درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۶: مباحث حجت ۳۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

استكشاف موافقة الشارع عدم ثبوت الردع منه ؛ إذ لعلّه ردعهم عن إجرائها (١) في الأمور الشرعيّة فلم يجروها ، أو لعلّهم لم يجروها في الأمور الشرعيّة من عند أنفسهم فلم يكن من وظيفة الشارع أن يردع عنها في غير الأمور الشرعيّة ، لو كان لا يرتضيها في الشرعيّات. وعليه ، فلأجل استكشاف رضا الشارع وموافقته على إجرائها في الشرعيّات لا بدّ من إقامة دليل خاصّ قطعيّ على ذلك.

وبعض السير من هذا القبيل قد ثبت عن الشارع إمضاؤه لها ، مثل الرجوع إلى أهل الخبرة عند النزاع في تقدير قيم الأشياء ومقاديرها ، نظير القيميّات المضمونة بالتلف ونحوه ، وتقدير قدر الكفاية في نفقة الأقارب ، ونحو ذلك.

أمّا : ما لم يثبت فيها دليل خاصّ ـ كالسيرة في الرجوع إلى أهل الخبرة في اللغات ـ فلا عبرة بها ، وإن حصل الظنّ منها ؛ لأنّ الظنّ لا يغني من الحقّ شيئا. كما تقدّم ذلك هناك.

٢. حجّيّة سيرة المتشرّعة

إنّ السيرة عند المتشرّعة من المسلمين على فعل شيء أو تركه هي في الحقيقة من نوع الإجماع ، بل هي أرقى (٢) أنواع الإجماع ؛ لأنّها إجماع عمليّ من العلماء ، وغيرهم. والإجماع في الفتوى إجماع قوليّ ، ومن العلماء خاصّة.

والسيرة على نحوين : تارة يعلم فيها أنّها كانت جارية في عصور المعصومين عليهم‌السلام ، حتى يكون المعصوم أحد العاملين بها ، أو يكون مقرّرا لها ، وأخرى لا يعلم ذلك ، أو يعلم حدوثها بعد عصورهم.

فإن كانت على النحو الأوّل فلا شكّ في أنّها حجّة قطعيّة على موافقة الشارع ، فتكون بنفسها دليلا على الحكم ، كالإجماع القوليّ الموجب للحدس القطعيّ برأي المعصوم. وبهذا تختلف عن «سيرة العقلاء» (٣) ؛ فإنّها إنّما تكون حجّة إذا ثبت من دليل آخر إمضاء الشارع

__________________

(١) أي : السيرة.

(٢) أي : أرفع.

(٣) راجع حاشية شيخنا الأصفهاني قدس‌سره على مكاسب الشيخ : ٢٥. ـ منه قدس‌سره ـ.

لها ، ولو من طريق عدم ثبوت الردع من قبله ، كما سبق.

وإن كانت على النحو الثاني ، فلا نجد مجالا للاعتماد عليها في استكشاف موافقة المعصوم على نحو القطع واليقين ، كما قلنا في الإجماع ، وهي نوع منه ، بل هي دون الإجماع القوليّ في ذلك ، كما سيأتي وجهه. (١)

قال الشيخ الأعظم قدس‌سره في كتاب البيع في مبحث المعاطاة : «وأمّا : ثبوت السيرة واستمرارها على التوريث ـ يقصد توريث ما يباع معاطاة ـ فهي كسائر سيراتهم الناشئة من المسامحة ، وقلّة المبالاة في الدين ممّا لا يحصى في عباداتهم ، ومعاملاتهم ، كما لا يخفى». (٢)

ومن الواضح أنّه يعنى من السيرة هذا النحو الثاني. والسرّ في عدم الاعتماد على هذا النحو من السيرة هو ما نعرف من أسلوب نشأة العادات عند البشر ، وتأثير العادات على عواطف الناس : أنّ بعض الناس المتنفّذين ، أو المغامرين قد يعمل شيئا ؛ استجابة لعادة غير إسلاميّة ، أو لهوى في نفسه ، أو لتأثيرات خارجيّة ، نحو تقليد الأغيار ، أو لبواعث انفعالات نفسيّة ، مثل حبّ التفوّق على الخصوم ، أو إظهار عظمة شخصه ، أو دينه ، أو نحو ذلك. ويأتي آخر فيقلّد الأوّل في عمله ، ويستمرّ العمل ، فيشيع بين الناس من دون أن يحصل من يردعهم عن ذلك ؛ لغفلة ؛ أو لتسامح ؛ أو لخوف ؛ أو لغلبة العاملين فلا يصغون إلى من ينصحهم ؛ أو لغير ذلك.

