درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۴: مباحث حجت ۳۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

لا تكون حجّة على مجتهد آخر ، ولا يجوز التعويل عليها. وهذا معنى ما ذهبوا إليه من عدم جواز التقليد ، أي بالنسبة إلى من يتمكّن من الاستنباط.

والحقّ أنّه لا دليل على حجّيّة الظنّ الناشئ من الشهرة ، مهما بلغ من القوّة ، وإن كان من المسلّم به أنّ الخبر الذي عمل به المشهور حجّة ولو كان ضعيفا من ناحية السند ، كما سيأتي بيانه في محلّه. (١) وقد ذكروا لحجّيّة الشهرة جملة من الأدلّة ، كلّها مردودة :

الدليل الأوّل : أولويّتها من خبر العادل

قيل : «إنّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تدلّ على حجّيّة الشهرة بمفهوم الموافقة ؛ نظرا إلى أنّ الظنّ الحاصل من الشهرة أقوى غالبا من الظنّ الحاصل من خبر الواحد ، حتى العادل ، فالشهرة أولى بالحجّيّة من خبر العادل». (٢)

والجواب أنّ هذا المفهوم إنّما يتمّ إذا أحرزنا على نحو اليقين أنّ العلّة في حجّيّة خبر العادل هي إفادته الظنّ ، ليكون ما هو أقوى ظنّا أولى بالحجّيّة. ولكن هذا غير ثابت في وجه حجّيّة خبر الواحد إذا لم يكن الثابت عدم اعتبار الظنّ الفعليّ.

الدليل الثاني : عموم تعليل آية النبأ

وقيل : «إنّ عموم التعليل في آية النبأ ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ (٣) يدلّ على اعتبار مثل الشهرة ؛ لأنّ الذي يفهم من التعليل أنّ الإصابة من الجهالة هي المانعة من قبول خبر الفاسق بلا تبيّن ، فيدلّ على أنّ كلّ ما يؤمن معه من الإصابة بجهالة فهو حجّة يجب الأخذ به. والشهرة كذلك».

والجواب أنّ هذا ليس تمسّكا بعموم التعليل ـ على تقدير تسليم أنّ هذه الفقرة من الآية واردة مورد التعليل ، وقد تقدّم بيان ذلك في أدلّة حجّيّة خبر الواحد (٤) ـ ، بل هذا

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٥٨٤.

(٢) انتهى ملخّص ما استدلّ به الشهيد على حجيّة الشهرة في الذكرى ١ : ٥٢ ، ومسالك الأفهام ٢ : ٢٢٧.

(٣) الحجرات (٤٩) الآية : ٦.

(٤) تقدّم في الصفحة : ٤٣٠.

الاستدلال تمسّك بعموم نقيض التعليل. ولا دلالة في الآية على نقيض التعليل بالضرورة ؛ لأنّ هذه الآية نظيرة نهي الطبيب عن بعض الطعام لأنّه حامض ـ مثلا ـ ، فإنّ هذا التعليل لا يدلّ على أنّ كلّ ما هو ليس بحامض يجوز أو يجب أكله. وكذلك هنا ؛ فإنّ حرمة العمل بنبإ الفاسق بدون تبيّن ـ لأنّه يستلزم الإصابة بجهالة ـ لا تدلّ على وجوب الأخذ بكلّ ما يؤمن فيه ذلك وما لا يستلزم الإصابة بجهالة.

وأمّا : دلالتها على خصوص حجّيّة خبر الواحد العادل فقد استفدناها من طريق آخر ، وهو طريق مفهوم الشرط على ما تقدّم شرحه ، (١) لا من طريق عموم نقيض التعليل.

وبعبارة أخرى : إنّ أكثر ما تدلّ الآية في تعليلها على (٢) أنّ الإصابة بجهالة مانعة عن تأثير المقتضي لحجّيّة الخبر ، ولا تدلّ على وجود المقتضي للحجّيّة في كلّ شيء آخر ؛ حيث لا يوجد فيه المانع ، حتى تكون دالّة على حجّيّة مثل الشهرة المفقود فيها المانع. أو نقول : إنّ فقدان المانع عن الحجّيّة في مثل الشهرة لا يستلزم وجود المقتضي فيها للحجّيّة ، ولا تدلّ الآية على أنّ كلّ ما ليس فيه مانع فالمقتضي فيه موجود.

الدليل الثالث : دلالة بعض الأخبار

قيل : «إنّ بعض الأخبار دالّة على اعتبار الشهرة ، مثل مرفوعة زرارة : قال زرارة : سألت الباقر عليه‌السلام ، فقلت : ـ جعلت فداك ـ يأتي عنكم الخبران ، أو الحديثان المتعارضان ، فبأيّهما آخذ؟ قال عليه‌السلام «[يا زرارة!] خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشاذّ النادر». قلت يا سيّدي ، إنّهما معا مشهوران [مرويّان] ، مأثوران عنكم. قال عليه‌السلام : «خذ بما يقوله (٣) أعدلهما ...» إلى آخر الخبر (٤) ، (٥).

