درس اصول الفقه (۲) مباحث حجت واصول عملیه

جلسه ۶۴: مباحث حجت ۴۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الباب التاسع

التعادل والتراجيح

تمهيد

عنون الأصوليّون من القديم هذه المسألة بعنوانها المذكور. (١)

ومرادهم من كلمة «التعادل» تكافؤ الدليلين المتعارضين في كلّ شيء يقتضي ترجيح أحدهما على الآخر.

ومرادهم من كلمة «التراجيح» : جمع «ترجيح» على خلاف القياس في جمع المصدر ؛ إذ جمعه ترجيحات. والمقصود منه المصدر بمعنى الفاعل ، أي المرجّح.

وإنّما جاءوا به على صيغة الجمع ، دون «التعادل» (٢) ؛ لأنّ المرجّحات بين الدليلين المتعارضين متعدّدة ، والتعادل لا يكون إلاّ في فرض واحد ، وهو فرض فقدان كلّ المرجّحات. (٣)

__________________

(١) عنونها به بعض الأصوليّين ، كالشيخ الأنصاريّ على ما في بعض نسخ فرائد الأصول ، والعلاّمة الآشتيانيّ في بحر الفوائد ٤ : ٢ ، والأسنويّ في نهاية السئول ٤ : ٤٣٢.

وعنونها العلاّمة الحلّي بعنوان «الترجيح في الأخبار» ، والمحقّق الحلّي بعنوان «التراجيح بين الأخبار». مبادئ الوصول : ٢٢٩ ؛ معارج الأصول : ١٥٤.

(٢) وجاء بهما في الفصول على صيغة الجمع ، فقال : «التعاديل والتراجيح» ، الفصول الغرويّة : ٤٣٦.

بل جاء بهما كثير منهم على صيغة المفرد ، فقالوا : «التعادل والترجيح». معالم الدين : ٢٦٦ ؛ نهاية الأفكار ٤ : ١٢٤ ؛ فوائد الأصول ٤ : ٦٩٩ ؛ إرشاد الفحول : ٢٧٣.

(٣) ولا يخفى ما فيه ـ بعد ما مرّ في التعليقة السابقة ـ من وجهين :

الأوّل : يمكن أن يقال : إنّ التعادل هو تساوي الأدلّة في كلّ ما يوجب ترجيح أحدها على الآخر ، وجودا وعدما ، والترجيح : هو اشتمال أحدها على ما يوجب ترجيحه من دون الآخر. ـ

والغرض من هذا البحث بيان أحكام التعادل بين الدليلين المتعارضين ، وبيان أحكام المرجّحات لأحدهما على الآخر.

ومن هنا نعرف أنّ الأنسب أن تعنون المسألة بعنوان «التعارض بين الأدلّة» (١) ؛ لأنّ التعادل والترجيح بين الأدلّة إنّما يفرض في مورد التعارض بينهما ، غير أنّه لمّا كان همّ الأصوليّين في البحث وغايتهم منه معرفة كيفيّة العمل بالأدلّة المتعارضة عند تعادلها ، وترجيحها ، عنونوها بما ذكرناه.

وهذه المسألة ـ كما ذكرناه سابقا (٢) ـ أليق شيء بها مباحث الحجّة ؛ لأنّ نتيجتها تحصيل الحجّة على الحكم الشرعيّ عند التعارض بين الأدلّة.

وقبل الشروع في بيان أحكام التعارض ينبغي في المقدّمة بيان أمور يحتاج إليها ، مثل حقيقة التعارض ، وشروطه ، وقياسه بالتزاحم ؛ والحكومة والورود ، ومثل القواعد العامّة في الباب ، فنقول :

[المقدّمة]

١. حقيقة التعارض

التعارض : مصدر من باب «التفاعل» الذي يقتضي فاعلين ، ولا يقع إلاّ من جانبين ، فيقال : تعارض الدليلان. ولا تقول : «تعارض الدليل» وتسكت (٣). وعليه ، فلا بدّ من فرض

__________________

ـ وعلى هذا ، فالتعادل قد يكون في فرض فقدان كلّ المرجّحات ، وقد يكون في فرض وجود مرجّح واحد في الجميع ، وقد يكون في فرض وجود مرجّح في أحدها ، ووجود مرجّح آخر مساو له في الآخر. ولعلّه عدل صاحب الفصول عن ذلك العنوان إلى العنوان المذكور آنفا.

الثاني : ويمكن أن يقال : التعادل هو عدم وجود المزيّة لأحد الأدلّة ، والترجيح هو وجود المزيّة في أحدها. وعلى هذا ، فكما أنّ التعادل لا يكون إلاّ في فرض واحد ـ وهو فرض فقدان المزيّة ـ كذلك الترجيح لا يكون إلاّ في فرض واحد ـ وهو فرض وجودها ـ ، ولعلّه لذلك عدل بعض آخر عن ذلك العنوان إلى عنوان «التعادل والترجيح».

(١) كما عنونها بهذا العنوان المحقّق الخراسانيّ في : الكفاية : ٤٩٥.

(٢) راجع الصفحة : ٣٦٨.

(٣) أي بدون أن تعطف على «الدليل» أمرا آخر.

دليلين ، كلّ منهما يعارض الآخر.

