درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۸: مباحث حجت ۴۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

٣. حجّيّة القياس

إنّ حجّيّة كلّ أمارة تناط بالعلم ـ وقد سبق بيان ذلك في هذا الجزء أكثر من مرّة (١) ـ ، فالقياس ـ كباقي الأمارات ـ لا يكون حجّة إلاّ في صورتين ، لا ثالثة لهما :

١. أن يكون بنفسه موجبا للعلم بالحكم الشرعيّ. (٢)

٢. أن يقوم دليل قاطع على حجّيّته ، إذا لم يكن بنفسه موجبا للعلم. (٣)

وحينئذ لا بدّ من بحث موضوع حجّيّة القياس عن الناحيتين ، فنقول :

أ. هل القياس يوجب العلم؟

إنّ القياس نوع من «التمثيل» المصطلح عليه في المنطق. (٤) وقلنا هناك : «إنّ التمثيل من الأدلّة التي لا تفيد إلاّ الاحتمال ؛ لأنّه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر ، بل في عدّة أمور أن يتشابها من جميع الوجوه والخصوصيّات». (٥)

نعم ، إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل والفرع ، وتعدّدت ، يقوى في النفس الاحتمال ، حتى يكون ظنّا ، ويقرب من اليقين. والقيافة (٦) من هذا الباب. ولكن كلّ ذلك لا يغني من الحقّ شيئا.

غير أنّه إذا علمنا ـ بطريق من الطرق ـ أنّ جهة المشابهة علّة تامّة لثبوت الحكم في الأصل عند الشارع ، ثمّ علمنا أيضا بأنّ هذه العلّة التامّة موجودة بخصوصيّاتها في الفرع ؛ فإنّه لا محالة يحصل لنا ـ على نحو اليقين ـ استنباط أنّ مثل هذا الحكم ثابت في الفرع ، كثبوته في الأصل ؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علّته التامّة. ويكون من القياس المنطقي

__________________

(١) راجع الصفحات : ٣٧٦ ـ ٣٧٩ و ٣٨٦ ـ ٣٨٧.

(٢) كالقطع.

(٣) كخبر الواحد ، والظواهر ، وغيرهما من الظنون الخاصّة.

(٤) وهو أن ينتقل الذهن من حكم أحد الشيئين إلى الحكم على الآخر ؛ لجهة مشتركة بينهما.

(٥) المنطق (للمؤلّف) ٢ : ٢٦٧.

(٦) القيافة مصدر ، والقائف : من يتتبّع الآثار ، ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه. لسان العرب ٩ : ٢٩٣.

البرهاني الذي يفيد اليقين.

ولكنّ الشأن كلّ الشأن في حصول الطريق لنا إلى العلم بأنّ الجامع علّة تامّة للحكم الشرعيّ. وقد سبق (١) أنّ ملاكات الأحكام لا مسرح للعقول (٢) ، أو لا مجال للنظر العقليّ فيها ، فلا تعلم إلاّ من طريق السماع من مبلّغ الأحكام الذي نصبه الله (تعالى) مبلّغا ، وهاديا.

والغرض من «كون الملاكات لا مسرح للعقول فيها» أنّ أصل تعليل الحكم بالملاك لا يعرف إلاّ من طريق السماع ؛ لأنّه أمر توقيفيّ.

أمّا : نفس وجود الملاك في ذاته فقد يعرف من طريق الحسّ ، ونحوه ، لكن لا بما هو علّة وملاك ، كالإسكار ؛ فإنّ كونه علّة للتحريم في الخمر لا يمكن معرفته من غير طريق التبليغ بالأدلّة السمعيّة.

أمّا : وجود الإسكار في الخمر ، وغيره من المسكرات ، فأمر يعرف بالوجدان ، ولكن لا ربط لذلك بمعرفة كونه هو الملاك في التحريم ؛ فإنّه ليس هذا من الوجدانيّات.

وعلى كلّ حال ، فإنّ السرّ في أنّ الأحكام وملاكاتها لا مسرح للعقول في معرفتها واضح ؛ لأنّها أمور توقيفيّة من وضع الشارع ، كاللغات ، والعلامات ، والإشارات التي لا تعرف إلاّ من قبل واضعيها ، ولا تدرك بالنظر العقليّ إلاّ من طريق الملازمات العقليّة القطعيّة التي تكلّمنا عنها فيما تقدّم في بحث الملازمات العقليّة في المقصد الثاني ، (٣) وفي دليل العقل من هذا الجزء ، (٤) والقياس لا يشكّل ملازمة عقليّة بين حكم المقيس عليه ، وحكم المقيس.

نعم ، إذا ورد نصّ من قبل الشارع في بيان علّة الحكم في المقيس عليه ، فإنّه يصحّ الاكتفاء به في تعدية الحكم إلى المقيس بشرطين : الأوّل : أن نعلم بأنّ العلّة المنصوصة

__________________

(١) راجع الصفحة : ٤٧٨ ـ ٤٨٠ و ٤٨٣.

(٢) المسرح : المرعى الذي تسرح فيه الدوابّ للرعي. لسان العرب ٢ : ٤٧٩ ، والمراد منه هنا أنّه لا مجال للعقول في كشف ملاكات الأحكام ، ولا تنالها ابتداء من دون السماع من مبلّغ الأحكام.

(٣) المقصد الثاني : ٢٤٧.

(٤) راجع الصفحة : ٤٧٨ ـ ٤٨٠.

تامّة يدور معها الحكم أينما دارت. والثاني : أن نعلم بوجودها في المقيس.