وإذا مضت على العمل عهود طويلة يتلقّاه الجيل بعد الجيل ، فيصبح سيرة المسلمين ، وينسى تأريخ تلك العادة. وإذا استقرّت السيرة يكون الخروج عليها خروجا على العادات المستحكمة التي من شأنها أن تتكوّن لها قدسيّة واحترام لدى الجمهور ، فيعدّون مخالفتها من المنكرات القبيحة ، وحينئذ يتراءى أنّها عادة شرعيّة وسيرة إسلاميّة ، وأنّ المخالف لها مخالف لقانون الإسلام ، وخارج على الشرع.

ويشبه أن يكون من هذا الباب سيرة تقبيل اليد ، والقيام احتراما للقادم ، والاحتفاء (٣)

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٥١٧.

(٢) المكاسب (للشيخ الأنصاري) : ٨٣.

(٣) الاحتفاء : إظهار الفرح.

بيوم النوروز ، وزخرفة (١) المساجد والمقابر ... وما إلى ذلك من عادات اجتماعيّة حادثة.

وكلّ من يغترّ بهذه السيرات وأمثالها فإنّه لم يتوصّل إلى ما توصّل إليه الشيخ الأنصاريّ الأعظم قدس‌سره من إدراك سرّ نشأة العادات عند الناس على طول الزمن ، وأنّ لكلّ جيل من العادات في السلوك ، والاجتماع ، والمعاملات ، والمظاهر ، والملابس ما قد يختلف كلّ الاختلاف عن عادات الجيل الآخر. هذا بالنسبة إلى شعب واحد ، وقطر واحد ؛ فضلا عن الشعوب ، والأقطار بعضها مع بعض. والتبدّل في العادات غالبا يحدث بالتدريج في زمن طويل قد لا يحسّ به من جرى على أيديهم التبديل.

ولأجل هذا لا نثق في السيرات الموجودة في عصورنا بأنّها كانت موجودة في العصور الإسلاميّة الأولى. ومع الشكّ في ذلك فأجدر بها ألاّ تكون حجّة ؛ لأنّ الشكّ في حجّيّة الشيء كاف في وهن حجّيّته ؛ إذ لا حجّة إلاّ بعلم.

٣. مدى دلالة السيرة

إنّ السيرة عند ما تكون حجّة فأقصى ما تقتضيه أن تدلّ على مشروعيّة الفعل وعدم حرمته في صورة السيرة على الفعل ، أو تدلّ على مشروعيّة الترك وعدم وجوب الفعل في صورة السيرة على الترك.

أمّا : استفادة الوجوب من سيرة الفعل ، والحرمة من سيرة الترك فأمر لا تقتضيه نفس السيرة ؛ بل كذلك الاستحباب ، والكراهة ؛ لأنّ العمل في حدّ ذاته مجمل ، لا دلالة على أكثر من مشروعيّة الفعل ، أو الترك.

نعم ، المداومة والاستمرار على العمل من قبل جميع الناس المتشرّعين قد يستظهر منها استحبابه ؛ لأنّه يدلّ ذلك على استحسانه عندهم على الأقلّ.

ولكن يمكن أن يقال : إنّ الاستحسان له ربما ينشأ من كونه أصبح عادة لهم ، والعادات من شأنها أن يكون فاعلها ممدوحا مرغوبا فيه لدى الجمهور ، وتاركها مذموما عندهم ،

__________________

(١) أي : تزيين.

فلا يوثق ـ إذن ـ فيما جرت عليه السيرة بأنّ المدح للفاعل والذمّ للتارك كانا من ناحية شرعيّة.

والغرض أنّ السيرة بما هي سيرة لا يستكشف منها وجوب الفعل ، ولا استحبابه في سيرة الفعل ، ولا يستكشف منها حرمة الفعل ، ولا كراهته في سيرة الترك.

نعم ، هناك بعض الأمور يكون لازم مشروعيّتها وجوبها ، وإلاّ لم تكن مشروعة. وذلك مثل الأمارة ، كخبر الواحد ، والظواهر ؛ فإنّ السيرة على العمل بالأمارة لمّا دلّت على مشروعيّة العمل بها ، فإنّ لازمها أن يكون واجبا ؛ لأنّه لا يشرع العمل بها ، ولا يصلح إلاّ إذا كانت حجّة منصوبة من قبل الشارع لتبليغ الأحكام واستكشافها. وإذا كانت حجّة وجب العمل بها قطعا لوجوب تحصيل الأحكام وتعلّمها ؛ فينتج من ذلك أنّه لا يمكن فرض مشروعيّة العمل بالأمارة ، مع فرض عدم وجوبه.

تمرينات (١٩)

١. ما معنى السيرة؟

٢. ما الفرق بين السيرة العقلائيّة ، والسيرة الشرعيّة؟

٣. هل بناء العقلاء بإطلاقه حجّة أم لا؟ وعلى الثاني بيّن موارد حجّيّته.

٤. هل سيرة المتشرّعة حجّة أم لا؟

٥. بيّن مدى دلالة السيرة.