ومعنى المعارضة أنّ كلاّ منهما ـ إذا تمّت مقوّمات حجّيّته ـ يبطل الآخر ، ويكذّبه. والتكاذب ، إمّا أن يكون في جميع مدلولاتهما ، ونواحي الدلالة فيهما ، وإمّا في بعض النواحي على وجه لا يصحّ فرض بقاء حجّيّة كلّ منهما مع فرض بقاء حجّيّة الآخر ، ولا يصحّ العمل بهما معا.

فمرجع التعارض في الحقيقة إلى التكاذب بين الدليلين في ناحية ما ، أي إنّ كلاّ منهما يكذّب الآخر ، ولا يجتمعان على الصدق.

هذا هو المعنى الاصطلاحي للتعارض. وهو مأخوذ من «عارضه» ، أي جانبه وعدل عنه. (١)

٢. شروط التعارض

ولا يتحقّق هذا المعنى من التعارض إلاّ بشروط سبعة هي مقوّمات التعارض ، نذكرها لتتّضح حقيقة التعارض ، ومواقعه :

١. ألاّ يكون أحد الدليلين ، أو كلّ منهما قطعيّا ؛ لأنّه لو كان أحدهما قطعيّا فإنّه يعلم منه كذب الآخر ، والمعلوم كذبه لا يعارض غيره. وأمّا : القطع بالمتنافيين ففي نفسه أمر مستحيل لا يقع.

٢. ألاّ يكون الظنّ الفعليّ معتبرا في حجّيّتهما معا ؛ لاستحالة حصول الظنّ الفعليّ بالمتكاذبين ، كاستحالة القطع بهما. نعم ، يجوز أن يعتبر في أحدهما المعيّن الظنّ الفعليّ ، دون الآخر.

__________________

(١) قال الشيخ الأنصاريّ : «وهو لغة : من العرض بمعنى الإظهار ، وغلّب في الاصطلاح على تنافي الدليلين ، وتمانعهما باعتبار مدلولهما» ، فرائد الأصول ٢ : ٧٥٠.

وقال الشوكاني : «التعارض : فهو تفاعل من العرض ـ بضمّ العين ، ـ وهو الناحية والجهة ، كأنّ الكلام المتعارض يقف بعضه في عرض بعض ـ أي ناحيته وجهته ـ ، فيمنعه من النفوذ إلى حيث وجه». إرشاد الفحول : ٢٧٣.

٣. أن يتنافى مدلولاهما ـ ولو عرضا وفي بعض النواحي ـ ليحصل التكاذب بينهما ، سواء كان التنافي في مدلولهما المطابقيّ ، أو التضمّنيّ ، أو الالتزاميّ.

والجامع في ذلك أن يؤدّيا إلى ما لا يمكن تشريعه ، ويمتنع جعله في نفس الأمر ، ولو كان هذا الامتناع لأمر خارج عن نفس مدلولهما ، كما في تعارض دليل وجوب صلاة الجمعة مع دليل وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة ؛ فإنّ الدليلين في نفسهما لا تكاذب بينهما ؛ إذ لا يمتنع اجتماع وجوب صلاتين في وقت واحد ، ولكن لمّا علم من دليل خارج أنّه لا تجب إلاّ صلاة واحدة في الوقت الواحد فإنّهما يتكاذبان حينئذ بضميمة هذا الدليل الثالث الخارج عنهما.

وعلى هذا ، فيمكن تحديد الضابط للتعارض بأن يقال : «الضابط في التعارض : امتناع اجتماع مدلوليهما في الوعاء المناسب لهما ، إمّا من ناحية تكوينيّة ، أو من ناحية تشريعيّة».

أو يقال بعبارة جامعة : «الضابط في التعارض ، تكاذب الدليلين على وجه يمتنع اجتماع صدق أحدهما مع صدق الآخر».

ومن هنا يعلم أنّ التعارض ليس وصفا للمدلولين ـ كما قيل ـ (١) ، بل المدلولان يوصفان بأنّهما متنافيان ، لا متعارضان. وإنّما التعارض وصف للدليلين بما هما دليلان على أمرين متنافيين لا يجتمعان ؛ لأنّ امتناع صدق الدليلين معا ، وتكاذبهما إنّما ينشأ من تنافي المدلولين ؛ ولأجل هذا قال صاحب الكفاية : «التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلّة بحسب الدلالة ومقام الإثبات». (٢) فحصر التعارض في مقام الإثبات ، ومرحلة الدلالة.

٤. أن يكون كلّ من الدليلين واجدا لشرائط الحجّيّة ، بمعنى أنّ كلاّ منهما ـ لو خلّي ونفسه ، ولم يحصل ما يعارضه ـ لكان حجّة يجب العمل بموجبه ، وإن كان أحدهما ـ لا على التعيين ـ بمجرّد التعارض يسقط عن الحجّيّة بالفعل.

والسرّ في ذلك واضح ؛ فإنّه لو كان أحدهما غير واجد لشرائط الحجّيّة في نفسه

__________________

(١) والقائل الشيخ الأنصاريّ ، تبعا للسيد عميد الدين في منية اللبيب والمحقّق القمّي في القوانين. فرائد الأصول ٢ : ٧٥٠ ؛ منية اللبيب (مخطوط) : ١٦٩ ؛ قوانين الأصول ٢ : ٢٦٧.

(٢) كفاية الأصول : ٤٩٦.