درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۳: مباحث حجت ۴۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

عليه ، بل قام الدليل على بطلانه.

قياس الأولويّة

أمّا قياس الأولويّة : فهو نفسه الذي يسمّى «مفهوم الموافقة» الذي تقدّمت الإشارة إليه (١) ، وقلنا هناك : إنّه يسمّى «فحوى الخطاب» ، كمثال الآية الكريمة ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ﴾ (٢) الدالّة بالأولويّة على النهي عن الشتم ، والضرب ، ونحوهما.

وتقدّم في هذا الجزء (٣) أنّ هذا من الظواهر ، فهو حجّة من أجل كونه ظاهرا من اللفظ ، لا من أجل كونه قياسا ، (٤) حتى يكون استثناء من عموم النهي عن القياس ، وإن أشبه القياس ، ولذلك سمّي بـ «قياس الأولويّة» ، و «القياس الجليّ».

ومن هنا لا يفرض مفهوم الموافقة إلاّ حيث يكون للّفظ ظهور بتعدّي الحكم إلى ما هو أولى في علّة الحكم ، كآية التأفيف المتقدّمة.

ومنه : دلالة الإذن بسكنى الدار على جواز التصرّف بمرافقها بطريق أولى ، ويقال لمثل هذا في عرف الفقهاء : «إذن الفحوى».

ومنه : الآية الكريمة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ (٥) الدالّة بالأولويّة على ثبوت الجزاء على عمل الخير الكثير.

وبالجملة ، إنّما نأخذ بقياس الأولويّة إذا كان يفهم ذلك من فحوى الخطاب ؛ إذ يكون للكلام ظهور بالفحوى في ثبوت الحكم فيما هو أولى في علّة الحكم ، فيكون حجّة من باب الظواهر. ومن أجل هذا عدّوه من المفاهيم ، وسمّوه «مفهوم الموافقة».

__________________

(١) تقدّمت في الصفحة : ١٢٢.

(٢) الإسراء (١٧) الآية : ١٢٢.

(٣) راجع الصفحة : ١٢٢.

(٤) وصرّح بذلك العلاّمة الحلّي في : مبادئ الوصول : ٢١٧ ، حيث قال : «إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق قد يكون جليّا كتحريم الضرب المستفاد من تحريم التأفيف ، وذلك ليس من باب القياس ... بل هو من باب المفهوم». والعجب من المصنّف قدس‌سره حيث عدّ العلاّمة ممّن يستثنيه من عموم النهي عن القياس.

(٥) الزلزلة (٩٩) الآية : ٧.

أمّا : إذا لم يكن ذلك مفهوما من فحوى الخطاب ، فلا يسمّى ذلك مفهوما بالاصطلاح ، ولا يكفي مجرّد الأولويّة وحدها في تعدية الحكم ؛ إذ يكون من القياس الباطل.

ويشهد لذلك ما ورد من النهي عن مثله في صحيحة أبان بن تغلب عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام ، قال أبان :

قلت له : ما تقول في رجل قطع إصبعا من أصابع المرأة؟ كم فيها؟ قال : «عشر من الإبل». قلت : قطع اثنتين (١)؟ قال : «عشرون». قلت : قطع ثلاثا؟ قال : «ثلاثون». قلت : قطع أربعا؟ قال : «عشرون».

قلت : سبحان الله! يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ، ويقطع أربعا فيكون عليه عشرون!؟ إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق ، فنبرأ ممّن قاله ، ونقول : الذي جاء به شيطان.

فقال : «مهلا يا أبان! هذا حكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ المرأة تعاقل (٢) الرجل إلى ثلث الدية ، فإذا بلغت الثلث ، رجعت إلى النصف. يا أبان! إنّك أخذتني بالقياس ، والسنّة إذا قيست محق الدين». (٣)

فهنا في هذا المثال لم يكن في المسألة خطاب يفهم منه في الفحوى من جهة الأولويّة تعدية الحكم إلى غير ما تضمّنه الخطاب ، حتى يكون من باب مفهوم الموافقة. وإنّما الذي وقع من أبان قياس مجرّد لم يكن مستنده فيه إلاّ جهة الأولويّة ؛ إذ تصوّر ـ بمقتضى القاعدة العقليّة الحسابيّة ـ أنّ الدية تتضاعف بالنسبة بتضاعف قطع الأصابع ، فإذا كان في قطع الثلاث ثلاثون من الإبل فلا بدّ أن يكون في قطع الأربع أربعون ؛ لأنّ قطع الأربع قطع للثلاثة وزيادة. ولكن أبان كان لا يدري أنّ المرأة ديتها نصف دية الرجل شرعا فيما يبلغ ثلث الدية فما زاد ، وهي مائة من الإبل.

والخلاصة : أنّا نقول ببطلان قياس الأولويّة إذا كان الأخذ به لمجرّد الأولويّة ، أمّا إذا كان مفهوما من التخاطب بالفحوى من جهة الأولويّة فهو حجّة من باب الظواهر ، فلا يكون

__________________

(١) في النسخة المطبوعة (اثنين). ـ منه قدس‌سره ـ.

(٢) تعاقل : توازن. وفي النسخة المطبوعة (تقابل) ، وأحسبه من تصحيح الناشر اشتباها. ـ منه قدس‌سره ـ.

(٣) الكافي ٧ : ٢٩٩ ـ ٣٠٠ ؛ بحار الأنوار ١٠٤ : ٤٠٥.

قياسا مستثنى من القياس الباطل.

