درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۵۹: مباحث حجت ۴۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

حيث هو جهل بالعوض ، ليسري الحكم إلى كلّ معاوضة ، حتى في مثل الصلح المعاوضي ، والنكاح باعتبار أنّه يتضمّن معنى المعاوضة عن البضع.

٥. احتمال أن تكون العلّة الحقيقيّة لحكم المقيس عليه غير موجودة ، أو غير متوفّرة بخصوصيّاتها في المقيس.

وكلّ هذه الاحتمالات لا بدّ من دفعها ، ليحصل لنا العلم بالنتيجة ، ولا يدفعها إلاّ الأدلّة السمعيّة الواردة عن الشارع.

وقيل : «من الممكن تحصيل العلم بالعلّة بطريق برهان السبر والتقسيم». (١) وبرهان السبر والتقسيم عبارة عن عدّ جميع الاحتمالات الممكنة ، ثمّ يقام الدليل على نفي واحد واحد ، حتى ينحصر الأمر في واحد منها ، فيتعيّن ، فيقال مثلا : حرمة الربا في البرّ : إمّا أن تكون معلّلة بالطعم ، أو بالقوت ، أو بالكيل. والكلّ باطل ما عدا الكيل. فيتعيّن التعليل به.

أقول : من شرط برهان السبر والتقسيم ليكون برهانا حقيقيّا ، أن تحصر المحتملات حصرا عقليّا من طريق القسمة الثنائيّة التي تتردّد بين النفي والإثبات. (٢)

وما يذكر ـ من الاحتمالات في تعليل الحكم الشرعيّ ـ لا تعدو أن تكون احتمالات استطاع القائس أن يحتملها ولم يحتمل غيرها ، لا أنّها مبنيّة على الحصر العقليّ المردّد بين النفي والإثبات.

وإذا كان الأمر كذلك فكلّ ما يفرضه من الاحتمالات يجوز أن يكون وراءها احتمالات لم يتصوّرها أصلا. ومن الاحتمالات أن تكون العلّة اجتماع محتملين ، أو أكثر ممّا احتمله القائس. ومن الاحتمالات أن يكون ملاك الحكم شيئا آخر ، خارجا عن أوصاف المقيس عليه لا يمكن أن يهتدى إليه القائس ، مثل التعليل في قوله (تعالى) : ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٣) ؛ فإنّ الظاهر من الآية أنّ العلّة في

__________________

(١) هذا أحد المسالك التي ذكرها القائلون بحجّيّة القياس لإثبات العلّة. فراجع إرشاد الفحول : ٢١٣ ، وأصول الفقه (للخضري بك) : ٣٢٦ ، ونهاية السئول ٤ : ١٢٨ ، والمستصفى ٢ : ٢٩٥.

(٢) راجع المنطق (للمؤلّف) ١ : ١١١.

(٣) النساء (٤) الآية : ١٦٠.

تحريم الطيّبات عصيانهم ، لا أوصاف تلك الأشياء.

بل من الاحتمالات عند هذا القائس ـ الذي لا يرى تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ـ أنّ الحكم لا ملاك ولا علّة له ، فكيف يمكن أن يدّعي حصر العلل فيما احتمله ، وقد لا تكون له علّة؟!

وعلى كلّ حال ، فلا يمكن أن يستنتج من مثل السبر والتقسيم هنا أكثر من الاحتمال. وإذا تنزّلنا فأكثر ما يحصل منه الظنّ. فرجع الأمر بالأخير إلى الظنّ ، و ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾. (١)

وفي الحقيقة أنّ القائلين بالقياس لا يدّعون إفادته العلم ، بل أقصى ما يتوقّعونه إفادته للظنّ ، غير أنّهم يرون أنّ مثل هذا الظنّ حجّة. وفي البحث الآتي نبحث عن أدلّة حجّيته.

