درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۷: مباحث حجت ۳۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الباب الثامن

القياس

تمهيد

إنّ القياس ـ على ما سيأتي تحديده ، وبيان موضع البحث عنه ـ من الأمارات التي وقعت معركة الآراء بين الفقهاء.

وعلماء الإماميّة ـ تبعا لآل البيت عليهم‌السلام ـ أبطلوا العمل به (١). ومن الفرق الأخرى أهل الظاهر ـ المعروفين بـ «الظاهريّة» أصحاب داود بن علي بن خلف ، إمام أهل الظاهر ـ وكذلك الحنابلة لم يكونوا يقيمون له وزنا. (٢)

وأوّل من توسّع فيه في القرن الثاني أبو حنيفة (رأس القياسيّين) ، وقد نشط في عصره ، وأخذ به الشافعيّة ، والمالكيّة. ولقد بالغ به جماعة ، فقدّموه على الإجماع ، بل غلا آخرون ، فردّوا الأحاديث بالقياس ، وربما صار بعضهم يؤوّل الآيات بالقياس.

ومن المعلوم عند آل البيت عليهم‌السلام أنّهم لا يجوّزون العمل به ، وقد شاع عنهم «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (٣) و «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين». (٤) ، بل شنّوا حربا

__________________

(١) راجع : التذكرة بأصول الفقه (للشيخ المفيد) : ٣٨ ؛ العدّة ٢ : ٦٥٢ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٦٧٥ ؛ معارج الأصول : ١٨٧ ؛ مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ٢١٤.

(٢) نسب إليهم في إرشاد الفحول : ٢٠٠ ، وروضة الناظر : ١٤٧ ، والمستصفى ٢ : ٢٣٤ ، ونهاية السئول ٤ : ٩ ، واللمع : ٩٧. وفي هامش كتاب «إبطال القياس» لابن الحزم ، نسب القول بعدم اعتبار القياس إلى البخاريّ نقلا عن كتاب «الأدب المفرد» للبخاري : ٨. فراجع ملخّص إبطال القياس : ٥.

(٣) بحار الأنوار ٢ : ٣٠٣.

(٤) بحار الأنوار ١٠٤ : ٤٠٥.

شعواء لا هوادة (١) فيها على أهل الرأي وقياسهم ما وجدوا للكلام متّسعا. ومناظرات الإمام الصادق عليه‌السلام معهم معروفة ، لا سيّما مع أبي حنيفة ، وقد رواها حتى أهل السنّة ، إذ قال له ـ فيما رواه ابن حزم ـ : «اتّق الله ولا تقس ؛ فإنّا نقف غدا بين يدي الله ، فنقول : قال الله ، وقال رسوله ، وتقول أنت وأصحابك : سمعنا ورأينا». (٢)

والذي يبدو أنّ المخالفين لآل البيت عليهم‌السلام ـ الذين سلكوا غير طريقهم ، ولم يعجبهم أن يستقوا من منبع علومهم ـ أعوزهم العلم بأحكام الله ، وما جاء به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالتجئوا إلى أن يصطنعوا (٣) الرأي والاجتهادات الاستحسانيّة للفتيا والقضاء بين الناس ، بل حكموا الرأي والاجتهاد حتى فيما يخالف النصّ ، أو جعلوا ذلك عذرا مبرّرا لمخالفة النصّ ، كما في قصّة تبرير الخليفة الأوّل لفعلة خالد بن الوليد في قتل مالك بن نويرة ، وقد خلا بزوجته ليلة قتله ، فقال عنه : «إنّه اجتهد فأخطأ!!؟» ، وذلك لمّا أراد الخليفة عمر بن الخطّاب أن يقاد به ، ويقام عليه الحدّ. (٤)

وكان الرأي والقياس غير واضح المعالم عند من كان يأخذ به من الصحابة والتابعين ، حتى بدأ البحث فيه لتركيزه وتوسعة الأخذ به في القرن الثاني على يد أبي حنيفة وأصحابه. (٥) ثمّ بعد أن أخذت الدولة العبّاسيّة تساند أهل القياس ، وبعد ظهور النقّاد له ، انبرى جماعة من علمائهم لتحديد معالمه ، وتوسيع أبحاثه ، ووضع القيود ، والاستدراكات

__________________

(١) شنّوا أي : صبّوا.

شعواء أي : متفرّقة ممتدّة.

الهوادة : ما يرجي به الصلاح بين القوم. والمحاباة.

فمعنى العبارة : بل صبّوا على أهل الرأي وقياسهم مقاتلة متفرّقة ممتدّة لم يكن فيها ما يرجى به الصلاح.

صبّوا عليهم في هذه المقاتلة ما وجدوا للكلام متّسعا.

(٢) ملخّص إبطال القياس : ٧١.

(٣) أي : أن يختاروا.

(٤) راجع الغدير ٧ : ١٥٨.

(٥) قال ابن حزم في كتاب «ملخّص إبطال القياس : ٥» : «ثمّ حدث القياس في القرن الثاني». وقال في كتابه «الإحكام عن أصول الأحكام ٧ : ١٧٧» : «إنّه بدعة حدثت في القرن الثاني ، ثمّ فشا وظهر في القرن الثالث».

له ، حتى صار فنّا قائما بنفسه.