والخلاصة أنّ القياس في نفسه لا يفيد العلم بالحكم ؛ لأنّه لا يتكفّل ثبوت الملازمة بين حكم المقيس عليه وحكم المقيس. ويستثنى منه منصوص العلّة بالشرطين اللذين تقدّما. وفي الحقيقة أنّ منصوص العلّة ليس من نوع القياس ، كما سيأتي بيانه (١). وكذلك قياس الأولويّة.

ولأجل أن يتّضح الموضوع أكثر ، نقول : إنّ الاحتمالات الموجودة في كلّ قياس خمسة (٢) ، ومع هذه الاحتمالات لا تحصل الملازمة بين حكم الأصل وحكم الفرع ، ولا يمكن رفع هذه الاحتمالات إلاّ بورود النصّ من الشارع ، والاحتمالات هي [كما تأتي] :

١. احتمال أن يكون الحكم في الأصل معلّلا عند الله (تعالى) بعلّة أخرى غير ما ظنّه القائس ، بل يحتمل (٣) على مذهب هؤلاء ألاّ يكون الحكم معلّلا عند الله (تعالى) بشيء أصلا ؛ لأنّهم لا يرون الأحكام الشرعيّة معلّلة بالمصالح والمفاسد وهذا من مفارقات آرائهم ، فإنّهم إذا كانوا لا يرون تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ، فكيف يؤكّدون تعليل الحكم الشرعيّ في المقيس عليه بالعلّة التي يظنّونها؟! بل كيف يحصل لهم الظنّ بالتعليل؟!

٢. احتمال أنّ هناك وصفا آخر ينضمّ إلى ما ظنّه القائس علّة ، بأن يكون المجموع منهما هو العلّة للحكم ، لو فرض أنّ القائس أصاب في أصل التعليل.

٣. احتمال أن يكون القائس قد أضاف شيئا أجنبيّا إلى العلّة الحقيقيّة لم يكن له دخل في الحكم في المقيس عليه.

٤. احتمال أن يكون ما ظنّه القائس علّة ـ إن كان مصيبا في ظنّه ـ ليس هو الوصف المجرّد ، بل بما هو مضاف إلى موضوعه ـ أعني «الأصل» ـ لخصوصيّة فيه.

مثال ذلك ، لو علم بأنّ الجهل بالثمن علّة موجبة شرعا في فساد البيع ، وأراد أن يقيس على البيع عقد النكاح إذا كان المهر فيه مجهولا ؛ فإنّه يحتمل أن يكون الجهل بالعوض ، الموجب لفساد البيع هو الجهل بخصوص العوض في البيع ، لا مطلق الجهل بالعوض من

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٥٣٦.

(٢) بل هي ستّة ، كما في المستصفى ٢ : ٢٧٩.

(٣) وهذا احتمال آخر ذكره الغزالي مستقلاّ في المستصفى ٢ : ٢٧٩.

حيث هو جهل بالعوض ، ليسري الحكم إلى كلّ معاوضة ، حتى في مثل الصلح المعاوضي ، والنكاح باعتبار أنّه يتضمّن معنى المعاوضة عن البضع.

٥. احتمال أن تكون العلّة الحقيقيّة لحكم المقيس عليه غير موجودة ، أو غير متوفّرة بخصوصيّاتها في المقيس.

وكلّ هذه الاحتمالات لا بدّ من دفعها ، ليحصل لنا العلم بالنتيجة ، ولا يدفعها إلاّ الأدلّة السمعيّة الواردة عن الشارع.

وقيل : «من الممكن تحصيل العلم بالعلّة بطريق برهان السبر والتقسيم». (١) وبرهان السبر والتقسيم عبارة عن عدّ جميع الاحتمالات الممكنة ، ثمّ يقام الدليل على نفي واحد واحد ، حتى ينحصر الأمر في واحد منها ، فيتعيّن ، فيقال مثلا : حرمة الربا في البرّ : إمّا أن تكون معلّلة بالطعم ، أو بالقوت ، أو بالكيل. والكلّ باطل ما عدا الكيل. فيتعيّن التعليل به.

أقول : من شرط برهان السبر والتقسيم ليكون برهانا حقيقيّا ، أن تحصر المحتملات حصرا عقليّا من طريق القسمة الثنائيّة التي تتردّد بين النفي والإثبات. (٢)

وما يذكر ـ من الاحتمالات في تعليل الحكم الشرعيّ ـ لا تعدو أن تكون احتمالات استطاع القائس أن يحتملها ولم يحتمل غيرها ، لا أنّها مبنيّة على الحصر العقليّ المردّد بين النفي والإثبات.

وإذا كان الأمر كذلك فكلّ ما يفرضه من الاحتمالات يجوز أن يكون وراءها احتمالات لم يتصوّرها أصلا. ومن الاحتمالات أن تكون العلّة اجتماع محتملين ، أو أكثر ممّا احتمله القائس. ومن الاحتمالات أن يكون ملاك الحكم شيئا آخر ، خارجا عن أوصاف المقيس عليه لا يمكن أن يهتدى إليه القائس ، مثل التعليل في قوله (تعالى) : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٣) ؛ فإنّ الظاهر من الآية أنّ العلّة في

__________________

(١) هذا أحد المسالك التي ذكرها القائلون بحجّيّة القياس لإثبات العلّة. فراجع إرشاد الفحول : ٢١٣ ، وأصول الفقه (للخضري بك) : ٣٢٦ ، ونهاية السئول ٤ : ١٢٨ ، والمستصفى ٢ : ٢٩٥.

(٢) راجع المنطق (للمؤلّف) ١ : ١١١.

(٣) النساء (٤) الآية : ١٦٠.