ب. الدليل على حجّيّة القياس الظنّيّ

بعد أن ثبت أنّ القياس في حدّ ذاته لا يفيد العلم ، بقي علينا أن نبحث عن الأدلّة على حجّيّة الظنّ الحاصل منه ؛ ليكون من الظنون الخاصّة المستثناة من عموم الآيات الناهية عن اتّباع الظنّ ، كما صنعنا في خبر الواحد ، والظواهر ، فنقول :

أمّا نحن ـ الإماميّة ـ ففي غنى عن هذا البحث ؛ لأنّه ثبت لدينا على سبيل القطع من طريق آل البيت عليهم‌السلام عدم اعتبار هذا الظنّ الحاصل من القياس ، فقد تواتر عنهم النهي عن الأخذ بالقياس ، وأنّ دين الله لا يصاب بالعقول ، فلا الأحكام في أنفسها تصيبها العقول ، ولا ملاكاتها وعللها.

على أنّه يكفينا في إبطال القياس أن نبطل ما تمسّكوا به لإثبات حجّيّته من الأدلّة ، لنرجع إلى عمومات النهي عن اتّباع الظنّ وما وراء العلم.

أمّا : غيرنا ـ من أهل السنّة الذين ذهبوا إلى حجّيّته ـ فقد تمسّكوا بالأدلّة الأربعة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل. ولا بأس أن نشير إلى نماذج من استدلالاتهم ؛ لنرى أنّ ما تمسّكوا به لا يصلح لإثبات مقصودهم ، فنقول :

__________________

(١) النجم (٥٣) الآية : ٢٨ ؛ يونس (١٠) الآية : ٣٦.

الدليل من الآيات القرآنيّة

منها : قوله (تعالى) : ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١) ، بناء على تفسير الاعتبار بالعبور والمجاوزة ، والقياس عبور ومجاوزة من الأصل إلى الفرع. (٢)

وفيه (٣) : أنّ الاعتبار هو الاتّعاظ لغة ، وهو الأنسب بمعنى الآية الواردة في الذين كفروا من أهل الكتاب ، إذ قذف الله (تعالى) في قلوبهم الرعب ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. وأين هي من القياس الذي نحن فيه؟

وقال ابن حزم في كتابه «إبطال القياس» : «ومن المحال أن يقول لنا : فاعتبروا يا أولي الأبصار ، ويريد القياس ، ثمّ لا يبيّن لنا في القرآن ولا في الحديث : أيّ شيء نقيس؟ ولا متى نقيس؟ ولا على أيّ شيء نقيس؟ ولو وجدنا ذلك لوجب أن نقيس ما أمرنا بقياسه حيث أمرنا ، وحرم علينا أن نقيس ما لا نصّ فيه جملة ، ولا نتعدّى حدوده». (٤)

ومنها : قوله (تعالى) : ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (٥) ، باعتبار أنّ الآية تدلّ على مساواة النظير للنظير ، بل هي استدلال بالقياس لإفحام من ينكر إحياء العظام وهي رميم. ولو لا أنّ القياس حجّة لما صحّ الاستدلال فيها (٦).

__________________

(١) الحشر (٥٩) الآية : ٢.

(٢) استدلّ بها في نهاية السئول ٤ : ١١ ، وإرشاد الفحول : ٢٠٠.

(٣) كما في العدّة ٢ : ٦٧٣ ـ ٦٧٤. واعترف به ابن الحاجب في منتهى الوصول والأمل : ١٩٠.

وقال ابن حزم : «ومعنى الاعتبار في اللغة والقرآن : التعجّب. قال الله (تعالى) : ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ * أي : عجب. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ ** أي : لعجبا ؛ لا قياسا». ملخّص إبطال القياس : ٢٨.

(٤) ملخّص إبطال القياس : ٣٠.

(٥) يس (٣٦) الآية : ٧٨ ـ ٧٩.

(٦) هذا الدليل تعرّض له وللإجابة عليه الشوكاني في إرشاد الفحول : ٢٠٢ ، وابن حزم في إبطال القياس : ٢٣ و ٢٨.

__________________

* يوسف (١٢) الآية : ١١١.

** النحل (١٦) الآية : ٦٦.