظنّ الحاصل من خبر الواحد ، حتى العادل ، فالشهرة أولى بالحجّيّة من خبر العادل». (٢)

والجواب أنّ هذا المفهوم إنّما يتمّ إذا أحرزنا على نحو اليقين أنّ العلّة في حجّيّة خبر العادل هي إفادته الظنّ ، ليكون ما هو أقوى ظنّا أولى بالحجّيّة. ولكن هذا غير ثابت في وجه حجّيّة خبر الواحد إذا لم يكن الثابت عدم اعتبار الظنّ الفعليّ.

الدليل الثاني : عموم تعليل آية النبأ

وقيل : «إنّ عموم التعليل في آية النبأ ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ (٣) يدلّ على اعتبار مثل الشهرة ؛ لأنّ الذي يفهم من التعليل أنّ الإصابة من الجهالة هي المانعة من قبول خبر الفاسق بلا تبيّن ، فيدلّ على أنّ كلّ ما يؤمن معه من الإصابة بجهالة فهو حجّة يجب الأخذ به. والشهرة كذلك».

والجواب أنّ هذا ليس تمسّكا بعموم التعليل ـ على تقدير تسليم أنّ هذه الفقرة من الآية واردة مورد التعليل ، وقد تقدّم بيان ذلك في أدلّة حجّيّة خبر الواحد (٤) ـ ، بل هذا

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٥٨٤.

(٢) انتهى ملخّص ما استدلّ به الشهيد على حجيّة الشهرة في الذكرى ١ : ٥٢ ، ومسالك الأفهام ٢ : ٢٢٧.

(٣) الحجرات (٤٩) الآية : ٦.

(٤) تقدّم في الصفحة : ٤٣٠.