درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۱: مباحث حجت ۴۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

فاحتاج [إلى] أن يستدلّ عليه بالقياس؟ ما لكم كيف تحكمون؟!

وإنّما المقصود من الحديث ـ على تقدير صحّته ـ تنبيه الخثعميّة على تطبيق العامّ على ما سألت عنه ، وهو ـ أعني العامّ ـ وجوب قضاء كلّ دين ؛ إذ خفي عليها أنّ الحجّ ممّا يعدّ من الديون التي يجب قضاؤها عن الميّت ، وهو أولى بالقضاء ؛ لأنّه دين الله (تعالى).

ولا شكّ في أنّ تطبيق العامّ على مصاديقه المعلومة لا يحتاج إلى تشريع جديد ، غير تشريع نفس العامّ ؛ لأنّ الانطباق قهريّ. وليس هو من نوع القياس.

ولا ينقضي العجب ممّن يذهب إلى عدم وجوب قضاء الحجّ ، ولا الصوم ، كالحنفيّة (١) ، ويقول : «دين الناس أحقّ بالقضاء» ، ثمّ يستدلّ بهذا الحديث على حجّيّة القياس!

ومنها : حديث بيع الرطب بالتمر ، فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سأل : «أينقص الرطب إذا يبس؟» فلمّا أجيب بـ «نعم» ، قال : «فلا ، إذن». (٢)

والجواب أنّ هذا الحديث ـ على تقدير صحّته ـ يشبه حديث الخثعميّة ؛ فإنّ المقصود منه التنبيه على تطبيق العامّ على أحد مصاديقه الخفيّة ، وليس هو من القياس في شيء.

وكذلك يقال في أكثر الأحاديث المرويّة في الباب. (٣)

على أنّها بجملتها معارضة بأحاديث أخر ، يفهم منها النهي عن الأخذ بالرأي ، من دون الرجوع إلى الكتاب ، والسنّة. (٤)

الدليل من الإجماع

والإجماع هو أهمّ دليل عندهم ، وعليه معوّلهم في هذه المسألة. والغرض منه إجماع الصحابة.

__________________

(١) راجع : تبيين الحقائق (للزيلعي) ١ : ٣٣٤.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٢ : ٣٨ ؛ سنن البيهقي ٥ : ٢٩٤.

(٣) تعرّض لها ابن حزم في ملخّص إبطال القياس : ٢٥ ـ ٢٧.

(٤) إن شئت فراجع : الأصول من الكافي ١ : ٥٤ ـ ٥٨ ؛ بحار الأنوار ٢ : ٢٨٣ ـ ٣١٦ ؛ وسائل الشيعة ١٨ : ٢١ ـ ٤٠ ، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي.

ويجب الاعتراف بأنّ بعض الصحابة استعملوا الاجتهاد بالرأي ، وأكثروا ـ بل حتى فيما خالف النصّ ـ تصرّفا في الشريعة باجتهاداتهم. والإنصاف أنّ ذلك لا ينبغي أن ينكر من طريقتهم ، ولكن ـ كما سبق أن أوضحناه ـ لم تكن الاجتهادات واضحة المعالم عندهم ، من كونها على نحو القياس ، أو الاستحسان ، أو المصالح المرسلة ، ولم يعرف عنهم على أيّ أساس كانت اجتهاداتهم ، أكانت تأويلا للنصوص ، أو جهلا بها ، أو استهانة بها؟ ربما كان بعض هذا أو كلّه من بعضهم.

وفي الحقيقة إنّما تطوّر البحث عن الاجتهاد بالرأي في تنويعه ، وخصائصه في القرن الثاني والثالث ـ كما سبق بيانه (١) ـ فميّزوا بين القياس ، والاستحسان ، والمصالح المرسلة.

ومن الاجتهادات قول عمر بن الخطّاب : «متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا محرّمهما ، ومعاقب عليهما» (٢). ومنها : جمعه الناس لصلاة التراويح. (٣) ومنها : إلغاؤه في الأذان «حيّ على خير العمل» (٤).

فهل كان ذلك من القياس أو من الاستحسان المحض؟

لا ينبغي أن يشكّ أنّ مثل هذه الاجتهادات ليس من القياس في شيء. وكذلك كثير من الاجتهادات عندهم.

وعليه ، فابن حزم على حقّ إذا كان يقصد إنكار أن يكون القياس سابقا معروفا بحدوده في اجتهادات الصحابة ، حينما قال في كتابه «إبطال القياس» : «ثمّ حدث القياس في القرن الثاني ، فقال به بعضهم ، وأنكره سائرهم وتبرّءوا منه». (٥) ، وقال في كتابه «الإحكام» : «إنّه بدعة حدث في القرن الثاني ، ثمّ فشا ، وظهر في القرن الثالث». (٦) أمّا : إذا أراد إنكار أصل الاجتهادات بالرأي من بعض الصحابة ـ وهو لا يريد ذلك قطعا ـ فهو إنكار لأمر ضروريّ

__________________

(١) سبق بيانه في الصفحة : ١٦٥ من هذا الجزء.