تنبيه الاستحسان ، والمصالح المرسلة ، وسدّ الذرائع

بقي من الأدلّة المعتبرة عند جملة من علماء السنّة «الاستحسان» ، (١) و «المصالح المرسلة» (٢) ، و «سدّ الذرائع». (٣)

وهي ـ إن لم ترجع إلى ظواهر الأدلّة السمعيّة ، أو الملازمات العقليّة ـ لا دليل على حجّيّتها ، بل هي أظهر أفراد الظنّ المنهيّ عنه. وهي دون القياس من ناحية الاعتبار.

__________________

(١) وقد ذكر في تعريفه وجوه :

منها : أنّ الاستحسان هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى.

ومنها : أنّ الاستحسان هو العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس.

راجع الإحكام (للآمدي) ٤ : ٢١١ ـ ٢١٣ ، ومصادر التشريع : ٥٨.

والاستحسان من الأدلّة المعتبرة عند الحنفيّة ، والحنابلة على ما في منتهى الوصول والأمل : ٢٠٧ ، وإرشاد الفحول : ٢٤٠ ، وأصول الفقه (للخضري بك) : ٣٣٣ ، والإحكام (للآمدي) ٤ : ٢٠٩ ، واللمع : ١٢١.

(٢) واختلفوا في حقيقتها :

فقال بعض : «هي أن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب عقلا ، ولا يوجد أصل متّفق عليه».

وقال بعض آخر : «هي ما لا يستند إلى أصل كلّي ولا جزئيّ».

والقول باعتبارها منسوب إلى المالك ، والشافعي ، كما في إرشاد الفحول : ٢٤٢.

وقال ابن الحاجب في منتهى الوصول والأمل : ٢٠٨ : «وقد عزي إلى مالك خلافه ـ أي عدم امتناع التمسّك بها ـ ، وهو بعيد».

وإن أردت الاطّلاع عن تفصيل حقيقة المصالح المرسلة ، ومن قال باعتبارها فراجع نهاية السئول ٤ : ٩٧ ـ ١٠٥ و ٣٨٥ ـ ٣٩٥ ؛ سلّم الوصول : ٣٠٩ ؛ مصادر التشريع الإسلامي : ٧٣.

(٣) الذريعة ، في اللغة ، الوسيلة التي يتوصّل بها إلى الشيء.

وأمّا في الاصطلاح فقد يقال : «التوسّل بما هو مصلحة إلى مفسدة». وقد يقال : «ما يتوصّل به إلى شيء ممنوع مشتمل على مفسدة». راجع الموافقات ٤ : ١٩٩ ، والمدخل للفقه الإسلامي : ٢٦٦.

والحاصل أنّ المراد من «سدّ الذرائع» المنع من الوسيلة التي يتوصّل بها إلى مفسدة.

وذهب إلى اعتباره ابن القيم في أعلام الموقعين ٣ : ١٤٧ ـ ١٤٨. بل نسب ذلك إلى مالك ، وأحمد ، وابن تيميّة ، كما في المدخل للفقه المقارن : ٢٧٠.

ولو أردنا إخراجها من عمومات حرمة العمل بالظنّ لا يبقى عندنا ما يصلح لانطباق هذه العمومات عليه ممّا يستحقّ الذكر ، فيبقى النهي عن الظنّ بلا موضوع ، ومن البديهيّ عدم جواز تخصيص الأكثر ؛ على أنّه قد أوضحنا ـ فيما سبق في الدليل العقليّ (١) ـ أنّ الأحكام وملاكاتها لا يستقلّ العقل بإدراكها ابتداء ، ـ أي ليس من الممكن للعقول أن تنالها ابتداء من دون السماع من مبلّغ الأحكام ، إلاّ بالملازمة العقليّة ـ. وشأنها في ذلك شأن جميع المجعولات ، كاللغات ، والإشارات ، والعلامات ، ونحوها ؛ فإنّه لا معنى للقول بأنّها تعلم من طريق عقليّ مجرّد ، سواء كان من طريق بديهيّ ، أم نظريّ.

ولو صحّ للعقل هذا الأمر لما كان هناك حاجة لبعثة الرسل ، ونصب الأئمّة ؛ إذ يكون ـ حينئذ ـ كلّ ذي عقل متمكّنا بنفسه من معرفة أحكام الله (تعالى) ، ويصبح كلّ مجتهد نبيّا ، أو إماما. ومن هنا تعرف السرّ في إصرار أصحاب الرأي على قولهم بأنّ كلّ مجتهد مصيب ، وقد اعترف الإمام الغزاليّ بأنّه لا يمكن إثبات حجّيّة القياس إلاّ بتصويب كلّ مجتهد ، وزاد على ذلك قوله بـ «أنّ المجتهد وإن خالف النصّ فهو مصيب ، وأنّ الخطأ غير ممكن في حقّه». (٢)

ومن أجل ما ذكرناه من عدم إمكان إثبات حجّيّة مثل هذه الأدلّة رأينا الاكتفاء بذلك عن شرح هذه الأدلّة ، ومرادهم منها ، ومناقشة أدلّتهم. ونحيل الطلاّب على محاضرات «مدخل الفقه المقارن» (٣) التي ألقاها أستاذ المادّة في كلّيّة الفقه ، الأخ السيد محمّد تقيّ الحكيم ؛ فإنّ فيها الكفاية.

__________________

(١) راجع الصفحة : ٤٧٨ ـ ٤٨٠.

(٢) المستصفى ٢ : ٢٣٩.

(٣) المدخل للفقه المقارن «الأصول العامّة للفقه المقارن» : ٣٠٣ ـ ٤٠٤.