درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۲: مباحث حجت ۴۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ونحن يكفينا إنكار عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام ، وهو المعصوم الذي يدور معه الحقّ كيفما دار ، كما في الحديث النبويّ المعروف. (١) وإنكاره معلوم من طريقته. وقد رووا عنه قوله عليه‌السلام : «لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخفّ أولى من ظاهره» (٢). وهو يريد بذلك إبطال القول بجواز المسح على الخفّ الذي لا مدرك له إلاّ القياس ، أو الاستحسان.

الدليل من العقل

لم يذكر أكثر الباحثين عن القياس دليلا عقليّا على حجيّته ، غير أنّ جملة منهم (٣) ذكر له وجوها أحسنها ـ فيما أحسب ـ ما سنذكره ، مع أنّه من أوهن الاستدلالات.

الدليل : أنّا نعلم قطعا بأنّ الحوادث لا نهاية لها. ونعلم قطعا أنّه لم يرد النصّ في جميع الحوادث ؛ لتناهي النصوص ، ويستحيل أن يستوعب المتناهي ما لا يتناهى ؛ إذن ، فيعلم أنّه لا بدّ من مرجع لاستنباط الأحكام ، لتلافي النواقص من الحوادث ، وليس هو إلاّ القياس. (٤)

والجواب : صحيح أنّ الحوادث الجزئيّة غير متناهية ، ولكن لا يجب في كلّ حادثة جزئيّة أن يرد نصّ من الشارع بخصوصها ، بل يكفي أن تدخل في أحد العمومات. والأمور العامّة محدودة متناهية ، لا يمتنع ضبطها ، ولا يمتنع استيعاب النصوص لها. على أنّ فيه مناقشات أخرى ، لا حاجة بذكرها.

٤. منصوص العلّة ، وقياس الأولويّة

ذهب بعض علمائنا ـ كالعلاّمة الحليّ قدس‌سره (٥) ـ إلى أنّه يستثنى من القياس الباطل ما كان

__________________

(١) وهو قوله عليه‌السلام : «علىّ مع الحقّ والحقّ مع علي». إحقاق الحق ٤ : ٢٧.

(٢) هذا مفاد الحديث ، وإليك نصّه : «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخفّ أولى بالمسح من أعلاه ...» سنن أبي داود ١ : ٤٢ ؛ المحلّى ١ : ٦١.

(٣) كالدقاق على ما في اللمع في أصول الفقه : ٩٣.

(٤) هذا الدليل ذكره الآمديّ ثمّ أجاب عنه بوجوه. راجع الإحكام ٤ : ٣٧.

(٥) نسبه إليه المحقّق البحرانيّ في الحدائق الناضرة ١ : ٦٠ ـ ٦٣. ولكن في نسبته إليه نظر ؛ لأنّه صرّح بأنّ ـ

منصوص العلّة ، وقياس الأولويّة ؛ فإنّ القياس فيهما حجّة. وبعض قال : «لا ، إنّ الدليل الدالّ على حرمة الأخذ بالقياس شامل للقسمين ، وليس هناك ما يوجب استثناءهما». (١)

والصحيح أن يقال : إنّ منصوص العلّة وقياس الأولويّة هما حجّتان ، ولكن لا استثناء من القياس ؛ لأنّهما في الحقيقة ليسا من نوع القياس ، بل هما من نوع الظواهر ، فحجّيّتهما من باب حجّيّة الظهور. (٢) وهذا ما يحتاج إلى البيان ، فنقول :

منصوص العلّة

أمّا منصوص العلّة : فإن فهم من النصّ على العلّة أنّ العلّة عامّة على وجه لا اختصاص لها بالمعلّل ـ الذي هو كالأصل في القياس ـ فلا شكّ في أنّ الحكم يكون عامّا شاملا للفرع ، مثل ما لو قال : «حرم الخمر ؛ لأنّه مسكر» ، فيفهم منه حرمة النبيذ ؛ لأنّه مسكر أيضا. وأمّا : إذا لم يفهم منه ذلك فلا وجه لتعدية الحكم إلى الفرع إلاّ بنوع من القياس الباطل ، مثل ما لو قيل : «هذا العنب حلو ؛ لأنّ لونه أسود» ؛ فإنّه لا يفهم منه أنّ كلّ ما لونه أسود حلو ، بل العنب الأسود خاصّة حلو.

وفي الحقيقة أنّه بظهور النصّ في كون العلّة عامّة ينقلب موضوع الحكم من كونه خاصّا بالمعلّل إلى كون موضوعه كلّ ما فيه العلّة ، فيكون الموضوع عامّا يشمل المعلّل (الأصل) وغيره ، ويكون المعلّل من قبيل المثال للقاعدة العامّة ، لا أنّ موضوع الحكم هو خصوص المعلّل (الأصل) ونستنبط منه الحكم في الفرع من جهة العلّة المشتركة ، حتى يكون المدرك مجرّد الحمل والقياس ، كما في الصورة الثانية ، أي التي لم يفهم فيها عموم العلّة.

ولأجل هذا نقول : إنّ الأخذ بالحكم في الفرع في الصورة الأولى يكون من باب الأخذ

__________________

ـ ما كان منصوص العلّة ، وبالطريق الأولى وإن كانا حجّتين ، إلاّ أن حجيّتهما ليست من باب القياس. راجع : مبادئ الوصول إلى علم الأصول : ٢١٧ ـ ٢١٨.

(١) الحدائق الناضرة ١ : ٦٥.