(٢) راجع الغدير ٦ : ٢٠٩ ـ ٢١٣.

(٣) راجع المغني (لابن قدامة) ١ : ٧٩٨.

(٤) راجع شرح التجريد (للقوشجىّ) : ٣٧٤.

(٥) ملخّص إبطال القياس : ٥.

(٦) الإحكام (لابن حزم) ٧ : ١٧٧.

متواتر عنهم.

وقد ذكر الغزاليّ في كتابه «المستصفى» (١) كثيرا من مواضع اجتهادات الصحابة برأيهم ، ولكن لم يستطع أن يثبت أنّها على نحو القياس ، إلاّ لأنّه لم ير وجها لتصحيحها إلاّ بالقياس ، وتعليل النصّ. وليس هو منه إلاّ من باب حسن الظنّ ، لا أكثر. وأكثرها لا يصحّ تطبيقها على القياس.

وعلى كلّ حال ، فالشأن كلّ الشأن في تحقّق إجماع الأمّة ، والصحابة على الأخذ بالقياس ، ونحن نمنعه أشدّ المنع.

أمّا أوّلا : فلما قلناه قريبا : إنّه لم يثبت أنّ اجتهاداتهم كانت من نوع القياس ، بل في بعضها ثبت عكس ذلك ، كاجتهادات عمر بن الخطّاب المتقدّمة ، ومثلها اجتهاد عثمان في حرق المصاحف ، ونحو ذلك.

وأمّا ثانيا : فإنّ استعمال بعضهم للرأي ـ سواء كان مبنيّا على القياس أو على غيره ـ لا يكشف عن موافقة الجميع ، كما قال ابن حزم ـ فأنصف ـ : «أين وجدتم هذا الإجماع؟ وقد علمتم أنّ الصحابة ألوف لا تحفظ الفتيا عنهم في أشخاص المسائل إلاّ عن مائة ونيّف وثلاثين نفسا : منهم : سبعة مكثرون ، وثلاثة عشر نفسا متوسّطون ، والباقون مقلّون جدّا ، تروى عنهم المسألة والمسألتان ، حاشا المسائل التي تيقّن إجماعهم عليها ، كالصلوات ، وصوم رمضان. (٢) ، فأين الإجماع على القول بالرأي؟». (٣)

والغرض الذي نرمي إليه أنّه لا ينكر ثبوت الاجتهاد بالرأي عند جملة من الصحابة كأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وزيد بن ثابت ، بل ربما من غيرهم. وإنّما الذي ينكر أن يكون ذلك بمجرّده محقّقا لإجماع الأمّة ، أو الصحابة. واتّفاق الثلاثة أو العشرة بل العشرين ليس إجماعا مهما كانوا.

نعم ، أقصى ما يقال في هذا الصدد : أنّ الباقين سكتوا ، وسكوتهم إقرار ، فيتحقّق الإجماع.

__________________

(١) المستصفى ٢ : ٢٩٣ ـ ٢٩٩ و ٣٠٤ ـ ٣٠٥.

(٢) هذه ليست من المسائل الإجماعيّة ، بل هذه من ضروريات الدين ، وقد تقدّم أنّ الأخذ بها ليس أخذا بالإجماع. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٣) ملخّص إبطال القياس : ١٩.

ولكن يجاب عن ذلك بأنّ السكوت لا نسلّم أنّه يحقّق الإجماع ؛ لأنّه لا يدلّ على الإقرار إلاّ من المعصوم بشروط الإقرار. والسرّ في ذلك أنّ السكوت في حدّ ذاته مجمل ، فيه عند غير المعصوم أكثر من وجه واحد واحتمال ؛ إذ قد ينشأ من الخوف ، أو الجبن ، أو الخجل ، أو المداهنة ، أو عدم العناية ببيان الحقّ ، أو الجهل بالحكم الشرعيّ ، أو وجهه ، أو عدم وصول نبأ الفتيا إليهم ... إلى ما شاء الله من هذه الاحتمالات التي لا دافع لها بالنسبة إلى غير المعصوم. وقد يجتمع في شخص واحد أكثر من سبب واحد للسكوت عن الحقّ. ومن الاحتمالات أيضا أن يكون قد أنكر بعض الناس ، ولكن لم يصل نبأ الإنكار إلينا. ودواعي إخفاء الإنكار وخفائه كثيرة لا تحدّ ولا تحصر.