ونحن يهمّنا منه البحث عن موضع الخلاف فيه ، وحجّيته ، فنقول :

١. تعريف القياس

إنّ خير التعريفات للقياس ـ في رأينا ـ أن يقال : «هو إثبات حكم في محلّ بعلّة لثبوته في محلّ آخر بتلك العلّة». والمحلّ الأوّل ـ وهو المقيس ـ يسمّى «فرعا». والمحلّ الثاني ـ وهو المقيس عليه ـ يسمّى «أصلا». والعلّة المشتركة تسمّى «جامعا».

وفي الحقيقة أنّ القياس عمليّة من المستدلّ ـ أي القائس ـ ؛ لغرض استنتاج حكم شرعيّ لمحلّ لم يرد فيه نصّ بحكمه الشرعيّ ؛ إذ توجب هذه العمليّة عنده الاعتقاد يقينا أو ظنّا بحكم الشارع.

والعمليّة القياسيّة هي نفس حمل الفرع على الأصل في الحكم الثابت للأصل شرعا ، فيعطي القائس حكما للفرع ، مثل حكم الأصل ، فإن كان الوجوب أعطى له الوجوب ، وإن كان الحرمة فالحرمة ... وهكذا.

ومعنى هذا الإعطاء أن يحكم بأنّ الفرع ينبغي أن يكون محكوما عند الشارع بمثل حكم الأصل ؛ للعلّة المشتركة بينهما. وهذا الإعطاء ، أو الحكم هو الذي يوجب عنده الاعتقاد بأنّ للفرع مثل ما للأصل من الحكم عند الشارع ، ويكون هذا الإعطاء ، أو الحكم ، أو الإثبات ، أو الحمل ـ ما شئت فعبّر ـ دليلا عنده على حكم الله في الفرع.

وعليه ، فـ «الدليل» : هو الإثبات الذي هو نفس عمليّة الحمل ، وإعطاء الحكم للفرع من قبل القائس. و «نتيجة الدليل» هو الحكم بأنّ الشارع قد حكم فعلا على هذا الفرع بمثل حكم الأصل.

فتكون هذه العمليّة من القائس دليلا على حكم الشارع ؛ لأنّها توجب اعتقاده اليقينيّ أو الظنيّ بأنّ الشارع له هذا الحكم.

وبهذا التقرير يندفع الاعتراض على مثل هذا التعريف ، بأنّ الدليل ـ وهو الإثبات ـ نفسه نتيجة الدليل ، بينما أنّه يجب أن يكون الدليل مغايرا للمستدلّ عليه.

وجه الدفع أنّه اتّضح بذلك البيان أنّ الإثبات في الحقيقة ـ وهو عمليّة الحمل ـ عمل القائس وحكمه ـ لا حكم الشارع ـ ، وهو الدليل. وأمّا : المستدلّ عليه فهو حكم الشارع على الفرع ، وإنّما حصل للقائس هذا الاستدلال ، لحصول الاعتقاد له بحكم الشارع من تلك العمليّة القياسيّة التي أجراها.

ومن هنا يظهر أنّ هذا التعريف أفضل التعريفات ، وأبعدها عن المناقشات.

وأمّا : تعريفه بالمساواة بين الفرع والأصل في العلّة (١) ، أو نحو ذلك ، (٢) فإنّه تعريف بمورد القياس ، وليست المساواة قياسا.

وعلى كلّ حال ، فلا يستحقّ الموضوع الإطالة ، بعد أن كان المقصود من القياس واضحا.

٢. أركان القياس

بما تقدّم من البيان يتّضح أنّ للقياس أربعة أركان :

١. «الأصل» وهو المقيس عليه المعلوم ثبوت الحكم له شرعا.

٢. «الفرع» وهو المقيس المطلوب إثبات الحكم له شرعا.

٣. «العلّة» وهي الجهة المشتركة بين الأصل والفرع التي اقتضت ثبوت الحكم. وتسمّى : «جامعا».

٤. «الحكم» وهو نوع الحكم الذي ثبت للأصل ، ويراد إثباته للفرع.

وقد وقعت أبحاث عن كلّ من هذه الأركان ممّا لا يهمّنا التعرّض لها (٣) ، إلاّ فيما يتعلّق بأصل حجّيّته وما يرتبط بذلك. وبهذا الكفاية.

__________________

(١) هذا التعريف نسبه الخضري بك إلى ابن الحاجب ، وابن الهمام. راجع كتابه : أصول الفقه : ٢٨٩.

(٢) إنّ لهم في تعريف القياس عبارات شتّى ، وإن شئت فراجع المنخول : ٣٢٣ ـ ٣٢٤ ؛ المستصفى ٢ : ٥٤ ؛ الإحكام (لابن حزم) ٧ : ٣٦٧ ؛ روضة الناظر : ٢٤٧ ؛ أصول الفقه (للخضري بك) : ٢٨٨ ـ ٢٨٩.

(٣) وإن شئت فراجع اللمع في أصول الفقه : ١٠٢ ـ ١٠٤ ؛ المستصفى ٢ : ٣٢٥ ـ ٣٤٧ ؛ إرشاد الفحول : ٢٠٤ ـ ٢٠٩ ، أصول الفقه (للخضري بك) : ٢٩٣ ـ ٣٢٨.