(٢) ولعلّه مراد العلاّمة من قوله : «بالنصّ ، لا بالقياس».

بظاهر العموم ، وليس هو من القياس في شيء ، ليكون القول بحجّيّة التعليل استثناء من عمومات النهي عن القياس. مثال ذلك قوله عليه‌السلام ـ في صحيحة ابن بزيع ـ : «ماء البئر واسع لا يفسده شيء ... ؛ لأنّ له مادّة» ، (١) فإنّ المفهوم منه ـ أي الظاهر منه ـ أنّ كلّ ماء له مادّة واسع لا يفسده شيء ، وأمّا : ماء البئر فإنّما هو أحد مصاديق الموضوع العامّ للقاعدة ، فيشمل الموضوع بعمومه كلاّ من ماء البئر ، وماء الحمّام ، وماء العيون ، وماء حنفيّة الإسالة (٢) ... وغيرها ، فالأخذ بهذا الحكم وتطبيقه على هذه الأمور غير ماء البئر ليس أخذا بالقياس ، بل هو أخذ بظهور العموم ، والظهور حجّة.

هذا ، وفي عين الوقت لمّا كنّا لا نستظهر من هذه الرواية شمول العلّة (لأنّ له مادّة) لكلّ ما له مادّة وإن لم يكن ماء مطلقا ، فإنّ الحكم ـ وهو الاعتصام من التنجّس ـ لا نعدّيه إلى الماء المضاف الذي له مادّة إلاّ بالقياس ، وهو ليس بحجّة.

ومن هنا يتّضح الفرق بين الأخذ بالعموم في منصوص العلّة ، والأخذ بالقياس ، فلا بدّ من التفرقة بينهما في كلّ علّة منصوصة ، لئلاّ يقع الخلط بينهما. ومن أجل هذا الخلط بينهما يكثر العثار (٣) في تعرّف الموضوع للحكم.

وبهذا البيان والتفريق بين الصورتين يمكن التوفيق بين المتنازعين في حجّيّة منصوص العلّة ، فمن يراه حجّة يراه فيما إذا كان له ظهور في عموم العلّة ، ومن لا يرى حجّيّته يراه فيما إذا كان الأخذ به أخذا به على نهج القياس.

والخلاصة أنّ المدار في منصوص العلّة أن يكون له ظهور في عموم الموضوع لغير ما له الحكم ـ أي المعلّل الأصل ـ ؛ فإنّه عموم من جملة الظواهر التي هي حجّة. ولا بدّ حينئذ أن تكون حجّيّته على مقدار ما له من الظهور في العموم ، فإذا أردنا تعديته إلى غير ما يشمله ظهور العموم ، فإنّ التعدية لا محالة تكون من نوع الحمل والقياس الذي لا دليل

__________________

(١) وسائل الشيعة ١ : ١٢٦ ـ ١٢٧ ، الباب ١٤ من أبواب الماء المطلق ، الحديثان ٦ و ٧.

(٢) الحنفيّة : أنبوبة ذات لولب تزجّ في ثقب من الحوض لاستفراغ الماء منه عند الحاجة. وبالفارسيّة : شير آب انبار.

(٣) العثار : المهلكة ، السقوط.

عليه ، بل قام الدليل على بطلانه.

قياس الأولويّة

أمّا قياس الأولويّة : فهو نفسه الذي يسمّى «مفهوم الموافقة» الذي تقدّمت الإشارة إليه (١) ، وقلنا هناك : إنّه يسمّى «فحوى الخطاب» ، كمثال الآية الكريمة ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ﴾ (٢) الدالّة بالأولويّة على النهي عن الشتم ، والضرب ، ونحوهما.

وتقدّم في هذا الجزء (٣) أنّ هذا من الظواهر ، فهو حجّة من أجل كونه ظاهرا من اللفظ ، لا من أجل كونه قياسا ، (٤) حتى يكون استثناء من عموم النهي عن القياس ، وإن أشبه القياس ، ولذلك سمّي بـ «قياس الأولويّة» ، و «القياس الجليّ».

ومن هنا لا يفرض مفهوم الموافقة إلاّ حيث يكون للّفظ ظهور بتعدّي الحكم إلى ما هو أولى في علّة الحكم ، كآية التأفيف المتقدّمة.

ومنه : دلالة الإذن بسكنى الدار على جواز التصرّف بمرافقها بطريق أولى ، ويقال لمثل هذا في عرف الفقهاء : «إذن الفحوى».

ومنه : الآية الكريمة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (٥) الدالّة بالأولويّة على ثبوت الجزاء على عمل الخير الكثير.

وبالجملة ، إنّما نأخذ بقياس الأولويّة إذا كان يفهم ذلك من فحوى الخطاب ؛ إذ يكون للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علّة الحكم ، فيكون حجّة من باب الظواهر. ومن أجل هذا عدّوه من المفاهيم ، وسمّوه «مفهوم الموافقة».

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة : ١٢٢.

(٢) الإسراء (١٧) الآية : ١٢٢.

(٣) راجع الصفحة : ١٢٢.

(٤) وصرّح بذلك العلاّمة الحلّي في : مبادئ الوصول : ٢١٧ ، حيث قال : «إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قد يكون جليّا كتحريم الضرب المستفاد من تحريم التأفيف ، وذلك ليس من باب القياس ... بل هو من باب المفهوم». والعجب من المصنّف قدس‌سره حيث عدّ العلاّمة ممّن يستثنيه من عموم النهي عن القياس.

(٥) الزلزلة (٩٩) الآية : ٧.