وأمّا ثالثا : فإنّ سكوت الباقين غير مسلّم ، ويكفي لإبطال الإجماع إنكار شخص واحد ، له شأن في الفتيا ؛ إذ لا يتحقّق معه اتّفاق الجميع ، فكيف إذا كان المنكرون أكثر من واحد ، وقد ثبت تخطئة القول بالرأي عن ابن عبّاس (١) ، وابن مسعود (٢) ، وأضرابهما (٣) ، بل روي ذلك حتى عن عمر بن الخطّاب : «إيّاكم وأصحاب الرأي ، فإنّهم أعداء السّنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، فقالوا بالرأي ، فضلّوا ، وأضلّوا» (٤). وإن كنت أظنّ أنّ هذه الرواية موضوعة عليه ؛ لثبوت أنّه في مقدّمة أصحاب أهل الرأي ، مع أنّ أسلوب بيان الرواية بعيد عن النسبة إليه ، وإلى عصره.

وعلى كلّ حال ، فلا شيء أبلغ في الإنكار من المجاهرة بالخلاف ، والفتوى بالضدّ ، وهذا قد كان من جماعة ، كما قلنا ، بل زاد بعضهم ، كابن عبّاس ، وابن مسعود أن انتهى إلى ذكر المباهلة ، والتخويف من الله (تعالى) ، وهل شيء أبلغ في الإنكار من هذا؟ فأين الإجماع؟

__________________

(١) روي عن عبد الله بن عبّاس أنّه قال : «إنّ الله (تعالى) قال لنبيّه : ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ،) ولم يقل : بما رأيت». المستصفى ٢ : ٢٤٨.

(٢) عن عبد الله بن مسعود : «يذهب قرّاؤكم ، وصلحاؤكم ، ويتّخذ الناس رؤساء جهّالا ، يقيسون الأمور برأيهم». العدّة ٢ : ٦٨٩ ؛ الذريعة إلى أصول الشريعة ٢ : ٧٣٦.

(٣) كأبي بكر ، وعبد الله بن عمر ، وزيد بن أرقم ، وعائشة ، وغيرها. راجع المستصفى ٢ : ٢٤٧ ؛ ملخّص إبطال القياس : ٥٨.

(٤) المستصفى ٢ : ٢٤٧ ؛ ملخّص إبطال القياس : ٥٨.

ونحن يكفينا إنكار عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وهو المعصوم الذي يدور معه الحقّ كيفما دار ، كما في الحديث النبويّ المعروف. (١) وإنكاره معلوم من طريقته. وقد رووا عنه قوله عليه‌السلام : «لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخفّ أولى من ظاهره» (٢). وهو يريد بذلك إبطال القول بجواز المسح على الخفّ الذي لا مدرك له إلاّ القياس ، أو الاستحسان.

الدليل من العقل

لم يذكر أكثر الباحثين عن القياس دليلا عقليّا على حجيّته ، غير أنّ جملة منهم (٣) ذكر له وجوها أحسنها ـ فيما أحسب ـ ما سنذكره ، مع أنّه من أوهن الاستدلالات.

الدليل : أنّا نعلم قطعا بأنّ الحوادث لا نهاية لها. ونعلم قطعا أنّه لم يرد النصّ في جميع الحوادث ؛ لتناهي النصوص ، ويستحيل أن يستوعب المتناهي ما لا يتناهى ؛ إذن ، فيعلم أنّه لا بدّ من مرجع لاستنباط الأحكام ، لتلافي النواقص من الحوادث ، وليس هو إلاّ القياس. (٤)

والجواب : صحيح أنّ الحوادث الجزئيّة غير متناهية ، ولكن لا يجب في كلّ حادثة جزئيّة أن يرد نصّ من الشارع بخصوصها ، بل يكفي أن تدخل في أحد العمومات. والأمور العامّة محدودة متناهية ، لا يمتنع ضبطها ، ولا يمتنع استيعاب النصوص لها. على أنّ فيه مناقشات أخرى ، لا حاجة بذكرها.

٤. منصوص العلّة ، وقياس الأولويّة

ذهب بعض علمائنا ـ كالعلاّمة الحليّ قدس‌سره (٥) ـ إلى أنّه يستثنى من القياس الباطل ما كان

__________________

(١) وهو قوله عليه‌السلام : «علىّ مع الحقّ والحقّ مع علي». إحقاق الحق ٤ : ٢٧.

(٢) هذا مفاد الحديث ، وإليك نصّه : «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه ...» سنن أبي داود ١ : ٤٢ ؛ المحلّى ١ : ٦١.

(٣) كالدقاق على ما في اللمع في أصول الفقه : ٩٣.

(٤) هذا الدليل ذكره الآمديّ ثمّ أجاب عنه بوجوه. راجع الإحكام ٤ : ٣٧.

(٥) نسبه إليه المحقّق البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ٦٠ ـ ٦٣. ولكن في نسبته إليه نظر ؛ لأنّه صرّح بأنّ ـ