درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۵: مباحث حجت ۳۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الباب السابع

السيرة

المقصود من «السيرة» ـ كما هو واضح ـ استمرار عادة الناس وتبانيهم العمليّ على فعل شيء ، أو تركه.

والمقصود بالناس إمّا جميع العقلاء والعرف العامّ من كلّ ملّة ونحلة ، فيعمّ المسلمين وغيرهم ؛ وتسمّى السيرة حينئذ «السيرة العقلائيّة». والتعبير الشائع عند الأصوليّين المتأخّرين تسميتها ب : «بناء العقلاء». وإمّا جميع المسلمين بما هم مسلمون ، أو خصوص أهل نحلة خاصّة منهم ، كالإماميّة ـ مثلا ـ ؛ وتسمّى السيرة حينئذ «سيرة المتشرّعة» ، أو «السيرة الشرعيّة» ، أو «السيرة الإسلاميّة».

وينبغي التنبيه على حجّيّة كلّ من هذين القسمين ؛ لاستكشاف الحكم الشرعيّ فيما جرت عليه السيرة ، وعلى مدى دلالة السيرة ، فنقول :

١. حجّيّة بناء العقلاء

لقد تكلّمنا أكثر من مرّة ـ فيما سبق من هذا الجزء ـ عن «بناء العقلاء» ، واستدللنا به على حجّيّة خبر الواحد (١) ، وحجّيّة الظواهر (٢). وقد أشبعنا الموضوع بحثا في مسألة «حجّيّة قول اللغويّ». (٣)

__________________

(١) راجع الصفحة : ٤٤٦ ـ ٤٥٠.

(٢) راجع الصفحة : ٤٩٤ ـ ٤٩٥.

(٣) راجع الصفحة : ٤٩٠.

وهناك قلنا : إنّ بناء العقلاء لا يكون دليلا إلاّ إذا كان يستكشف منه على نحو اليقين موافقة الشارع وإمضاؤه لطريقة العقلاء ؛ لأنّ اليقين تنتهي إليه حجّيّة كلّ حجّة.

وقلنا هناك : إنّ موافقة الشارع لا تستكشف على نحو اليقين إلاّ بأحد شروط ثلاثة. ونذكر خلاصتها هنا بأسلوب آخر من البيان ، فنقول :

إنّ السيرة إمّا أن ينتظر فيها أن يكون الشارع متّحد المسلك مع العقلاء ؛ إذ لا مانع من ذلك. وإمّا ألاّ ينتظر ذلك ؛ لوجود مانع من اتّحاده معهم في المسلك ، كما في الاستصحاب.

فإن كان الأوّل ، فإن ثبت من الشارع الردع عن العمل بها فلا حجّيّة فيها قطعا.

وإن لم يثبت الردع منه ، (١) فلا بدّ أن يعلم اتّحاده في المسلك معهم ؛ لأنّه أحد العقلاء ، بل رئيسهم ، فلو لم يرتضها ولم يتّخذها مسلكا له كسائر العقلاء ، لبيّن ذلك ، ولردعهم عنها ، ولذكر لهم مسلكه الذي يتّخذه بدلا عنها ، لا سيّما في الأمارات المعمول بها عند العقلاء ، كخبر الواحد الثقة ، والظواهر.

وإن كان الثاني فإمّا أن يعلم جريان سيرة العقلاء في العمل بها في الأمور الشرعيّة ، كما في الاستصحاب. وإمّا ألاّ يعلم ذلك ، كما في الرجوع إلى أهل الخبرة في إثبات اللغات.

فإن كان الأوّل فنفس عدم ثبوت ردعه كاف في استكشاف موافقته لهم ، لأنّ ذلك ممّا يعنيه ويهمّه ، فلو لم يرتضها ـ وهي بمرأى ومسمع منه ـ لردعهم عنها ، ولبلّغهم بالردع ، بأيّ نحو من أنحاء التبليغ ، فبمجرّد عدم ثبوت الردع منه نعلم بموافقته ؛ ضرورة أنّ الردع الواقعيّ غير الواصل لا يعقل أن يكون ردعا فعليّا ، وحجّة.

وبهذا نثبت حجّيّة مثل الاستصحاب ببناء العقلاء ؛ لأنّه لمّا كان ممّا بنى على العمل به العقلاء بما فيهم المسلمون ، وقد أجروه في الأمور الشرعيّة بمرأى ومسمع من الإمام ، والمفروض أنّه لم يكن هناك ما يحول دون إظهار الردع ، وتبليغه من تقيّة ، ونحوها ، فلا بدّ أن يكون الشارع قد ارتضاه ؛ طريقة في الأمور الشرعيّة.

وإن كان الثاني ـ أي لم يعلم ثبوت السيرة في الأمور الشرعيّة ـ فإنّه لا يكفي حينئذ في

__________________

(١) أي : من الشارع.

استكشاف موافقة الشارع عدم ثبوت الردع منه ؛ إذ لعلّه ردعهم عن إجرائها (١) في الأمور الشرعيّة فلم يجروها ، أو لعلّهم لم يجروها في الأمور الشرعيّة من عند أنفسهم فلم يكن من وظيفة الشارع أن يردع عنها في غير الأمور الشرعيّة ، لو كان لا يرتضيها في الشرعيّات. وعليه ، فلأجل استكشاف رضا الشارع وموافقته على إجرائها في الشرعيّات لا بدّ من إقامة دليل خاصّ قطعيّ على ذلك.

وبعض السير من هذا القبيل قد ثبت عن الشارع إمضاؤه لها ، مثل الرجوع إلى أهل الخبرة عند النزاع في تقدير قيم الأشياء ومقاديرها ، نظير القيميّات المضمونة بالتلف ونحوه ، وتقدير قدر الكفاية في نفقة الأقارب ، ونحو ذلك.

أمّا : ما لم يثبت فيها دليل خاصّ ـ كالسيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغات ـ فلا عبرة بها ، وإن حصل الظنّ منها ؛ لأنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا. كما تقدّم ذلك هناك.

٢. حجّيّة سيرة المتشرّعة

إنّ السيرة عند المتشرّعة من المسلمين على فعل شيء أو تركه هي في الحقيقة من نوع الإجماع ، بل هي أرقى (٢) أنواع الإجماع ؛ لأنّها إجماع عمليّ من العلماء ، وغيرهم. والإجماع في الفتوى إجماع قوليّ ، ومن العلماء خاصّة.

والسيرة على نحوين : تارة يعلم فيها أنّها كانت جارية في عصور المعصومين عليهم‌السلام ، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها ، أو يكون مقرّرا لها ، وأخرى لا يعلم ذلك ، أو يعلم حدوثها بعد عصورهم.

فإن كانت على النحو الأوّل فلا شكّ في أنّها حجّة قطعيّة على موافقة الشارع ، فتكون بنفسها دليلا على الحكم ، كالإجماع القوليّ الموجب للحدس القطعيّ برأي المعصوم. وبهذا تختلف عن «سيرة العقلاء» (٣) ؛ فإنّها إنّما تكون حجّة إذا ثبت من دليل آخر إمضاء الشارع

__________________

(١) أي : السيرة.

(٢) أي : أرفع.

(٣) راجع حاشية شيخنا الأصفهاني قدس‌سره على مكاسب الشيخ : ٢٥. ـ منه قدس‌سره ـ.