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٤٣٢.

(٢) خبر «إنّ» أي : دلالتها على ... والأولى : «... تدلّ عليه الآية في تعليلها أنّ».

(٣) وفي المصدر : «خذ بقول ...».

(٤) عوالي اللآلئ ٤ : ١٣٣ ح ٢٢٩ ؛ مستدرك الوسائل ١٧ : ٣٠٣ ، كتاب القضاء ، الباب ٩ ح ٢.

(٥) هذا الدليل تعرّض له وللإجابة عليه في مفاتيح الأصول : ٤٩٨.

والاستدلال بهذه المرفوعة من وجهين :

الأوّل : أنّ المراد من الموصول في قوله : «بما اشتهر» مطلق المشهور بما هو مشهور ، لا خصوص الخبر ، فيعمّ المشهور بالفتوى ؛ لأنّ الموصول من الأسماء المبهمة التي تحتاج إلى ما يعيّن مدلولها ، والمعيّن لمدلول الموصول هي الصلة ، وهنا ـ وهي (١) قوله : «اشتهر» ـ تشمل كلّ شيء اشتهر ، حتى الفتوى.

الثاني : أنّه على تقدير أن يراد من الموصول خصوص الخبر ؛ فإنّ المفهوم من المرفوعة إناطة الحكم بالشهرة ، فتدلّ على أنّ الشهرة بما هي شهرة توجب اعتبار المشتهر ، فيدور الحكم معها حيثما دارت ، فالفتوى المشتهرة أيضا معتبرة ، كالخبر المشهور.

والجواب : أمّا عن الوجه الأوّل : فبأنّ الموصول كما يتعيّن المراد منه بالصلة ، كذلك يتعيّن بالقرائن الأخرى المحفوفة به. والذي يعيّنه هنا السؤال المتقدّم عليه ؛ إذ السؤال وقع عن نفس الخبر ، والجواب لا بدّ أن يطابق السؤال. وهذا نظير ما لو سألت : أيّ إخوتك أحبّ إليك؟ فأجبت : «من كان أكبر منّي» ، فإنّه لا ينبغي أن يتوهّم أحد أنّ الحكم في هذا الجواب يعمّ كلّ من كان أكبر منك ، ولو كان من غير إخوتك.

وأمّا عن الوجه الثاني : فبأنّه بعد وضوح إرادة الخبر من الموصول (٢) يكون الظاهر من الجملة تعليق الحكم على الشهرة في خصوص الخبر ، فيكون المناط في الحكم شهرة الخبر بما أنّها شهرة الخبر ، لا الشهرة بما هي ، وإن كانت منسوبة إلى شيء آخر.

وكذلك يقاس الحال في مقبولة ابن حنظلة ، (٣) الآتية في باب التعادل والتراجيح. (٤)

تنبيه

من المعروف عن المحقّقين من علمائنا أنّهم لا يجرءون على مخالفة المشهور إلاّ مع

__________________

(١) أي : الصلة.

(٢) وإليه ذهب أيضا المحقّق الحائريّ في درر الفوائد ٢ : ٤٥.

(٣) راجع وسائل الشيعة ١٨ : ٧٥ ، كتاب القضاء ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١.

(٤) يأتي في الصفحة : ٥٨١.

دليل قويّ ، ومستند جليّ يصرفهم عن المشهور ، بل ما زالوا يحرصون على موافقة المشهور وتحصيل دليل يوافقه ، ولو كان الدالّ على غيره أولى بالأخذ ، وأقوى في نفسه ، وما ذلك من جهة التقليد للأكثر ، ولا من جهة قولهم بحجّيّة الشهرة ، وإنّما منشأ ذلك إكبار (١) المشهور من آراء العلماء ، لا سيّما إذا كانوا من أهل التحقيق والنظر.

وهذه طريقة جارية في سائر الفنون ؛ فإنّ مخالفة أكثر المحقّقين في كلّ صناعة لا تسهل ، إلاّ مع حجّة واضحة ، وباعث قويّ ؛ لأنّ المنصف قد يشكّ في صحّة رأيه مقابل المشهور ، فيجوّز على نفسه الخطأ ، ويخشى أن يكون رأيه عن جهل مركّب ، لا سيّما إذا كان قول المشهور هو الموافق للاحتياط.

تمرينات (٥٩)

١. ما معنى الشهرة لغة؟

٢. ما معنى الشهرة في اصطلاح أهل الحديث ، واصطلاح الفقهاء؟

٣. ما هي الشهرة في الرواية ، والشهرة في الفتوى؟ وأيّتهما كانت محلّ النزاع؟

٤. اذكر الأقوال في حجّيّة الشهرة. واذكر الراجح منها عند المصنّف.

٥. اذكر ادلّة القائلين بحجّيّة الشهرة ، واذكر الجواب عنها.

٦. هل مخالفة المشهور جائزة أم لا؟

__________________

(١) أي تعظيم.